يُقَال انه لما توفّي قباذ الْملك تولى ابْنه أنوشروان الْعَادِل الْملك من بعده وعمره ثَمَانِي عشرَة سنة لقد كَانَ الْعدْل متأصلا فِيهِ مُنْذُ نعومة أَظْفَاره فَكَانَ يُقَابل الإساءه بالإساءة وَالْإِحْسَان بِالْإِحْسَانِ وَكَانَ يَقُول إِن وَالِدي ضَعِيف رَأْيه طيب قلبه يخدع بِسُرْعَة سلم مقاليد المملكة لعمال وولاة يَفْعَلُونَ مَا يشاؤون فخربت الْبِلَاد ونفذت خزائنها الَّتِي نهبوا مَا فِيهَا من أَمْوَال اما هُوَ فَلم يعلق بِهِ ويبق لَهُ سوى الظُّلم والسمعة السَّيئَة
[ ٦٧ ]
لقد خدع مرَّتَيْنِ الأولى باقوال مزدك ذِي الِاعْتِقَاد السيىء وَالْمذهب الْخَبيث وحيله وَالْأُخْرَى بيد الْعَامِل فلَان والوالي فلَان اللَّذين دمرا الْولَايَة بِمَا فرضاه عَلَيْهَا من ضَرَائِب بَاطِلَة أفقرت الرّعية وضيقت عَلَيْهَا الخناق لقد خدعاه لحبه المَال ببدرة ذهب أحضراها إِلَيْهِ ففرح بهَا كثيرا دون أَن يفكر بكثرتها أَو يسال الْوَالِي مثلا أَنْت أَمِير تِلْكَ الْولَايَة وواليها وَقد أنفذت إِلَيْك مبالغ من المَال رواتب ونفقات لَك لمن مَعَك أرى أَنَّك غصبتهم أعطياتهم وَإِلَّا فانى لَك هَذِه الْأَمْوَال الَّتِي أحضرتها إِلَيّ وَهَذَا النَّعيم والثروة الطارئة الَّتِي لَا عهد لَك بهَا من قبل أوليست هِيَ الْأَمْوَال الَّتِي استوليت عَلَيْهَا من النَّاس ظلما وعدوانا أَو وَأَن يَقُول لِلْعَامِلِ ان أَمْوَال الْولَايَة على أَقسَام بَعْضهَا مَا أنفقته فِي سبل الْخَيْر والاخر مَا دفعت بِهِ إِلَى خزينة الدولة فَمن أَيْن لَك هَذِه المبالغ الَّتِي أَرَاهَا مَعَك أليست الْأَمْوَال الَّتِي أَخَذتهَا دون حق إِن وَالِدي نَفسه لم يكن يتحَرَّى الْأُمُور أَو يدقق فِيهَا حَتَّى يَسْتَقِيم الاخرون فِي أَعْمَالهم
وَمَرَّتْ ثَلَاث أَو أَربع سِنِين على حكم أنوشروان وَأَصْحَاب الإقطاعات والولاة والحكام ماضون فِي تجاوزهم وتماديهم وجموع المتظلمين تترى على الْقصر تَشْكُو وتصرخ وتتظلم وَذَات يَوْم جلس أنوشروان الْعَادِل للمظالم فَحَضَرَ جَمِيع رجالات المملكة وأعيانها ثمَّ اسْتَوَى الْملك على سَرِيره فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ اعلموا أَن الله ﷿ هُوَ الَّذِي وهبني الْملك أَولا وانني ورثته عَن وَالِدي ثَانِيًا وَأَن عمي خرج عَليّ فحاربته واسترجعت الْملك مِنْهُ بِالسَّيْفِ ثَالِثا وَلما ملكني الله الْملك جعلت لكم فِيهِ نَصِيبا فوليت كلا مِنْكُم ولَايَة وَلم أغمط أحدا فِي هَذِه الدولة حَقه بل كَانَ لكل نصيب وأبقيت الْكِبَار والمعروفين مِمَّن كَانَت لَهُم الْولَايَة والمقامات الرفيعة فِي عهد وَالِدي فِي مناصبهم وَلم أبخسهم أَرْزَاقهم وأشياءهم لقد أوصيتكم وَمَا أَزَال بِالنَّاسِ خيرا فِي الْمُعَامَلَة وَحسن التَّصَرُّف وَعدم تَحْصِيل الْأَمْوَال من ضَرَائِب وخراج إِلَّا بِالْحَقِّ أحفظ لكم حرماتكم وأصونها وَلَا تصونون بل تعرضون عَن كَلَامي لَا تخشون الله وَلَا تستحون من الْعباد إِنَّنِي أَخَاف عِقَاب الله وعذابه واخشى أَن تكون عَاقِبَة ظلمكم وبالا على عهدي إِن الْعَالم صَاف من الْأَعْدَاء والمخالفين وَأَنْتُم فِي رَاحَة وكفاف عَيْش والانصراف إِلَى شكر الله وحمده على نعمه الَّتِي وهبنا جَمِيعًا هُوَ البديل الوحيد وَالْأَفْضَل للظلم وكفران النِّعْمَة وجحودها فالظلم يقوض الْملك وكفران النِّعْمَة يمحقها
[ ٦٨ ]
عَلَيْكُم مُنْذُ الان أَن تحسنوا مُعَاملَة خلق الله ﷿ وتخففوا الْوَطْء على الرّعية وَألا تُؤْذُوا الضُّعَفَاء وَأَن ترعوا للْعُلَمَاء والحكماء حرماتهم وتخالطوا الأخيار وتجالسوهم وتتجنبوا الأشرار وعشراء السوء وَألا تسيئوا إِلَى الْمُتَّقِينَ والزهاد وَأشْهد الله وَمَلَائِكَته على نَفسِي بانني سأنحيي كل من لايسير على هَذَا النهج وَلنْ أبقيه فَقَالُوا جَمِيعًا سمعا وَطَاعَة سننفذ هَذَا بحذافيره
وَبعد أَيَّام عَاد الْجَمِيع إِلَى أَعْمَالهم واستمروا فِي ديدنهم السَّابِق ظلما ونهبا غير ابهين بأنوشروان الَّذِي مَا انفكوا يعدونه طفْلا وَكَانَ كل وَاحِد من أُولَئِكَ العصاة يظنّ أَنه هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى الْعَرْش وَأَن بَقَاءَهُ ملكا أَو عَدمه رهن إِرَادَته وَلزِمَ أنوشروان الصمت وَسكت عَنْهُم سنوات على مضض
كَانَ لأنوشروان قَائِد كَبِير هُوَ وَالِي أذربيجان الَّذِي لم يكن فِي المملكة كلهَا أَمِير أَو قَائِد أقوى مِنْهُ أَو أَكثر نعْمَة وَلم يكن لأحد مَا كَانَ لَهُ من الات وَعدد وجند وممتلكات وَكَانَ مِمَّا يُرَاوِد نفس ذَلِك الْقَائِد أَن يُقيم لنَفسِهِ مقرا وبستانا فِي ضواحي الْمَدِينَة الَّتِي كَانَ فِيهَا لقد كَانَت فِي تِلْكَ الْبقْعَة قِطْعَة أَرض لإمرأة عَجُوز لَا يتَجَاوَز نتاجها السنوي حِصَّة الْملك وزارعها وشيئا ضئيلا يبْقى لَهَا هُوَ عبارَة عَن أَرْبَعَة أرغفة من خبز الشّعير يوميا على مدَار السّنة كلهَا فَكَانَت الْعَجُوز تشتري بأحدها طَعَاما وباخر زيتا لسراجها وتحتفظ بالثالث لفطورها وَالرَّابِع والأخير لعشائها وَكَانَ النَّاس يتصدقون عَلَيْهَا بملابسها وثيابها وَلم تكن المسكينة تَبْرَح بَيتهَا وَكَانَت تقضي عمرها فِي مشقة وفاقة وعوز
وَرَأى الْقَائِد أَنه من الْمُنَاسب أَن يضم قِطْعَة الأَرْض تِلْكَ لتصبح فِي جملَة بستانه وقصره فَأرْسل إِلَى الْعَجُوز شخصا يَقُول لَهَا بيعيني قِطْعَة أَرْضك فإنني فِي حَاجَة إِلَيْهَا قَالَت لَا أبيعها فإنني أحْوج إِلَيْهَا لأنني لَا أملك من الدُّنْيَا سواهَا وَمِنْهَا أعيش وَالْإِنْسَان لَا يَبِيع مصدر رزقه قَالَ ادْفَعْ إِلَيْك ثمنهَا أَو أعوضك بهَا قِطْعَة أُخْرَى تعدلها محصولا قَالَت الْعَجُوز إِن أرضي هَذِه حَلَال ورثته عَن وَالِدي وَهِي قريبَة من مصدر الْمِيَاه وانني على وفَاق مَعَ جيراني الَّذين يحترمونني ويحبونني وَلَيْسَت لأرضك هَذِه الميزات فَكف عَن أرضي
غير أَن الْقَائِد لم يعر اهتماما لكلامها بل استولى على الأَرْض ظلما وعنوة وسحب عَلَيْهَا سور بستانه وَضمّهَا إِلَيْهِ فأسقط فِي يَد الْمَرْأَة ورضخت لقبُول ثمن الأَرْض أَو ابدلها وَأَلْقَتْ بِنَفسِهَا امامة قائلة الثّمن أَو البديل فَلم يصغ إِلَيْهَا أَو يُكَلف نَفسه
[ ٦٩ ]
النّظر فِيهَا وَلم يأبه بهَا وَخرجت من عِنْده قانطة وَلم يعد يسمح لَهَا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ لَكِنَّهَا ظلت تجْلِس لَهُ فِي الطَّرِيق كلما ركب للتنزه وَالصَّيْد وتصرخ فِي وَجهه حِين يقترب مُطَالبَة بِثمن الأَرْض فَكَانَ يمر عَنْهَا دون أَن يُجيب بِشَيْء وَإِذا مَا طلبت إِلَى خاصته وندمائه وحجابه أَن ينقلوا إِلَيْهِ طلبَهَا قَالُوا نعم سنقول لَكِن أحدا لم يكن يَقُول لَهُ شَيْئا وَمَضَت على هَذَا الْمَوْضُوع سنتَانِ
واملقت الْعَجُوز وَلم تَجِد من ينصفها ونفضت يَدهَا مِنْهُ وَقَالَت فِي نَفسهَا إِنَّنِي أضْرب فِي حَدِيد بَارِد مَا من يَد إِلَّا وَجعل الله يدا فَوْقهَا وأخيرا أَمَام جبروت خَادِم أنوشروان الْعَادِل وَعَبده والحل أَن أتحمل مشاق السّفر وأذهب إِلَى الْمَدَائِن وادخل إِلَى أنوشروان وأعلمه حَقِيقَة حَالي فقد أجد عِنْده إنصافا وَدون ان تخبر احدا مَضَت فَجْأَة من أذربيجان إِلَى الْمَدَائِن متحملة الْمَشَقَّة والتعب فَلَمَّا رات قصر أنوشروان قَالَت فِي نَفسهَا من ذَا الَّذِي سيتيح لي الدُّخُول إِلَى هُنَا إِنَّه لم يكن يسمح لي بِدُخُول سراي وَالِي أذربيجان وَهُوَ خَادِم الْملك فَكيف يُمكن أَن يسمح لي بِالدُّخُولِ إِلَى قصر الْملك نَفسه والمثول بَين يَدَيْهِ وَهُوَ سيد الدُّنْيَا باسرها إِن من الْأَفْضَل ان آوي إِلَى مَكَان قريب هُنَا وأكتم أَمْرِي فَرُبمَا أَسْتَطِيع أَن أظفر بلقاء الْملك وَهُوَ خَارج وأقص عَلَيْهِ قصتي
وَحدث أَن جَاءَ الْقَائِد الَّذِي سلبها أرْضهَا إِلَى الْقصر وعزم أنوشروان على الْخُرُوج للصَّيْد ولقفت الْعَجُوز خبر خُرُوج الْملك للصَّيْد إِلَى الْمَكَان الْفُلَانِيّ فِي يَوْم كَذَا فمضت واخذت تسْأَل هُنَا وَهُنَاكَ إِلَى أَن وصلت إِلَى ذَلِك الْمَكَان بِمَشَقَّة وَجهد وَأَلْقَتْ بِنَفسِهَا خلف دمنة هُنَاكَ ونامت لَيْلَتهَا تِلْكَ
وَفِي الْيَوْم التَّالِي وصل أنوشروان وتفرق من كَانَ مَعَه من كبار القادة فِي طلب الصَّيْد وَبَقِي هُوَ يتجول قي الْمَكَان وَمَعَهُ أحد الموكلين بِالسِّلَاحِ فَقَط اغتنمت الْعَجُوز الفرصة ونهضت من مكمنها وأسرعت نَحْو الْملك وأخرجت شكواها وَهِي تَقول أَيهَا الْملك إِن تكن مَالك الدُّنْيَا فأنصف هَذِه الْعَجُوز الضعيفة واقرأ شكواها وتعرف على حَالهَا
لما رأى أنوشروان الْعَجُوز وَسمع مَا تَقول أَيقَن أَنَّهَا لم تأت إِلَى هُنَا لَو لم تكن ثمَّة ضَرُورَة قصوى فاتجه بفرسه نَحْوهَا وَأخذ شكواها وَقرأَهَا واستمع إِلَى حَدِيثهَا
[ ٧٠ ]
فترقرقت الدُّمُوع فِي عَيْنَيْهِ وَقَالَ لَهَا ليهدأ بالك فقد كَانَ الْمَوْضُوع يخصك وَحدك أما وَقد علمناه الان فَهُوَ مَنُوط بِنَا نَحن وعلينا عبئه سأوصلك إِلَى بغيتك وحقك أَولا ثمَّ أرسلك بعد ذَلِك إِلَى مدينتك لتستريحي عندنَا أَيَّامًا فقد قطعت طَرِيقا طَوِيلَة ثمَّ تلفت حواليه فَرَأى أحد فراشيه اتيا على بغله الموكبي فَقَالَ لَهُ أنزل وأركب هَذِه الْمَرْأَة وامض بهَا إِلَى إِحْدَى الْقرى وَسلمهَا إِلَى كبيرها ثمَّ عد وَحين نرْجِع من الصَّيْد خُذْهَا من الْقرْيَة إِلَى الْمَدِينَة واسكنها فِي بَيْتك وَاجعَل لَهَا من خزانتنا منوي خبز وَمن لحم يوميا وَخَمْسَة دَنَانِير ذهب شهريا إِلَى أَن نطلبها مِنْك فنفذ الْفراش مَا أَمر بِهِ
وَلما عَاد أنوشروان من الصَّيْد أمضى سَحَابَة يَوْمه يفكر فِيمَا يجب فعله لمعْرِفَة حَقِيقَة الْمَوْضُوع دون أَن يشْعر بِهِ أحد من كبار الدولة فَفِي قيلولة أحد الْأَيَّام وَالنَّاس نيام وَالْقصر خَال قَالَ الْملك لأحد خدمه اذْهَبْ إِلَى الْحُجْرَة الْفُلَانِيَّة وجيئني بالغلام فلَان فَذهب الْخَادِم واحضر الْغُلَام فَقَالَ لَهُ الْملك يَا غُلَام أَنْت تعلم أَن غلماننا اللائقين كَثِيرُونَ لكنني اخْتَرْتُك من بَينهم جَمِيعًا واعتمدت عَلَيْك فِي أَمر خُذ نفقات سفرك من الخزانة وامض إِلَى أذربيجان وَأنزل بِالْمَدِينَةِ الْفُلَانِيَّة فِي الْمحلة الْفُلَانِيَّة واقم هُنَاكَ عشْرين يَوْمًا ولتتظاهر أَمَام النَّاس إِنَّك جِئْت فِي طلب غُلَام فار وحيثما اسْتَطَعْت أَن تجالسهم وتعاشرهم وتختلط بهم وتتحدث إِلَيْهِم فِي سكر وصحو اسألهم لقد كَانَت فِي محلتكم هَذِه عَجُوز اسْمهَا فُلَانَة أَيْن ذهبت فَلَيْسَ من خبر عَنْهَا وماذا فعلت بارضها الَّتِي كَانَت تَملكهَا اضغ إِلَى كل مَا يَقُولُونَ واحفظه ثمَّ عد إِلَيّ بِحَقِيقَة الْأَمر إِنِّي مرسلك فِي هَذِه المهمة لكنني ساطلبك إِلَى البلاط غَدا وَأَقُول لَك فِي صَوت عَال يسمعهُ الْجَمِيع إذهب وَخذ نفقاتك من الخزانة وامض إِلَى أذربيجان فَكلما وصلت إِلَى مَدِينَة أَو نَاحيَة سل عَن غلات هَذَا الْعَام وفواكهه أنزلت بهَا الافات أم لَا كَذَلِك المراعي وأماكن الصَّيْد ثمَّ عد بِسُرْعَة وأطلعنا على مَا وجدت الْأُمُور عَلَيْهِ كل هَذَا حَتَّى لَا يعرف أحد بِالْأَمر الَّذِي ارسلك من اجله فَقَالَ الْغُلَام سمعا وَطَاعَة
وَفِي الْيَوْم التَّالِي نفذ أنوشروان مَا قَالَ وَمضى الْغُلَام فوصل إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَة وَأقَام فِيهَا عشْرين يَوْمًا كَانَ يسْأَل كل من جلس إِلَيْهِ عَن أَحْوَال الْمَرْأَة الْعَجُوز فَكَانَ جوابهم جَمِيعًا لقد كَانَت إمرأة مستورة وأصيلة كُنَّا نرها فِي نعْمَة مَعَ زَوجهَا وَأَوْلَادهَا
[ ٧١ ]
لَكِن زَوجهَا وَأَوْلَادهَا مَاتُوا جَمِيعهم فَبَقيت وحيدة والت نعمتها إِلَى زَوَال وَلم يبْق لَهَا سوى قِطْعَة أَرض عهِدت بهَا إِلَى زارع يَزْرَعهَا فَكَانَ نتاجها عبارَة عَمَّا تَدْفَعهُ من خراج وَنصِيب الزَّارِع وَمَا يتبقى حصَّتهَا إِلَى الْمَوْسِم القادم وَهُوَ أَرْبَعَة أرغفة يوميا كَانَت كل رزقها أَحدهَا لطعامها وَالثَّانِي لزيت سراجها وَالثَّالِث لفطورها والأخير لعشائها وَلما أَرَادَ الْوَالِي أَن ينشىء لنَفسِهِ متنزها وبستانا استولى على أرْضهَا عنْوَة وَضمّهَا إِلَى أرضه دون أَن يدْفع لَهَا ثمنهَا أَو يعوضها مِنْهَا وظلت المسكينة طوال سنتَيْن تَتَرَدَّد على قصره تصرخ وتستغيث مُطَالبَة الثّمن غير أَن أحدا لم يلْتَفت إِلَيْهَا ومنذ مُدَّة لم يرهَا أحد فِي هَذِه الْمَدِينَة ولسنا نَدْرِي أَيْن ذهبت أميتة هِيَ أم حَيَّة
وَعَاد الْغُلَام وَمضى إِلَى الْقصر وَجلسَ أنوشروان الْعَادِل للنَّاس فَمثل الْغُلَام وَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ فَقَالَ أنوشروان لَهُ قل كَيفَ وجدت الْأُمُور فَقَالَ الْغُلَام يَا مولَايَ إِن المحاصيل جَيِّدَة السّنة فِي شَتَّى أرجاء مملكتكم إِذْ لم تصب بأية افة والمراعي مخضرة وأمكنة الصَّيْد عامرة قَالَ أنوشروان الْحَمد لله يَا لَهُ من خبر سَار وَلما انفض الْمجْلس وخلا الْقصر من غير أَهله أَمر أنوشروان بأستدعاء الْغُلَام ثمَّ سَأَلَهُ عَن الْأَحْوَال هُنَاكَ فَنقل إِلَيْهِ الْغُلَام كل مَا سمع فَثَبت لأنوشروان أَن كل مَا قالته الْمَرْأَة كَانَ صَحِيحا وَلم ينم يَوْمه وَلَيْلَته تِلْكَ لِكَثْرَة تفكيره وَشدَّة أسفه وَفِي صَبِيحَة الْيَوْم التَّالِي الباكر استدعى حَاجِبه الْكَبِير وَقَالَ لَهُ عِنْدَمَا يبْدَأ العظماء بالحضور وَيَأْتِي فلَان احجزه فِي الدهليز إِلَى أَن أخْبرك بِمَا يَنْبَغِي عمله
لما حضر العظماء والموبذون إِلَى البلاط خرج أنوشروان وَجلسَ إِلَيْهِم ثمَّ الْتفت نحوهم وَقَالَ إِنِّي سَائِلكُمْ شَيْئا فاجيبوا بِصدق عَمَّا تعرقون وَلَو حدسا وتخمينا قَالُوا سمعا وَطَاعَة قَالَ بِمَ تقدرون ثروة فلَان أَمِير أذربيجان ذَهَبا نَقْدا قَالُوا فِي حُدُود مِائَتي ألف ألف دِينَار مكدسة لَا حَاجَة لَهُ بهَا قَالَ وَمن وَسَائِل الْجُلُوس والأثاث قَالُوا خَمْسمِائَة ألف دِينَار من الذَّهَب وَالْفِضَّة قَالَ وَمن الْجَوَاهِر قَالُوا سِتّمائَة ألف دِينَار قَالَ وَمن السَّجَّاد ووسائل الزِّينَة قَالُوا ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار قَالَ وَمن الْأَمْلَاك والمستغلات والضياع وَالْعَقار قَالُوا مَا من مَدِينَة وناحية فِي خُرَاسَان وَالْعراق وَفَارِس وأذربيجان إِلَّا وَله فِيهَا عشر أَو سبع أَو
[ ٧٢ ]
ثَمَان من الْقرى والأملاك والقصور ومنازل القوافل والحمامات والمطاحن قَالَ وَمن الْخَيل وَالْبِغَال قَالُوا ثَلَاثُونَ ألفا قَالَ وَمن الأغنام قَالُوا حوالي مِائَتي ألف قَالَ وَمن الْجمال قَالُوا عشرُون ألفا قَالَ وَمن الرَّقِيق قَالُوا ألف وَسَبْعمائة غُلَام تركي ورومي وَحبشِي وَأَرْبَعمِائَة جَارِيَة حسناء قَالَ فَكيف يعتدي من عِنْده هَذِه النعم وَمن يَأْكُل عشْرين ضربا من اللحوم والأطعمة والمقالي والشحوم والحلوى يوميا على ادمية مثله من عباد الله ﷿ الْمُتَّقِينَ ضَعِيفَة لَا حول لَهَا وَلَا قُوَّة وَلَيْسَ لَهَا من حطام الدُّنْيَا سوى رغيفين جافين أَحدهمَا لنهارها والاخر لليلها ثمَّ يَأْتِي هُوَ فيسلبها رغيفيها ظلما ويحرمها إيَّاهُمَا فَمَا جَزَاؤُهُ قَالُوا جَمِيعًا إِنَّه يسْتَحق كل عُقُوبَة وَإِن كل مَا يتَّخذ من عقوبات فِي حَقه لقَلِيل
قَالَ أنوشروان أريدكم أَن تسلخوا جلده عَن جِسْمه وتطعموا الْكلاب لَحْمه وتحشوا جلده تبنا وتعلقوه على مدْخل الْقصر وَأَن يُنَادى بِالنَّاسِ لمُدَّة سَبْعَة أَيَّام بِأَن من يظلم أحد بعد الْيَوْم أَو ياخذ مِنْهُ حَتَّى مخلاة تبن أَو دجَاجَة أَو قَبْضَة كراث ظلما أَو أَن يؤم الْقصر متظلم فسيكون مصير المعتدي والظالم مصير هَذَا الرجل وَنفذ مَا أَمر بِهِ
ثمَّ قَالَ أنوشروان لذَلِك الْفراش أحضر الْمَرْأَة الْعَجُوز وَلما جيئ بهَا قَالَ أنوشروان لعلية الْقَوْم وكبار دولته هَذِه هِيَ المظلومة وَذَلِكَ هُوَ الظَّالِم الَّذِي لَقِي جزاءه ثمَّ قَالَ للغلام الَّذِي كَانَ قد أرسل إِلَى أذربيجان يَا غُلَام لم أرسلتك إِلَى أذربيجان وَكَانَ حَاضرا فِي الْمجْلس قَالَ لأتقصى أَحْوَال هَذِه الْعَجُوز وأتبين مَا نزل بهَا من ظلم وأعود إِلَى مولَايَ بِحَقِيقَة الْأَمر فَقَالَ أنوشروان للحاضرين لِتَعْلَمُوا أنني لم أجَازه جزَافا وأنني لن أكلم الظَّالِمين بعد الْيَوْم بِغَيْر السَّيْف وسأحمي الشَّاة وَالْحمل من الذئاب وأضرب على الْأَيْدِي الباغية المتطاولة وأخلص الأَرْض من المفسدين وأملؤها حَقًا وعدلا وَأمنا فَمن أجل هَذَا خلقت لَو أتيح للنَّاس أَن يَفْعَلُوا مَا يشاؤون لما أظهر الله ﷿ الْمُلُوك من بَينهم ووكل إِلَيْهِم أَمرهم إيَّاكُمْ أَن تَفعلُوا مَا تستحقون عَلَيْهِ مَا لقِيه هَذَا الظَّالِم الَّذِي لَا يخْشَى الله فهاب كل من كَانَ فِي الْمجْلس وتلاشت جرأته بِإِزَاءِ هَيْبَة أنوشروان وعقابه الصارم
وَقَالَ أنوشروان للْمَرْأَة لقد جازيت من ظلمك ووهبتك الْقصر والبستان اللَّذين
[ ٧٣ ]
فِي أَرْضك وَأمرت لَك بمواش وَنَفَقَة لتعودي بعهدتي سَالِمَة إِلَى مدينتك وأرضك ثَانِيَة وتذكريني بِدُعَاء الْخَيْر ثمَّ قَالَ لماذا يفتح بَاب قَصرنَا للظالمين ويوصد فِي وَجه المظلومين فالجيش والرعية كِلَاهُمَا عمالنا وَتَحْت إمرتنا بل الرّعية هِيَ الَّتِي تُعْطِي والجيش هُوَ الَّذِي يَأْخُذ فَمن الأولى أَن تفتح الْأَبْوَاب فِي وَجه المعطين أَكثر من الاخذين ان من أَمْثِلَة ممارستهم الْبَاطِل وارتكابهم الظُّلم وعبثهم بالقوانين وَعدم الاكتراث بهَا أَنه مَا جَاءَ الْقصر متظلم حالوا بَينه وَبَين الدُّخُول إِلَيّ للإدلاء بأَمْره بِنَفسِهِ فَلَو وجدت هَذِه الْمَرْأَة طريقها إِلَيّ لما كَانَت فِي حَاجَة إِلَى الذّهاب إِلَى المصطاد ثمَّ أَمر بِإِقَامَة سلسة تعلق فِيهَا أَجْرَاس تصل إِلَيْهَا حَتَّى يَد الطِّفْل ابْن سبع سنوات حَتَّى لَا تكون لأي متظلم يؤم الْقصر ثمَّة حَاجَة للحاجب فَمَا أَن تهتز السلسة وتقرع الْأَجْرَاس فَيسمع أنوشروان صَوتهَا يَسْتَدْعِي الطارق المظلم ليسمع مِنْهُ وينصفه وَنفذ هَذَا الْأَمر ايضا
وَلما خرج كبار رجال الدولة من عِنْده وعادوا إِلَى مَنَازِلهمْ وقصورهم استدعوا وكلاءهم وفرسانهم وَمن هم تَحت إمرتهم فِي الْحَال وَقَالُوا لَهُم لتنظروا فِي كل من سلبتموه شَيْئا دون حق أَو عذبتموه أَو اذيتموه فِي صحو أَو سكر فِي عشر السنوات الْأَخِيرَة علينا جَمِيعًا نَحن وَأَنْتُم أَن نهتم بِالْأَمر ونرضي الْخُصُوم كلهم قبل أَن يذهبوا إِلَى الْقصر يتظلمون منا
فهبوا جَمِيعًا وَأخذُوا يستدعون الْخُصُوم بامثل وَجه ويذهبون إِلَى مَنَازِلهمْ ويسترضونهم بالأعذار وَالْأَمْوَال ثمَّ يَأْخُذُونَ على كل وَاحِد مِنْهُم إِقْرَارا بِخَط يَده بِأَن فلَانا رَضِي عَن فلَان وَلَيْسَ ثمَّة بَينهمَا خُصُومَة أَو نزاع
بِهَذِهِ السياسة الَّتِي سنّهَا أنوشروان بِالْحَقِّ استقامت شؤون مَمْلَكَته كلهَا وَضرب على أَيدي المتطاولين واللصوص وارتاح النَّاس أَجْمَعِينَ حَتَّى أَن سبع سنوات مرت دون أَن يؤم أحد الْقصر متظلما