فِي ندماء الْملك ومقربيه وتنظيم أُمُورهم
لَا مندوحة للْملك من اتِّخَاذ الندماء الْأَكفاء مِمَّن ينْطَلق مَعَهم على سجيته ويطارحهم مَا يُرِيد دونما حرج ذَلِك أَن مجالسة الْمُلُوك الكبراء وحكام الْأَطْرَاف وقادة الْجَيْش كثيرا تُؤثر فِي هيبتهم وعظمتهم وتقديرهم وتزيد من جسارة أُولَئِكَ مَعَهم
وَجُمْلَة القَوْل أَن على الْمُلُوك أَلا يتخذوا ندماءهم مِمَّن أسندوا إِلَيْهِم مناصب ومقامات وأعمالا وَألا يسندوا للنداماء أَي عمل أبدا لأَنهم بِمَا لَهُم فِي رحاب الْملك من حظوة قد يتطاولون ويتسببون فِي إِيذَاء النَّاس وإرهاقهم
الْعَامِل يَنْبَغِي أَن يهاب الْملك دَائِما أما النديم فجراته وجسارته مَعَه مرغوبة وَإِلَّا فَإِن الْملك لَا يَسْتَطِيب منادمته وَلَا يهش لَهَا فطبع الْملك ينبسط بالندامى وللندماء اوقات مَعْلُومَة فَبعد انفضاض اجْتِمَاع الْملك بالكبراء وإنصرافهم من عِنْده يبْدَأ دور الندامى
وللنديم فَوَائِد عدَّة أَولهَا إيناس الْملك وَثَانِيها أَن النديم بِحكم وجوده مَعَ الْملك ليل نَهَار يكون بِمَثَابَة الحامي لَهُ والذائد عَنهُ والمحافظ عَلَيْهِ فَإِذا مَا حاق بِهِ وَالْعِيَاذ بِاللَّه خطر مَا فَإِن النديم لَا يخْشَى أَن يَجْعَل من نَفسه درعا يدرؤه بهَا وَثَالِثهَا أَنه يُمكن للْملك تقليب الحَدِيث بجده وهزله مَعَ النديم فِي حِين يتَعَذَّر مثل هَذَا مَعَ الوزراء والكبراء لأَنهم أَصْحَاب مناصب ومقامات وعمال الْملك وَرَابِعهَا واخرها أَنه بِحكم جرْأَة الندامى وجسارتهم يُمكن الِاسْتِمَاع مِنْهُم إِلَى أَشْيَاء كَثِيرَة وَمَعْرِفَة أُمُور وأحوال عديدة من خير وَشر فِي صحو وسكر مِمَّا لَا يَخْلُو من الْفَائِدَة والصالح الْعَام
لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون النديم كريم الْمَعْدن فَاضلا وسيما نقي الْمَذْهَب حَافِظًا للسر نظيف الملبس عَارِفًا بِكَثْرَة للأسمار والقصص والنوادر هزليها وجديها حسن الرِّوَايَة يعرف لكل مقَام مقاله مجيدا للعب النَّرْد وَالشطْرَنْج وحبذا لَو أَنه يجيد الْغناء
[ ١٢٦ ]
وَالضَّرْب على الالات الموسيقية وَيَنْبَغِي أَن يكون مُوَافقا للموك دَائِما يردد بخ وأحسنت مَا إِن ينْطق الْملك شَيْئا أَو يَفْعَله وَألا ينصب من نَفسه معلما يَقُول افْعَل هَذَا وَلَا تفعل ذَلِك ولماذا فعلت ذَلِك وَيجب أَلا تفغل هَذَا فَهَذِهِ أُمُور يصعب على الْمُلُوك قبُولهَا وتحملها وَهِي تجر إِلَى الْكَرَاهِيَة
أما فِيمَا يتَعَلَّق بالمعاشرة والتنزه ومجالس الْأنس وَالشرَاب وَالصَّيْد واللعب بالطبطابة وَالْميسر وَغَيرهَا فَمن الْأَفْضَل أَن يتدبرها الْمُلُوك مَعَ الندماء لأَنهم إِنَّمَا أعدُّوا لمثل هَذَا وَأما مَا يخْتَص بشؤون المملكة والعمران وَالْحَرب والهجوم والعقوبات والذخائر والصلات وَالسّفر وَالْإِقَامَة والجيش والرعية وأمثال هَذَا فَمن الأولى تدبره مَعَ الوزراء وكبراء الدولى والمسنين من ذَوي التجارب والخبرات والأسفار فهم فِي هَذِه الْأُمُور أخبر وأدرى وأدهى وَهَكَذَا يوضع كل أَمر فِي نصابه
لقد اتخذ بعض الْمُلُوك ندمائهم من الْأَطِبَّاء والمنجمين وَقَالُوا الطَّبِيب يبين مَنَافِع كل مَأْكُول ومضاره وَينْصَح الْملك بِمَا يُوَافقهُ وَلَا يُوَافقهُ ويحفظ لَهُ سَلامَة مزاجه أما المنجم فيرقب الْوَقْت ويعلن عَن أَوْقَات السعد والنحس ويختار وَقت كل مَا يَنْوِي الْملك الْقيام بِهِ من أَعمال فِي حِين عدهما بعض الْمُلُوك عبئا قَالُوا إِن الطَّبِيب وَلَا مرض يحول بَيْننَا وَبَين الْأَطْعِمَة الشهية دَائِما ويصف لنا الْأَدْوِيَة ويفصدنا دون تَعب أَو ألم أما المنجم فيمنعنا من مزاولة الْأَعْمَال وَأَدَاء الْوَاجِبَات والمهام وَحين تنعم النّظر تَجِد أَنَّهُمَا يحولان دَائِما بَيْننَا وَبَين تَحْقِيق أهدافنا فضلا عَن لذائذ الدُّنْيَا وشهواتها وينغصان علينا عيشنا وَهَذَا مَا يتطلب استدعاؤهما وَقت الْحَاجة فَقَط
ويفضل ان يكون الندماء من ذَوي التجارب والأسفار وَمِمَّنْ خدموا العظماء والأكابر فَإِذا مَا أَرَادَ النَّاس التعرف على أَخْلَاق الْملك وعاداته فَإِنَّهُم يقيسونه بندمائه فَإِن يَكُونُوا ذَوي أَخْلَاق حميدة وطباع رحبة صبرا وَذَوي شهامة وظرف يدركوا انئذ أَن الْملك حسن الْخلق والطباع مَحْمُود السِّيرَة حُلْو الشَّمَائِل والعادات وَإِن يَكُونُوا مقطبي الْوُجُوه متعجرفين مستخفين متكبرين بخلاء رعناء وَمِمَّنْ يطْلبُونَ الْمحَال فَإِن النَّاس يستدلون على أَن الْملك سيء الطَّبْع والخلق والسيرة مُمْسك شرير متهور
وَلكُل نديم رُتْبَة ومقام إِذْ خصصت أَمَاكِن لجُلُوس بَعضهم وأماكن لوقوف بَعضهم الاخر فِيمَا كَانَت الْعَادة قَدِيما فِي مجَالِس الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء وَمَا زَالَ هَذَا الرَّسْم ساريا فِي
[ ١٢٧ ]
الأسرات العريقة إِلَى الْيَوْم فللخليفة من الندماء مَا كَانَ لابائه من قبل
أما سُلْطَان غزنين فَكَانَ لَهُ عشرُون نديما عشرَة جُلُوس وَعشرَة قيام وَقد حذا حَذْو السامانيين فِي هَذَا
وَيَنْبَغِي أَن تكون لندامى الْملك رواتب لعيشهم وَحُرْمَة تَامَّة بَين حشمه أما هم فَعَلَيْهِم أَن يَكُونُوا متحفظين مهذبين وللملك محبين
[ ١٢٨ ]