فِي حِين كَانَ الْخَلِيفَة الْمَأْمُون يُجَالس ندمائه يَوْمًا قَالَ لي أَمِيرا حرس لَا عمل لَهما من الصَّباح الباكر إِلَى اللَّيْل سوى ضرب الرّقاب والشنق وَقطع الْأَيْدِي والأرجل وَالْجَلد والزج فِي السجْن النَّاس يمتدحون أَحدهمَا ويثنون عَلَيْهِ ويعرفون لَهُ حَقه باستمرار وهم عَنهُ راضون وَبِه مسرورون فِي حِين انهم يسبون الآخر ويذكرونه بِالشَّرِّ
[ ١٧٧ ]
وَالسوء وهم دائمو الشكوى والتذمر مِنْهُ يلعنونه وَيدعونَ عَلَيْهِ مَا ذكر اسْمه وَلست ادري سببأ لهَذَا لَيْت احدأ يَسْتَطِيع ان يتَبَيَّن لي حَقِيقَة الْآمِر ان عمل الرجلَيْن وَاحِد فَلم يثني النَّاس على احدهما ويتذمرون من الآخر قَالَ اُحْدُ الندماء ان يتفضل مولَايَ بندبي لهَذَا الامر وامهالي ثَلَاثَة ايام آته بحقيقته قَالَ الْمَأْمُون لَك هَذَا
وَمضى النديم إِلَى منزله وَقَالَ لأحد خدمه الْأَكفاء لقد ندبتك للمهمة التالية فِي بَغْدَاد فِي هَذِه الْأَيَّام أَمِيرا حرس أَحدهمَا مسن والاخر كهل عَلَيْك أَن تنهض صباح غَد الباكر وتمضي إِلَى بَيت الأول فحين يخرج من حجرته إِلَى السراي راقب سلوكه كَيْفيَّة جُلُوسه وأقواله وأعماله وأنعم النّظر فِي تصرفه واوامره حِين يدْخل النَّاس عَلَيْهِ ويساق المجرمون إِلَيْهِ انتبه لكل هَذِه الْأَشْيَاء وأحط بهَا جيدا ثمَّ أطلعني عَلَيْهَا وَبعد غَد امْضِ باكرا إِلَى سراي الْأَمِير الاخر وراقب كل مَا يجْرِي هُنَاكَ من أَحَادِيثه وتصرفاته من أَولهَا إِلَى اخرها ثمَّ عد لي بخبرها أَيْضا فَقَالَ الْخَادِم سمعا وَطَاعَة
وَفِي الْيَوْم التَّالِي نَهَضَ الْخَادِم باكرا وَمضى إِلَى سراي أَمِير الحرس المسن وَجلسَ وَمَا هِيَ إِلَّا فَتْرَة حَتَّى جَاءَ فرَاش وَوضع شمعا على الصّفة وفرش الْمُصَلِّي وَوضع عَلَيْهِ بضعَة مصاحف وأدعية وسبحات وَحِينَئِذٍ ظهر رجل مسن فصلى عدَّة رَكْعَات ثمَّ أقبل النَّاس جَمِيعًا وَجَاء الإِمَام فاقام الصَّلَاة وَصليت الْجَمَاعَة وَقَرَأَ الرجل مَا تيَسّر لَهُ من الْقرَان الْكَرِيم والأدعية وَلما فرغ من أوراده تنَاول السبحة وَأخذ يسبح ويهلل وَالنَّاس يتواردون ويلقون السَّلَام بَعضهم يذهب وَبَعْضهمْ يجلس إِلَى بعيد شروق الشَّمْس عندئذ سَأَلَ الْأَمِير هَل من مذنب فَأُجِيب فَتى ارْتكب جريمة قتل قَالَ امن أحد يشْهد عَلَيْهِ فَقيل لَهُ لَا هُوَ نَفسه مقرّ بجرمه قَالَ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم أدخلوه لأراه فَأدْخل الشَّاب وَلما وَقعت عين الامير عَلَيْهِ قَالَ أَهَذا هُوَ قيل لَهُ أجل قَالَ لَا تبدو على هَذَا الْفَتى سِيمَا الْمُجْرمين بل إِن نور الْإِسْلَام والأصالة والإنسانية يشع مِنْهُ إِنَّه لَيْسَ مِمَّن يرتكبون مثل هَذَا الاثم أَحسب أَنهم يكذبُون لن أستمع الى قَول أحد فِيهِ مَا هَذَا الْكَلَام ان هَذَا الجرم لَا يصدر عَن
[ ١٧٨ ]
هَذَا الْفَتى انْظُرُوا كَيفَ ان سيماه وملامحه تشهد لَهُ وَفِي حِين كَانَ الْفَتى ينصت مصغيا قَالَ أحدهم أَيهَا الْأَمِير إِنَّه هُوَ نَفسه مقرّ بجرمه فصاح بِهِ الْأَمِير اخرس فَمن ذَا الَّذِي يَسْأَلك أَلا تخَاف الله اتحمل نَفسك وزر دم فَتى مُسلم عَبَثا إِن هَذَا الْفَتى أَعقل من أَن يفعل أَو يَقُول شَيْئا يكون فِيهِ هَلَاكه وحتفه وَكَانَ هدف الْأَمِير من ذَلِك أَن يُنكر الْفَتى أَقْوَاله ويتراجع عَنْهَا
ثمَّ الْتفت الْأَمِير نَحْو الْفَتى مَا تَقول قَالَ الْفَتى لقد شَاءَ قَضَاء الله وَقدره أَن يتم الْأَمر على يَدي خطأ إِن بعد هَذِه الدَّار دَار أُخْرَى لَا طَاقَة لي فِيهَا على عَذَاب الله ﷿ نفذ حكم الله فِي غير أَن أَمِير الحرس تصامم والتقت نَحْو النَّاس وَقَالَ إِنَّنِي لَا أسمع مَا يَقُول أيقر هُوَ أم لَا قَالُوا أجل انه يعْتَرف قَالَ الْأَمِير يَا بني لَا تبدو عَلَيْك سِيمَا الْمُجْرمين فلربما أَن خصما لَك مِمَّن يَبْغُونَ هلاكك حملك على أَن تَقول هَذَا فكر جيدا قَالَ الْفَتى أَيهَا الْأَمِير لم يحملني على هَذَا أحد إِنَّنِي مذنب فنفذ حكم الله فِي لما أَيقَن أَمِير الحرس ان الْفَتى لن يتراجع عَن قَوْله وَأَن لَا جدوى لتلقينه إِيَّاه وَإنَّهُ إِنَّمَا يعرض نَفسه للْمَوْت قَالَ لَهُ أَحَق مَا تَقول قَالَ أجل قَالَ الْأَمِير أأنفذ فِيك حكم الله قَالَ نفذه والتفت الْأَمِير إِلَى النَّاس وَقَالَ أَرَأَيْتُم فِي حَيَاتكُم فَتى يخَاف الله مُسلما بَصيرًا بالعواقب من مثل هَذَا الْفَتى إِنَّنِي لم أر قطّ ان نور السَّعَادَة وَالْإِسْلَام وإمارات الْأَصَالَة تشع مِنْهُ مِثْلَمَا ينبعث الضياء من الشَّمْس إِنَّه يعْتَرف خوفًا من الله وَيعلم أَنه يجب أَن يَمُوت إِنَّه يرغب فِي أَن يمْضِي إِلَى الله ﷿ نقيا شَهِيدا فَلم يبْق بَينه وَبَين الْجنَّة حَيْثُ الْحور والقصور إِلَّا خطوَات هَؤُلَاءِ هم أهل السَّعَادَة وَالْمَغْفِرَة وَالْجنَّة ثمَّ قَالَ للفتى اذْهَبْ واغتسل ثمَّ عد وصل رَكْعَتَيْنِ وسل الله ﷿ وَتب إِلَيْهِ وَاسْتَغْفرهُ كي أنفذ فِيك حكمه وقضاءه فَذهب الْفَتى واغتسل ثمَّ عَاد وامر الْأَمِير بمصلى فصلى الْفَتى رَكْعَتَيْنِ وَتَابَ إِلَى الله وَاسْتَغْفرهُ ثمَّ عَاد ووقف بَين يَدي الْأَمِير الَّذِي قَالَ كأنني أرى الان أَن هَذَا الْفَتى سيرى الْمُصْطَفى ﷺ فِي الْجنَّة وسيكون مَعَ الشُّهَدَاء من مثل حَمْزَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن وأمثالهم وَهَكَذَا جعل الْأَمِير يُدْلِي بِأَحَادِيث الْمَوْت بِهَذِهِ الْحَلَاوَة والعذوبة فِي قلب الْفَتى حَتَّى حبب إِلَيْهِ الْإِسْرَاع فِي قَتله ثمَّ أَمر بتعريته وتعصيب عَيْنَيْهِ وَهُوَ مَاض فِي أَحَادِيثه عَن الْمَوْت على النَّحْو نَفسه وَجِيء بسياف ماهر سَيْفه هُوَ المَاء فِي صفاءه ووقف على راس الْفَتى دون أَن يشْعر بِهِ وَأَشَارَ الْأَمِير بِعَيْنِه بَغْتَة فَضرب السياف عنق الْفَتى فِي سرعَة خاطفة وَقطع رَأسه بضربة وَاحِدَة
[ ١٧٩ ]
ثمَّ أَمر الْأَمِير بإيداع اخرين قبض عَلَيْهِم بجرائم مُخْتَلفَة السجْن للبت فِي أُمُورهم والتثبت مِنْهَا ونهض وَمضى إِلَى حجرته ثمَّ تفرق النَّاس وَعَاد الْخَادِم إِلَى النديم وحدثه بِكُل مَا رأى
وَفِي صباح الْيَوْم التَّالِي الباكر مضى الْخَادِم إِلَى سراي أَمِير الحرس الكهل وَجلسَ ينْتَظر فَأخذ النَّاس وأعوانه يتوافدون وَاحِدًا تلو اخر حَتَّى غص السراي بهم وَلما طلعت الشَّمْس وَارْتَفَعت فِي السَّمَاء خرج الْأَمِير من حجرته وَجلسَ للنَّاس مقطب الحاجبين متهدل الْعَينَيْنِ وَكَأَنَّهُ كَانَ يقتل ملاكا طوال ليله ووقف أعوانه امامه وَلم يكن يرد التَّحِيَّة على من يحييه وَإِذا مَا اتّفق ورد على أحدهم فَكَأَنَّهُ فِي حنق عَلَيْهِ
وَانْقَضَت فَتْرَة ثمَّ سَأَلَ أأحضر أحد فَقيل لَهُ فَتى قبض عَلَيْهِ سَكرَان فَاقِد الوعي لَيْلَة أمس قَالَ إِلَيّ بِهِ فَأتي بِهِ وَلما وَقعت عَيناهُ عَلَيْهِ قَالَ أَهَذا هُوَ قَالُوا أجل قَالَ كنت أبحث عَنهُ مُنْذُ مُدَّة طَوِيلَة انه ابْن حرَام مُفسد شرير لص قَاطع طَرِيق عربيد لَا يخْشَى الله مثير للفتنة وَلَا مثيل لَهُ بِبَغْدَاد يَنْبَغِي أَلا يَكْتَفِي بِإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ إِنَّمَا يجب ضرب عُنُقه لم يكن لَهُ من عمل ليل نَهَار سوى مطاردة ابناء النَّاس يسيء إِلَى سمعة الصّبيان حينا ويلطخ سمعة النِّسَاء حينا اخر وَلم يكن يمر يَوْم دون أَن يَأْتِي إِلَيّ عشرَة مِنْهُم يشكونه ويتذمرون من شَره إِنَّنِي لفي طلبه مُنْذُ وَقت طَوِيل لقد قَالَ الْأَمِير كثيرا من هَذَا حَتَّى ان القتى رغب فِي أَن يضْربُوا عُنُقه تخلصا من كام لِسَانه ثمَّ أَمر الْأَمِير بإحضار بضعَة سياط جَيِّدَة وَقَالَ ألقوه على الأَرْض وأجلسوا على رَأسه وَرجلَيْهِ واجلدوه أَرْبَعِينَ سَوْطًا بِنَحْوِ يعَض فِيهِ الأَرْض باسنانه
وَلما كَانُوا يرغبون فِي إِيدَاع الْفَتى السجْن بعد جلده حضر مَا يَرْبُو على خمسين رجلا من الوجهاء المعروفين فَشَهِدُوا لَهُ بالصلاح والستر والمروءة وكرم الضِّيَافَة وَحسن السِّيرَة والاعتقاد وتشفعوا لَهُ بالإفراج عَنهُ بعد جلده على أَن يقدم هَدِيَّة أَيْضا تغير أَن الْأَمِير لم يحفظ لَهُم حُرْمَة وَلم يعرهم اهتماما وأودعه السجْن فعادوا وهم عَلَيْهِ ساخطون حاقدون وَالنَّاس يدعونَ عَلَيْهِ ويلعنونه ونهض وَصَارَ إِلَى حجرته وَعَاد الْخَادِم النديم فَأطلع سَيّده على كل مَا جرى
[ ١٨٠ ]
وَفِي الْيَوْم الثَّالِث مضى النديم إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون وتلا عَلَيْهِ مَا سمع من سيرة أَمِيري الحرس وسلوكهما فتملك الْمَأْمُون الْعجب وَقَالَ عَفا الله عَن هَذَا الشَّيْخ المسن وعَلى ذَلِك الْكَلْب اللَّعْنَة فَلَقَد ارْتكب سفاهة بِحَق رجل شرِيف سَكرَان فَمَا ترَاهُ وَالْعِيَاذ بِاللَّه يفعل بالقاتل وَأمر بتنحيته عَن إِمَارَة الحرس وعزله مِنْهَا وَإِخْرَاج الْفَتى من السجْن أما الْأَمِير المسن فأبقاه فِي منصبه وخلع عَلَيْهِ خلعة من جَدِيد وارتاح باله من شَتَّى الْوُجُوه
[ ١٨١ ]