يُقَال أَنه لما استولى السُّلْطَان مَحْمُود على الْعرَاق سرق لصوص من كوج وبلوج الَّتِي كَانَت تَابِعَة لولاية كرمان بضَاعَة إمرأة كَانَت فِي إِحْدَى القوافل النَّازِلَة بدير الجص فمضت الْمَرْأَة إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود تَشْكُو إِلَيْهِ قائلة لقد سرق اللُّصُوص مَا بحوزتي من بضَاعَة بدير الجص فإمَّا أَن تستردها وَإِمَّا أَن تعوضني بهَا فَقَالَ مَحْمُود أَيْن يَقع دير الجص قَالَت الْمَرْأَة خُذ من الولايات مَا تَسْتَطِيع أَن تعرف مَا يَدُور فِيهَا وتوفيها حَقّهَا وتحفظها فَقَالَ حق مَا تَقُولِينَ وَلَكِن أَتَدْرِينَ من أَي قوم كَانَ أُولَئِكَ اللُّصُوص وَمن أَيْن أَتَوا قَالَت من كوج وبلوج وَقد جَاءُوا من قرب كرمان قَالَ مَحْمُود ذَلِك الْمَكَان بعيد عَن متناول الْيَد وَهُوَ خَارج عَن نطاق ولايتي وَلَا حكم لي على لصوصه فَقَالَت الْمَرْأَة أَي سُلْطَان أَنْت وَلَا تَسْتَطِيع أَن تدبر ولايتك وَأي رَاع أَنْت وَلَا تَسْتَطِيع أَن تَحْمِي الشَّاة من الذِّئْب شتان بيني وَبَيْنك أَنا فِي ضعْفي وانفرادي وَأَنت فِي قوتك وجيشك فترقرقت فِي عَيْني مَحْمُود الدُّمُوع وَقَالَ حق مَا تَقُولِينَ مَا أَنا فَاعله الان هُوَ أَن أعوضك عَن بضاعتك أما اللُّصُوص فسأعمل على التَّصَرُّف بشأنهم مَا وسعني جهدي
وَأمر بتعويض الْمَرْأَة عَن بضاعتها من الخزانة ثمَّ كتب إِلَى أبي عَليّ الياس أَمِير كرمان وتيز الرسَالَة التالية لم يكن غرضي من الْقدوم إِلَى الْعرَاق الِاسْتِيلَاء
[ ١٠١ ]
عَلَيْهَا فقد كنت فِي غَزْو وَجِهَاد مُسْتَمر بِالْهِنْدِ لكنني أتيتها لِكَثْرَة الرسائل المتعاقبة الَّتِي كَانَت تصل إِلَيّ من الْمُسلمين وَكلهَا تَتَحَدَّث عَن فَسَاد الديالمة وظلمهم بالعراق وإظهارهم الْبِدْعَة والجهر بهَا ونصبهم الكمائن على ملتقى الطّرق ومعابرها فَكلما مرت امْرَأَة أَو غُلَام طرير وسيم ينقضون عَلَيْهِم ويأخذونهم عنْوَة ويرتكنون الْفَاحِشَة مَعَهم ثمَّ انهم يخضبون أَيدي المرد وأرجلهم بِالْحِنَّاءِ ويحتفظون بهم إِلَى الْمدَّة الَّتِي يشاؤون ويطلقونهم بعد ذَلِك كَمَا أَنهم يلعنون صحابة رَسُول الله ﷺ عَلَانيَة ويقذفون عَائِشَة الصديقة ﵄ وَهِي أم الْمُؤمنِينَ بِالزِّنَا ثمَّ أَن المستقطعين يحصلون الْخراج من الزراع مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فِي السّنة ويفعلون مَا يحلو لَهُم أما الْملك الَّذِي يلقبونه مجد الدولة فاقتنع بَان يخلعوا عَلَيْهِ لقب ملك الْمُلُوك وَله من الْأزْوَاج تسع دخل بِهن شرعا أما الرّعية فأنهم يظهرون مَذْهَب الزَّنَادِقَة والباطنية عَلَانيَة فِي كل مَكَان بالمدن والأطراف ويسفهون الله وَالرَّسُول ويشتمونهما وينفون الْخَالِق على الْمَلأ وَيُنْكِرُونَ الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالزَّكَاة فَلَا المستقطعون يزجرونهم عَن أَقْوَال الْكفْر هَذِه وَلَا هم يَقُولُونَ للمستقطعين لم تسبون صحابة رَسُول الله ﷺ وتعيثون فِي النَّاس ظلما وَفَسَادًا إِن كلا الْفَرِيقَيْنِ يؤازر الاخر
فَلَمَّا أخْبرت بِحَقِيقَة الْحَال اثرت هَذَا الْأَمر على غَزْو الْهِنْد واتجهت نَحْو الْعرَاق وسلطت جَيش التّرْك الَّذين هم حنفيون وأنقى الْمُسلمين على رِقَاب الديالمة والزنادقة والباطنبة لأستأصل جذورهم فَمنهمْ من قتل بسيوفهم وَمِنْهُم من كبل بالأغلال وزج بِهِ فِي السجْن وَمِنْهُم من تشَتت فِي الافاق ثمَّ أسندت كل الْأَعْمَال والمهام إِلَى سادة خُرَاسَان وولاتها وحكامها فهم من الْحَنَفِيَّة أَو الشَّافِعِيَّة الْأَطْهَار إِن هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ أَعدَاء للرافضة والباطنية وكل الخارجين على الدّين وعَلى وئام مَعَ الأتراك ثمَّ نحيت كل الكتبة الْعِرَاقِيّين لعلمي أَن أَكْثَرهم من تِلْكَ الفئات الباغية وَأَنَّهُمْ يفسدون على التّرْك أَعْمَالهم كل هَذَا لكَي أصفي الْعرَاق من أَصْحَاب الْمذَاهب الخبيثة والمعتقدات السَّيئَة فِي مُدَّة قَليلَة بعون الله ﷿ فَالله تَعَالَى خلقنَا لهَذَا وولانا الْخلق لنمحو المفسدين من على وَجه المعمورة ونحمي أهل الصّلاح ونملأ الأَرْض عدلا وسخاء وَرَحْمَة
وَفِي غُضُون هَذَا بلغنَا أَن جمَاعَة من مفسدي كوج وبلوج سطوا على استراحة دير الجص وسرقوا مِنْهَا مَالا اريدك أَن تقبض عَلَيْهِم وتسترد الْأَمْوَال مِنْهُم ثمَّ تشنقهم جَمِيعًا أَو ترسلهم بِمَا سرقوا مكبلي الْأَيْدِي إِلَى الرّيّ فَأَنِّي لَهُم الجرأة على تجَاوز كرمان إِلَى
[ ١٠٢ ]
ولايتى وَقطع الطّرق فِيهَا وَإِلَّا فَلَيْسَتْ كرمان أبعد من سومنات سأدفع بالجيوش إِلَيْهَا وأبتليها بِالْحَرْبِ والدمار
لما أوصل الرَّسُول الرسَالَة خَافَ أَبُو عَليّ الياس كثيرا وَأكْرم وفادته حَالا وَحمله بشتى أَنْوَاع الْجَوَاهِر واللالىء البحرية النادرة وَبدر الذَّهَب وَالْفِضَّة هَدَايَا إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود وَكتب إِلَيْهِ يَقُول إِنَّنِي مَوْلَاك ومطيع أوامرك أَلا يعلم مولَايَ جيدا حَال مَوْلَاهُ وَولَايَة كرمان وَإِلَّا فإنني لَا أرْضى بِالْفَسَادِ أبدا إِن أهل كرمان كلهم سنيون وَأهل خير وَصَلَاح أما سلسلة جبال كوج وبلوج فاقتطعت عَن كرمان وَهِي ذَات جبال ومعابر حَصِينَة وطرقات وعرة إِنَّنِي عَاجز عَنْهُم فأغلبهم لصوص ومفسدون وقطاع طرق وهم يهددون أَمن طَرِيق تمتد إِلَى مِائَتي فَرسَخ بالنهب وَالسَّرِقَة إِنَّهُم خلق كثير لَا حول لي عَلَيْهِم وَلَا قُوَّة ان السُّلْطَان لأقدر مني وَفِي استطاعته الْيَوْم التصدي لَهُم فِي شَتَّى أنحاء الأَرْض وانني لأضع نَفسِي رهن إِشَارَته
لما وصلت إِلَى مَحْمُود رِسَالَة أبي عَليّ وهداياه تبين لَهُ صدق كل مَا يَقُول فَأَعَادَ رَسُوله إِلَيْهِ بخلعة خَاصَّة وَقَالَ لَهُ قل لأبي عَليّ عَلَيْك أَن تجمع جَيش كرمان وَتَطوف بِهِ فِي الْولَايَة كلهَا وَفِي شهر كَذَا تقدم سرا إِلَى حُدُود كرمان فِي الْجَانِب الَّذِي فِيهِ كوج وبلوج وَأنزل هُنَاكَ وَحين يصل إِلَيْك رَسُولنَا بِإِشَارَة كَذَا تحرّك فَوْرًا وأحمل على ولَايَة كوج وبلوج واقتل من تَجدهُ من فتيانهم وَلَا تؤمنهم أبدا وأسلب من شيوخهم وَنِسَائِهِمْ أَمْوَالًا وأرسلها إِلَيّ حَتَّى أوزعها على من يدعونَ هُنَا أَنهم سلبوهم أَمْوَالهم ثمَّ اعقد مَعَهم عهدا وميثاقا محكما وعد بعد ذَلِك
وَبعد أَن سير السُّلْطَان رَسُول أبي عَليّ أَمر مناديا يُنَادي على التُّجَّار المتوجهين إِلَى تيز عَن طَرِيق كرمان أَن يهيئوا أنفسهم ويعدوا احمالهم فإنني مُرْسل مَعَهم حامية تحميهم وَلكم عَليّ عهد ان أعوضكم عَن بضائعكم من الخزانة إِذا مَا استولى عَلَيْهَا لصوص كوج وبلوج
فَمَا إِن شاع هَذَا الْخَبَر فِي النَّاس حَتَّى توارد عدد كَبِير من التُّجَّار على الرّيّ من الْأَطْرَاف فسيرهم السُّلْطَان مَحْمُود فِي وَقت معِين يرافقهم أَمِير على رَأس حامية قوامها مائَة وَخَمْسُونَ فَارِسًا وَقَالَ لَهُم تثبيتا لعزائمهم لتهدأوا بَالا فإنني مُرْسل فِي أثركم جَيْشًا وعَلى حِين كَانَ يسير الحامية استدعى إِلَيْهِ أميرها سرا وَأَعْطَاهُ زجاجة سم قَاتل وَقَالَ لَهُ عِنْدَمَا تصل إِلَى أصفهان توقف بهَا إِلَى أَن يعد تجارها أنفسهم وينضموا
[ ١٠٣ ]
إِلَيْكُم وَعَلَيْك أَن تشتري فِي هَذِه الْأَثْنَاء عشرَة أحمال من أَجود تفاح أصفهان وتحملها على عشرَة جمال تبثها بَين جمال التُّجَّار حِين تتركون الْمَدِينَة ثمَّ تمْضِي بالقافلة إِلَى أَن تصل إِلَى مَكَان سيصل إِلَيْهِ اللُّصُوص فِي الْيَوْم التَّالِي لوصولكم إِلَيْهِ وَعَلَيْك فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أَن تضع الْأَحْمَال فِي خيمة وتبعثر تفاحها وتثقب كل تفاحة بمسلة ثمَّ تعد عيدانا خشبية أكبر من الإبرة بِقَلِيل وتغط كل وَاحِد مِنْهَا فِي السم ثمَّ تولجه فِي ثقب التفاحة إِلَى أَن تسمم التفاح جَمِيعه بِهَذِهِ الطَّرِيقَة وَبعد ذَلِك نضد التفاح فِي أقفاص يتخللها الْقطن وَفِي الْيَوْم التَّالِي بَث جمالك الْعشْرَة بَين الْجمال الْأُخْرَى وواصل مسيرك وعندما يظْهر اللُّصُوص ويستولون على الْقَافِلَة لَا تتصدى لقتالهم الْبَتَّةَ فهم كثر وَأَنْتُم قلَّة وَمَا عَلَيْك إِلَّا أَن تتراجع حَالا بِمن مَعَك من حَملَة السِّلَاح خيالة وراجلين إِلَى مَا يقرب من نصف فَرسَخ أَو أَكثر ثمَّ تنْتَظر مُدَّة تتقدم بعْدهَا نَحْو اللُّصُوص الَّذين لَا أَشك فِي هَلَاك أَكْثَرهم حِينَئِذٍ لأكلهم من التفاح عندئذ أشرع فيهم السيوف واقتل بَقِيَّتهمْ وطارد فلولهم مَا اسْتَطَعْت واهلكهم وَلما تَنْتَهِي من الْقَضَاء عَلَيْهِم أرسل عشرَة من خيرة الفرسان بخاتمي إِلَى أبي عَليّ الياس فَوْرًا وَأخْبرهُ بِمَا فعلنَا بلصوص كوج وبلوج وَقل لَهُ لتحمل أَنْت الان بجيشك على ولايتهم فَهِيَ خلو من الشَّبَاب والأقوياء والغوغائيين من مثيري الْفِتْنَة والشغب ثمَّ نفذ مَا أمرناك بِهِ أما أَنْت فَامْضِ بالقافلة إِلَى كرمان وَإِذا مَا التحقت انذاك بِأبي عَليّ فَلَا ضير قَالَ الْأَمِير سمعا وَطَاعَة سأنفذ مَا أَمرتنِي بِهِ إِن قلبِي يحدثني بِأَن هَذَا الْأَمر سيتحقق لدولة مولَايَ وان تِلْكَ الطَّرِيق ستفتح فِي وَجه الْمُسلمين إِلَى يَوْم يبعثون وَانْصَرف من عِنْد السُّلْطَان وقاد الْقَافِلَة إِلَى اصفهان حَيْثُ اشْترى خَمْسَة أحمال تفاحا ثمَّ وَاصل سيره إِلَى كرمان وَكَانَ اللُّصُوص قد أرْسلُوا عيونهم إِلَى أصفهان فانموا إِلَيْهِم أَن ثمَّة قافلة بالاف الدَّوَابّ محملة بنعم وخيرات لَا يعلم مقدارها إِلَّا الله ﷿ وَإنَّهُ لم ير لهَذِهِ الفافلة الَّتِي تحميها حامية من مائَة وَخمسين فَارِسًا تركيا نَظِير مُنْذُ ألف سنة ففرح اللُّصُوص اشد الْفَرح حَتَّى انه لم يبْق فِي شَتَّى أنحاء كوج وبلوج عيار وشاطر وحامل سلَاح إِلَّا أَخْبرُوهُ واستدعوه إِلَى أَن احتشد مِنْهُم على الطَّرِيق أَرْبَعَة الاف رجل بكامل أسلحتهم فِي انْتِظَار الْقَافِلَة
[ ١٠٤ ]
لما وصل الْأَمِير بالقافلة إِلَى منزل من منَازِل الطَّرِيق أخبرهُ القاطنون ثمَّة بَان الاف اللُّصُوص قد استلموا طريقكم وهم فِي انتظاركم مُنْذُ أَيَّام فَسَأَلَهُمْ الْأَمِير كم فرسخا يبعد الْمَكَان الَّذِي هم فِيهِ قَالُوا خَمْسَة فراسخ وَلما سمع من فِي الْقَافِلَة هَذَا أَصَابَهُم الْفَزع وَاسْتولى عَلَيْهِم الذعر فحطوا هُنَاكَ الرّحال
وَمَعَ صَلَاة الْعَصْر استدعى الْأَمِير جَمِيع خفر البضائع وحامية الْقَافِلَة ورجالها وشجعهم ثمَّ قَالَ أخبروني أَيهمَا أعز النَّفس أَو المَال قَالُوا جَمِيعهم النَّفس قَالَ إِن الْأَمْوَال أَمْوَالكُم أما نَحن فسنرخص أَرْوَاحنَا فدَاء لكم دونما حزن أَو أَسف فَلم تتجرعون الأحزان إِذن على ثروة وأموال ستعوضون عَنْهَا إِن مَحْمُودًا لَيْسَ بغاضب عَلَيْكُم أَو عَليّ حَتَّى يدْفع بِنَا إِلَى الْهَلَاك بل انه سيرنا فِي مهمة يسْتَردّ بهَا الْأَمْوَال الَّتِي سلبها اللُّصُوص من الْمَرْأَة بدير الجص فَمَاذَا تظنون أتحسبون أَنه يرغب فِي أَن يستولي اللُّصُوص على أَمْوَالكُم لتهدأوا بَالا فَهُوَ لَيْسَ فِي غَفلَة عَنَّا لقد أَخْبرنِي شَيْئا هُوَ أَن مدده سيلحق بِنَا غَدا مَعَ شروق الشَّمْس وستكون الْأُمُور فِي صالحنا إِن شَاءَ الله أما أَنْتُم فَمَا عَلَيْكُم إِلَّا أَن تنفذوا مَا أَقُول فَفِيهِ نفعكم وصالحكم لما سمع الْقَوْم كَلَامه فرحوا ودبت الشجَاعَة وَالْقُوَّة فِي قُلُوبهم وَقَالُوا سننفذ كل مَا تَأْمُرنَا بِهِ قَالَ لِيَتَقَدَّم مني كل من لَدَيْهِ مِنْكُم سلَاح يقوى على اسْتِعْمَاله فَتقدم مِنْهُ عدد فَلَمَّا عدهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَسبعين فَتى بَين خيال وراجل وَفِيهِمْ رِجَاله هُوَ أَي أَفْرَاد حاميته ثمَّ قَالَ لَهُم بِمَا أننا سنتقدم اللَّيْلَة فعلى الخيالة أَن يبقوا معي فِي مُقَدّمَة الْقَافِلَة والراجلين فِي مؤخرتها فَمن عَادَة هَؤُلَاءِ اللُّصُوص أَنهم ينهبون الْأَمْوَال دون أَن يقتلُوا أحدا إِلَّا من يتَصَدَّى لَهُم ويشتبك مَعَهم سنصل إِلَيْهِم غَدا وَالشَّمْس على ارْتِفَاع رُمْحَيْنِ وَحين يحملون على الْقَافِلَة لوذوا بالفرار فانا الَّذِي سألجأ إِلَى الْكر والفر مَعَهم إِلَى أَن تتواروا إِلَى مَسَافَة فَرسَخ وحينذاك أكر رَاجعا إِلَيْكُم وألتحق بكم وَنَصْبِر ثمَّة مُدَّة نعود جميعنا بعْدهَا ونحمل عَلَيْهِم وسترون الْعَجَائِب كَذَا أمرت وانني أعرف شَيْئا فِي الْمَوْضُوع لَا تعرفونه لكنكم ستعرفونه غَدا فيبين لكم انذاك صدق قولي وهمة السُّلْطَان مَحْمُود فَقَالُوا بِصَوْت وَاحِد إننا لفاعلون وعادوا
وَلما أرْخى اللَّيْل سدوله فض الْأَمِير أحمال التفاح ودس السم فِيهَا جَمِيعًا ثمَّ أَعَادَهَا ثَانِيَة وَندب خَمْسَة من رِجَاله للجمال الْعشْرَة الَّتِي تحمل التفاح وَقَالَ لَهُم حِين ننهزم وَيَقَع اللُّصُوص فِي الْقَافِلَة وَيَأْخُذُونَ فِي فض الْأَحْمَال عَلَيْكُم بِدفع أحمال التفاح وَفتح
[ ١٠٥ ]
الأقفاص وقلبها رَأْسا على عقب والابتعاد بعد ذَلِك وَبعد منتصف اللَّيْل أَمرهم بالتقدم فتقدموا على نَحْو مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ إِلَى أَن وضح النَّهَار وَلما ارْتَفَعت الشَّمْس فِي الْأُفق طلع اللُّصُوص عَلَيْهِم من ثَلَاثَة جَوَانِب وحملوا على الْقَافِلَة وَسُيُوفهمْ مَشْرُوعَة فكر الْأَمِير عَلَيْهِم مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَرَمَاهُمْ ببضعة سِهَام ثمَّ أطلق سَاقيه للريح أما الراجلون فَفرُّوا حِين رَأَوْا اللُّصُوص وَلحق الْأَمِير بهم على بعد نصف فَرسَخ حَيْثُ جمعهم فِي مَكَان وَاحِد هُنَاكَ
لما رأى اللُّصُوص قلَّة عدد أَفْرَاد الحامية وفرارهم وانهزام أَفْرَاد الْقَافِلَة أخذتهم الْغِبْطَة فَجعلُوا يفتحون الْأَحْمَال باطمئنان تَامّ ويعبثون بالبضائع فَلَمَّا وصلوا إِلَى التفاح أخذُوا يتساقطون عَلَيْهِ ويغيرون ويأكلون بنهم وشره ويناولون كل من لَا يَسْتَطِيع الْوُصُول إِلَيْهِ وَقلة أُولَئِكَ الَّذين لم يَأْكُلُوا مِنْهُ وَبعد سَاعَة بدأوا يتساقطون وَاحِدًا تلو الاخر ويموتون
وَبعد مُضِيّ ساعتين وقف الْأَمِير على نشز من الأَرْض وحيدا ينظر إِلَى الْقَافِلَة واللصوص فَإِذا الادميون يملأون الصَّحرَاء بعد أَن تساقطوا فَنزل والفرحة تغمره وَقَالَ يَا قوم أبشركم بوصول مدد السُّلْطَان مَحْمُود وقتلهم اللُّصُوص الَّذين لم يبْق مِنْهُم أحد هيا بِنَا أَيهَا الليوث ننقض عَلَيْهِم لنقتل بَقِيَّتهمْ واتجه بِرِجَالِهِ نَحْو الْقَافِلَة وتبعهم الراجلون بِسُرْعَة فَلَمَّا وصلوا إِلَى مَكَان الْقَافِلَة وجدوا الصَّحرَاء تغص بالموتى الَّذين ألقوا باسلحتهم من تروس وسيوف وسهام وقسي أما من ظلوا أَحيَاء مِنْهُم فَلَمَّا رَأَوْا الْعَسْكَر لاذوا بالفرار لَكِن الْأَمِير وَمَعَهُ الراجلون مضوا فِي أَثَرهم وظلوا يطاردونهم على مدى فرسخين وَلم يعودوا إِلَّا بعد ان أفنوهم جَمِيعًا بِحَيْثُ لم ينج من بَينهم أحد ينْقل إِلَى ولايتهم أَخْبَار مَا حدث
ثمَّ أَمر الْأَمِير بِجمع أسلحة اللُّصُوص الَّتِي بلغت عدَّة أحمال وَتقدم بالقافلة مرحلة أُخْرَى دون أَن يلْحق أدنى ضَرَر بِأحد من أفرادها بل كَادُوا لفرحهم يخرجُون من جُلُودهمْ وَكَانَ بَينهم وَبَين أبي عَليّ الياس اثْنَا عشر فرسخا فَقَط فَأرْسل إِلَيْهِ الْأَمِير الغلمان الْعشْرَة بِخَاتم السُّلْطَان مَحْمُود على جنَاح السرعة لإخباره بِمَا حدث
وَلما وصل الْخَاتم إِلَى أبي عَليّ توجه فَوْرًا بجيشه الَّذِي كَانَ على أهبة الاستعداد إِلَى
[ ١٠٦ ]
ولَايَة كوج وبلوج وانضم إِلَيْهِ الْأَمِير فشرعوا السيوف وَقتلُوا مَا يزِيد على عشرَة الاف رجل من أَهلهَا واستولوا على الاف الدَّنَانِير وغنموا ثروات طائلة وَنِعما وأسلحة ومواشي لَا تحد أرسلها أَبُو عَليّ كلهَا إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود مَعَ الْأَمِير حِينَئِذٍ أَمر السُّلْطَان بَان يُنَادى فِي النَّاس على من سلبهم لصوص كوج وبلوج شَيْئا مُنْذُ جِئْت الْعرَاق أَن يَأْتُوا إِلَيّ لأعوضهم عَنْهَا فأمه المدعون جَمِيعهم وعادوا فرحين وَانْقَضَت خَمْسُونَ سنة دون أَن يَبْدُو من الكوجيين والبلوجيين أَي سوء أَو تعد
ومنذ ذَلِك الْوَقْت بَث السُّلْطَان مَحْمُود أَصْحَاب الْبَرِيد ومنهي الْأَخْبَار فِي كل مَكَان حَتَّى أَنه كَانَ يعرف وَهُوَ بِالريِّ مَا إِذا غصب شخص اخر دجَاجَة ف غزنين أَو صفعه على وَجهه دون حق فيأمر بمجازاته وَقد درج الْمُلُوك على هَذَا مُنْذُ الْقدَم إِلَّا ال سلجوق الَّذين لم يأبهوا لهَذَا الْأَمر