يُقَال أَنه كَانَ فِي الرّيّ على عهد فَخر الدولة وَقد كَانَ الصاحب بن عباد وزيرا لَهُ مَجُوسِيّ ثري مقتدر يدعى بزرجوميد بنى مَقْبرَة لنَفسِهِ على جبل طبرك تطل على قبَّة فَخر الدولة مَا زَالَت قَائِمَة إِلَى الْيَوْم وتعرف باسم ديده سباهسالاران مطل القادة وَلَقَد عانى بزرجوميد متاعب شَتَّى وَأنْفق أَمْوَالًا طائلة فِي إِقَامَته تِلْكَ الْمقْبرَة من طبقتين على قمة ذَلِك الْجَبَل كَانَ فِي الرّيّ محتسب اسْمه باخراسان يُقَال إِنَّه صعد غلى الْمقْبرَة بحيلة من الْحِيَل فِي الْيَوْم الَّذِي انتهي فِيهِ من الْعَمَل فِيهَا وَأذن للصَّلَاة من عَلَيْهَا فانتهك قدسيتها على مَذْهَبهم وأبطل حرمتهَا فَأَصْبَحت تعرف مُنْذُ ذَلِك الْحِين بمطل القادة
وَفِي أخريات عهد فَخر الدولة نقل إِلَيْهِ رجال بريده يَوْمًا وَقد كَانَ صَاحب بريد ان ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ شخصا يخرجُون باكرا كل يَوْم من الْمَدِينَة إِلَى مطل القادة ويظلون هُنَاكَ إِلَى أَن يلفع الإصفرار الشَّمْس حِينَئِذٍ يهبطون وينتشرون فِي الْمَدِينَة وَإِذا مَا سَأَلَهُمْ أحد لم تذهبون إِلَى المطل يوميا يَقُولُونَ للتنزه وَأمر فَخر الدولة بعض رِجَاله أَن امضوا إِلَى هُنَاكَ وإلي بأولئك النَّاس ثمَّ هاتوا كل مَا تجدونه مَعَهم فَمضى عدد من رجال الْقصر وصعدوا الْجَبَل إِلَيْهِم لكِنهمْ حِين لم يستطيعوا الْوُصُول إِلَى المطل صرخوا بِأَعْلَى أَصْوَاتهم من أَسْفَله ليسمعوا الْمَوْجُودين فِيهِ فَلَمَّا أطل أُولَئِكَ الرِّجَال وَرَأَوا حَاجِب فَخر الدولة مَعَ فريق من حَاشِيَته أنزلوا لَهُم سلما يصعدون بِهِ إِلَيْهِم فَلَمَّا صعد رجال فَخر الدولة إِلَيْهِم رَأَوْا عِنْدهم شطرنجا ممدودا ونردا ودواة وقلما وقرطاسا كاغذا وسفرة وابريقي مَاء وجرة وحصيرا مَبْسُوطا فَقَالَ الْحَاجِب أنهضوا فَإِن فَخر الدولة يستدعيكم وَمضى بهم إِلَيْهِ
[ ٢١١ ]
وتصادف أَن الصاحب بن عباد كَانَ جَالِسا إِلَى فَخر الدولة حِين وصولهم فَسَأَلَهُمْ فَخر الدولة من أَنْتُم وَلم تذهبون إِلَى هَذَا المطل يوميا قَالُوا للتنزه قَالَ إِن التَّنَزُّه يكون فِي يَوْم أَو يَوْمَيْنِ اَوْ عشرَة لكنكم تترددون على هَذَا الْمَكَان يوميا مُنْذُ مُدَّة طَوِيلَة أصدقوني القَوْل قَالُوا لَيْسَ بخاف على الْملك وَلَا على أحد إننا لسنا لصوصا وَلَا مجرمين وَلَا نخدع نسَاء النَّاس ونغويهن أَو نختطف أطفالهم من على الطرقات ان أحدا لم يَأْتِ الْملك قطّ فِي يَوْم من الْأَيَّام يشكونا إِلَيْهِ عَن أَذَى وباطل ان يؤمنا الْملك على أَرْوَاحنَا وأنفسنا نخبره من نَحن قَالَ فَخر الدولة لقد أمنتكم على أرواحكم وَأَنْفُسكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأقسم على ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يعرف أَكْثَرهم
لما حصلوا مِنْهُ على الْأمان وأمنوا على أَرْوَاحهم قَالُوا نَحن قوم من الْكتاب والمتصرفين الَّذين ظلوا عاطلين فِي عَهْدك ومحرومين من أَي نصيب فِي دولتك ان أحدا لم يولنا أَي منصب أَو عمل أَو حَتَّى يلْتَفت ألينا ونسمع الان بِظُهُور ملك بخراسان يُقَال لَهُ مَحْمُود يجتذب إِلَيْهِ ذَوي الْفضل والموهبة وَأهل الْعلم وَلَا يتركهم يهيمون على وُجُوههم
إننا نتطلع بامالنا إِلَيْهِ بعد أَن فَقدنَا الأمل فِي هَذِه المملكة واننا نصير إِلَى المطل يوميا لنشكو إِلَى بَعْضنَا بَعْضًا الدَّهْر ونسال كل من يصل إِلَيْنَا من جَانب مَحْمُود عَن أخباره ونكتب رسائل إِلَى أصدقائنا بخراسان نطلعهم على أحوالنا ونستفسر مِنْهُم تمهيدا للتوجه إِلَى هُنَاكَ فَلَقَد أضحينا فُقَرَاء وَنحن قوم ذَوُو عِيَال إِن الضَّرُورَة لترغمنا على ترك أوطاننا ومسقط رَأْسنَا وَبُيُوتنَا واختبار الغربة سعيا وَرَاء الْعَمَل هَذِه هِيَ حَالنَا وَالْأَمر الان أَمر مَوْلَانَا
لما سمع فَخر الدولة مِنْهُم هَذَا الْتفت إِلَى الصاحب بن عباد وَقَالَ مَاذَا ترى وَمَا الَّذِي يَنْبَغِي فعله قَالَ الصاحب لقد أَعْطَاهُم الْملك الْأمان وهم أهل قلم وَأَبْنَاء أنَاس أصلاء وإنني أعرف بَعضهم وَلِأَن أَمر أهل الْقَلَم مَنُوط بِي فليعهد إِلَيّ بهم لأتخذ مَا يلْزم نحوهم وسأتلو على مسامع مولَايَ الْكَرِيمَة أخبارهم غَدا فَأمر فَخر الدولة الْحَاجِب الَّذِي اتى بهم بِأَن يَأْخُذهُمْ إِلَى قصر الصاحب بن عباد وينزلهم هُنَاكَ وَمضى الْحَاجِب بهم إِلَى حَيْثُ أمره مَوْلَاهُ ووضعهم فِي قصر الصاحب وَعَاد لَكِن أُولَئِكَ الرِّجَال كَانُوا فِي حيرة واضطراب خوفًا مِمَّا سينزله الصاحب بهم من عُقُوبَة وَلما عَاد الصاحب من قصر فَخر الدولة إِلَى قصره هُوَ ألْقى عَلَيْهِم نظرة ثمَّ جَاءَهُم أحد الفراشين وَمضى بهم جَمِيعًا إِلَى حجرَة كَأَنَّهَا الْجنَّة فِي زينتها وفراشها الفاخر ومساندها المصفوفة وَقَالَ
[ ٢١٢ ]
لَهُم اجلسوا حَيْثُ تشاؤون فتوزعوا وجلسوا على المفارش وَجِيء بِالشرابِ وَلما شربوا جِيءَ بِالطَّعَامِ فاكلوا وغسلوا أَيْديهم ثمَّ أعد لَهُم مجْلِس غناء وطرب وَجِيء بالخمرة فراحوا يحتسون كؤوس الطلا ويستمعون إِلَى غناء المطربين إِذْ لم يكن ثمَّة أحد فِي مجلسهم ذَاك سوى الفراشين الثَّلَاثَة الَّذين كَانُوا يقومُونَ على خدمتهم وَلم يكن أحد يعلم شَيْئا عَن حَالهم تِلْكَ فقد كَانَت الْمَدِينَة بأسرها رجَالًا وَنسَاء فِي قلق عَلَيْهِم وَكَانَت نِسَاؤُهُم وأبناءهم يَبْكُونَ ويندبون
وَبعد ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة أَيَّام جَاءَهُم أحد حجاب الصاحب بن عباد وَقَالَ ان الصاحب يَقُول اعلموا أَن قصري لَيْسَ سجنا وأنكم ضيوفي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَلَو أُرِيد بكم سوء لما أحضرتم إِلَى قصري وَبعد أَن عَاد الصاحب من الدِّيوَان إِلَى قصره وَكَانَ منهمكا فِي أَمرهم أَمر باحضار خياط حَالا ليخيط عشْرين جُبَّة من الديباج ثمَّ أَمر بتهيئة عشْرين جوادا بسرج مزركشة وَلما انتهي من إعداد هَذَا كُله مَعَ إشراقة صباح الْيَوْم التَّالِي دَعَا الصاحب الرِّجَال جَمِيعهم إِلَيْهِ والبس كل وَاحِد منمهم جُبَّة وعمامة أعطَاهُ جوادا وغطاء مزركشا لسرجه وَعين لَهُ عمله وَجعل لبَعْضهِم جرايات دائمة ووصلهم جَمِيعًا ثمَّ صرفهم إِلَى مَنَازِلهمْ فرحين مسرورين وَفِي الْيَوْم التَّالِي حَضَرُوا عِنْد الصاحب جَمِيعًا للسلام عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم لتقروا الان عينا فَلَا تكتبا لمحمود بعد الان وَلَا تتشكوا وَلَا تعملوا على زَوَال مملكتنا
وَلما مثل الصاحب بَين يَدي فَخر الدولة سَأَلَهُ مَاذَا فعلت مَعَ تِلْكَ الْجَمَاعَة قَالَ الصاحب يَا مولَايَ أَعْطَيْت كلا مِنْهُم جوادا مطهما وخلعة وصلَة وعينت لَهُ عملا من بَين الْأَعْمَال الَّتِي انتزعتها من أَصْحَاب العملين فِي الدولة والديوان ثمَّ صرفتهم إِلَى بُيُوتهم بعد أَن عرف كل عمله فِرَاق لفخر الدولة ذَلِك وَأقرهُ ثمَّ قَالَ لَو فعلت غير هَذَا لما كَانَ فعلك صَحِيحا ليتك أقدمت على مَا أقدمت عَلَيْهِ السّنة قبل عشر سنوات فَمَا كَانُوا لِيَرْغَبُوا فِي خصومنا يجب أَلا يسند لأي شخص بعد الان سوى عمل وَاحِد لتَكون لكل المتصرفين أَعمال وليكون للأعمال جَمِيعهَا رونق وبهاء فَإِذا مَا ولي شخص وَاحِد عملين أَو ثَلَاثَة فَإِن سبل الْعَيْش تضيق على الاخرين وَإِن حكام الْأَطْرَاف ومتسقطي عُيُوب دولتنا سيقولون ألم يبْق فِي مملكتهم رجال حَتَّى يعهدوا بعملين إِلَى رجل وَاحِد ويحملوننا على عدم الْكِفَايَة والجدارة ألم تَرَ أَن الْحُكَمَاء قَالَت لكل عمل رجال ان فِي المملكة وظائف كَبِيرَة ومتوسطة وصغيرة فليعط كل عَامل ومتصرف عملا
[ ٢١٣ ]
وَاحِدًا وفقا لكفايته وفضله ولياقته والته حسب وان يكن لأحد شغل وَجَاء يطْلب اخر فَيَنْبَغِي أَلا يلبى طلبه أَو يسمح لَهُ بذلك لكَي يقْضِي على هَذَا التَّقْلِيد الْمُحدث فِي المملكة فَإِذا مَا ولي كل عَامل فِي المملكة عملا وَاحِدًا فَقَط فَأَنَّهُ يُؤَدِّي بِالضَّرُورَةِ إِلَى إعمارها
إِن الْملك زينته الْعمَّال عُمَّال الْخراج وكبار الْجَيْش وان على رَأس كل الْعمَّال والمتصرفين وزيرا فحين يكون الْوَزير سَيِّئًا خائنا ظَالِما متطاولا يكون الْعمَّال جَمِيعهم كَذَلِك بل أَسْوَأ وَأكْثر خُرُوجًا على الْقَوَاعِد وَالْأُصُول المرعية
وَإِذا مَا وجد ثمَّة عَامل بارع فِي إدارة دفة الْأُمُور أَو كَاتب أَو مستوف أَو خَبِير فِي أَنْوَاع الْمُعَامَلَات مِمَّن لَا نَظِير لَهُ فِي المملكة من ذَوي الْمذَاهب السَّيئَة والعقائد الْفَاسِدَة من مثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس واذى الْمُسلمين واستخف بهم لحجة فِي الْعَمَل أَو الْحساب فَتجب تنحيته ومعاقبته إِذا مَا تظلموا مِنْهُ واشتكوا وَلَا يغرنك قَول شفعائه انه لَا يُوجد فِي المملكة كلهَا كَاتب أَو محاسب أَو عَامل مثله ان ينح عَن عمله فَإِن أضرارا بَالِغَة ستلحق بالمعاملات جَمِيعهَا وَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يقوم بِهَذِهِ المهمة بعده إِنَّهُم يكذبُون وَيَنْبَغِي أَلا يصغى إِلَى كَلَامهم بل يجب استبدال ذَلِك الشَّخْص باخر مِثْلَمَا فعل عمر بن الْخطاب ﵁