يُقَال إِنَّه لما كَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك جَالِسا للنَّاس يَوْمًا وَكَانَ كبار رجال دولته وندماؤه حاضرين جرى على لِسَانه إِن لم يكن ملكي أَكثر من ملك سُلَيْمَان بن دَاوُد
[ ٢١٧ ]
﵉ فَلَيْسَ بِأَقَلّ مِنْهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنه كَانَت لَهُ حُكُومَة على الرّيح وَالشَّيَاطِين وَالْجِنّ والوحوش والطيور مِمَّا لَيْسَ لنا أما من حَيْثُ الْكُنُوز وأدوات التجمل والزينة وَالْملك والجيش ونفوذ الحكم ومنعته الَّتِي لنا فَمن ذَا الَّذِي كَانَ لَهُ مثلنَا قبلنَا فِي عرض الْعَالم وَطوله أيعوزني شَيْء من مقومات الْملك لَا أملكهُ فَقَالَ لَهُ أحد الزعماء يعوزك أهم مقومات الْملك وأفضلها مِمَّا لَا تملكه فِي حِين كَانَ للملوك من قبلك قَالَ سُلَيْمَان مَا الَّذِي كَانَ للاخرين وَلَا أملكهُ الان قَالَ الرجل لَيْسَ عنْدك الْوَزير الَّذِي يوائمك قَالَ سُلَيْمَان وَكَيف ذَلِك قَالَ الرجل أَنْت ملك ابْن ملك فَيَنْبَغِي أَن يكون وزيرك ابْن وَزِير كُفؤًا ومباركا قَالَ سُلَيْمَان أيوجد وَزِير على النَّحْو الَّذِي وصفت فِي الْعَالم كُله قَالَ الرجل أجل قَالَ سُلَيْمَان أَيْن قَالَ الرجل فب بَلخ قَالَ سُلَيْمَان من ذَاك الشَّخْص قَالَ الرجل هُوَ جَعْفَر الْبَرْمَكِي الَّذِي ورث اباؤه الوزارة كَابِرًا عَن كَابر إِلَى ايام اردشير بن بابكان وَكَانَ النوبهار وَهُوَ معبد قديم ببلخ وَقفا عَلَيْهِم وَلما أشرقت شمس الأسلام وَخرج السُّلْطَان من يَد مُلُوك الْعَجم اتخذ اباؤه بَلخ دَار مقَام لَهُم وظلوا هُنَاكَ لقد كَانَت الوزارة وراثية فيهم وهم الَّذين صنفوا كتبا فِي السّير ونظام الوزارة وَكَانُوا حِين يفرغ أبناؤهم من تعلم الْخط وَالْأَدب وَالْكِتَابَة يضعون تِلْكَ الْكتب بَين أَيْديهم ليقرأوها ويعوا مَا فِيهَا ويسيروا على هديها لقد اقْتدى الْأَبْنَاء بابائهم فِي سيرتهم اقْتِدَاء كَامِلا من شَتَّى الْوُجُوه وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا كلهَا من هُوَ أليق لوزارتك من جَعْفَر وَالْأَمر مَا يرَاهُ الْخَلِيفَة
فَمَا إِن سمع سُلَيْمَان بن عبد الْملك الَّذِي لم يكن فِي بني امية وَال مَرْوَان أعظم مِنْهُ وأقدر هَذَا الْكَلَام حَتَّى وَطن الْفُؤَاد على استقدام جَعْفَر من بَلخ والعهد إِلَيْهِ بالوزارة
[ ٢١٨ ]
غير أَنه فكر فِي نَفسه لربما أَن جعفرا مَا زَالَ مجوسيا وَلكنه لما سمع بِأَنَّهُ كَانَ قد ولد مُسلما غمرته الفرحة وَأمر بِكِتَابَة رِسَالَة إِلَى وَالِي بَلخ ليرسل جعفرا إِلَى دمشق وَيُعْطِيه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من نفقات الطَّرِيق ووسائل الزِّينَة والتجمل وَلَو ألف دِينَار وَأَن يُرْسِلهُ إِلَى العاصمة فِي أبهى ايات الإجلال وأكملها
وَأرْسل الْوَالِي جعفرا إِلَى دمشق فَكَانَ كلما وصل مَدِينَة يخرج كِبَارهَا لاستقباله ويقيمون لَهُ المادب إِلَى أَن أوصل إِلَى دمشق وَلما وطأت قدماه أَرض دمشق خرج كبراء الدولة والجيش إِلَّا سُلَيْمَان بن عبد الْملك عَن بكرَة أَبِيهِم لاستقباله والترحيب بِهِ واخترقوا بِهِ الْمَدِينَة فِي أتم مظَاهر الإجلال والاحترام وأبهاها إِلَى حَيْثُ أنزلوه فِي قصر لَا يطاوله أَي قصر جمالا وروعة
وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام مضوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الْملك ليمثل بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا دخل الْقصر وَوَقعت عينا سُلَيْمَان عَلَيْهِ راقه منظره ومراه وَلما دخل إِلَى بهو الْمجْلس صَحبه الْحجاب إِلَى الْمَكَان الَّذِي أعد لَهُ بِالْقربِ من سَرِير الْملك فَأَجْلَسُوهُ وعادوا
وَبعد أَن جلس جَعْفَر أَخذ سُلَيْمَان ينظر إِلَيْهِ بدقة وإمعان وَإِذا بِهِ يقطب جَبينه وَيَقُول فِي غضب إنهض من أَمَامِي فخف الْحجاب على الْفَوْر وأخذوه وأعادوه دون أَن يدْرِي أحد عِلّة ذَلِك وَبعد أَن صلى سُلَيْمَان الظّهْر استخفه نشاط للشراب فَحَضَرَ العظماء وَجلسَ الندمان ومدت الْأَيْدِي إِلَى الصَّهْبَاء وأديرت الكؤوس مَرَّات ودب فيهم النشاط والنشوة فَلَمَّا رأى من فِي الْمجْلس انْفِرَاد طبع سُلَيْمَان وانفراج أساريره قَالَ أحد الْخَاصَّة مولَايَ الْملك لقد أمرت بإحضار جَعْفَر الْبَرْمَكِي من بَلخ بأسمى ايات الإعزاز وَالْإِكْرَام لشأن عَظِيم لَكِن مَا إِن مثل بَين يَديك وَجلسَ حَتَّى ثبطت عزيمته وأفترت همته وَأمرت بِإِخْرَاجِهِ فَمَا كَانَ سَبَب ذَلِك فالقوم فِي عجب قَالَ سُلَيْمَان لَو لم يكن جَعْفَر من أسرة عريقة وَلم يات إِلَيْنَا من مَسَافَة بعيدَة لأمرت انذاك بِضَرْب عُنُقه حَالا لِأَنَّهُ كَانَ يحمل مَعَه سما قَاتلا أَتَى بِهِ هَدِيَّة لي فِي أول مرّة يلقاني فِيهَا فَقَالَ أحد العظماء من الندامى أيامرني مولَايَ بالذهاب إِلَه لبحث الْمَوْضُوع مَعَه والبت فِيهِ فنعرف مَا يَقُول أيعترف أم يُنكر قَالَ سُلَيْمَان إذهب فَقَامَ الرجل ترك الْمجْلس إِلَى جَعْفَر وَهُنَاكَ سَأَلَهُ لقد ذهبت الْيَوْم لمقابلة سُلَيْمَان أفكنت تحمل مَعَك سما قَالَ جَعْفَر أجل وَمَا زَالَ معي إِنَّه هَذَا الَّذِي تَحت فص خَاتمِي فعلى هَذَا سَار ابائي من قبل لقد انْتهى إِلَيّ هَذَا الْخَاتم إِرْثا عَن وَالِدي لكنه لم يحدث قطّ أَن
[ ٢١٩ ]
تسببت أَنا أَو أحد ابائي حَتَّى يإيذاء نملة وهلاكها فَكيف إِذا وصل الْأَمر إِلَى ادمي أجل لقد اعتدنا حمله رَغْبَة فِي تالحزم والحيطة فِي الْأُمُور فَمَا أَكثر مالاقى أبائي من لدن الاخرين خسفا وتعذيبا من جراء المَال والثروة فَفِي الْوَقْت الَّذِي استدعاني فِيهِ سُلَيْمَان بن عبد الْملك لم يطلعني أحد على حَقِيقَة الْمَوْضُوع الَّذِي كَانَ يطليني من أَجله ففكرت فِي نَفسِي بِأَنَّهُ إِذا مَا طلب إِلَيّ ثَبت الْكُنُوز أَو سَأَلَني شَيْئا لَا استطيع الْوَفَاء بِهِ أَو سامني عذَابا لَا طَاقَة لي عَلَيْهِ فَلَا بُد من أَن أَضَع فص الْخَاتم فِي فمي وأرشف سمه تخلصا من الْعَذَاب والهوان
لما سمع الرجل حَدِيث جَعْفَر هَذَا عَاد توا إِلَى سُلَيْمَان وتلا على مسامعه مَا قَالَ جَعْفَر فَعجب سُلَيْمَان لذكاء جَعْفَر وَبعد نظره وفرد أسارير وَجهه وَقبل عذره ثمَّ أَمر بإحضاره إِلَى بَابه فِي موكب خَاص فَذهب العظماء جَمِيعهم إِلَى بَاب الْقصر الَّذِي كَانَ فِيهِ وَأتوا بِهِ إِلَى البلاط معززا مكرما وَكَذَلِكَ فعلوا فِي الْيَوْم التَّالِي
وَلما مثل جَعْفَر بَين يَدي سُلَيْمَان مد إِلَيْهِ سُلَيْمَان يَده مصافحا وَأخذ يسْأَله عَن مشاق الطَّرِيق ويلاطفه بِكَلَام جميل ثمَّ أجلسه وَألبسهُ خلعة الوزارة فِي الْحَال وَوضع الدواة أَمَامه ليوقع جَعْفَر بضعَة تواقيع على مرأى مِنْهُ وَيُقَال إِن سُلَيْمَان لم ير قطّ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من فَرح وابتهاج فِي ذَلِك الْيَوْم
لما خرج سُلَيْمَان مِمَّن مَجْلِسه فِي الْقصر استخفه نشاط للشراب فأعد لَهُم مجْلِس زين بِالذَّهَب والجواهر وفرش بفرش موشحة بخيوط من ذهب لم ير النَّاس لَهَا نظيرا قطّ ثمَّ جَلَسُوا للشراب وعَلى حِين كَانَ سُلَيْمَان نشوان جدلا سَأَلَهُ جَعْفَر كَيفَ عرف الْملك من دون الاف النَّاس أَنه كَانَ معي سم قَالَ سُلَيْمَان ان معي شَيْئا أعز عَليّ من كل مَا أملك وكل مَا فِي الخزائن جَمِيعهَا لَا يفارقني أبدا إنَّهُمَا خرزتان كالجزع ولكنهما ليستا جزعا حَقِيقِيًّا حصلت عَلَيْهِمَا من خَزَائِن الْمُلُوك وهما مربوطتان فِي ذراعي دَائِما فَإِذا مَا أزجستا رَائِحَة السم فِي أَي مَكَان أَو مَعَ أَي شخص أَو فِي الطَّعَام وَالشرَاب فَإِنَّهُمَا تتحركان فَوْرًا وتتماسان وتظلان فِي حَرَكَة واضطرام دون أَن يقر لَهما قَرَار حِينَئِذٍ أعلم أَن ثمَّة سما فِي الْمجْلس فأحتاط لِلْأَمْرِ وأتأهب لَهُ فَلَمَّا
[ ٢٢٠ ]
تخطيت أَنْت عتبَة بهو الْمجْلس شرعت الخرزتان فِي الْحَرَكَة وَكَانَت حركتهما تزداد حِدة وهيجانا كلما كنت تتقدم إِلَى الْأَمَام أَكثر فِي الْمجْلس وَلما اسْتَقر بك الْمجْلس أَمَامِي أخذتا تتماسان تماسا لم يدع لي مجالا للشَّكّ بأنك تحمل مَعَك سما اعْلَم أَنه لَو كَانَ أحد غَيْرك لما ابقيت على حَيَاته وَلما أخرجوك أخذت الخرزتان بِالسُّكُونِ لكنهما لم تتوقفا إِلَّا بعد خُرُوجك من الْقصر وانئذ كشف سُلَيْمَان عَن ذراعة وأراها جعفرا وَقَالَ أَرَأَيْت فِي الدُّنْيَا شَيْئا أعجب من هَذَا فِي حياتك وَكَانَ العظماء جَمِيعهم ينظرُونَ إِلَى الخرزتين فِي عجب قَالَ جَعْفَر رَأَيْت فِي حَياتِي شَيْئَيْنِ عجيبين لم أر مثلهمَا قطّ الأول هَذَا الَّذِي أرَاهُ مَعَ الْملك والاخر مَا رَأَيْته مَعَ ملك طبرستان فَقَالَ سُلَيْمَان كَيفَ كَانَ ذَلِك أسمعني قَالَ جَعْفَر لما وصل إِلَى وَالِي بَلخ أَمر مولَايَ بإرسالي إِلَى دمشق أذعنت لِلْأَمْرِ وتأهبت للرحلة وأعددت للطريق عدتهَا فتوجهت من نيسابور إِلَى طبرستان لبضاعة كَانَت لي هُنَاكَ وَلما وصلت إِلَى طبرستان استقبلني ملكهَا وأنزلني فِي قصره بِمَدِينَة امل وَبعث الي الْقرى وَكُنَّا نَلْتَقِي يوميا فِي الْمجْلس وعَلى الخوان وَنَذْهَب إِلَى أمكنة مُخْتَلفَة تنزها وَذَات يَوْم قَالَ لي فِي نشوة أتنزهت فِي الْبَحْر إِلَى الان قلت لَا قَالَ أَنْت ضَيْفِي فِي نزهة بحريّة غَدا قلت سمعا وَطَاعَة ثمَّ أَمر الملاحين بِأَن يعدوا السفن ويهيؤوها للغد
وَفِي الْيَوْم التَّالِي مضى بِي الْملك ألى سَاحل الْبَحْر حَيْثُ ركبنَا سفينة والمطربون يعزفون ويغنون والملاحون يقودون السَّفِينَة إِلَى أَن مضوا بِنَا ألى لجة الْبَحْر فِي حِين كَانَ السقاة يديرون ابْنة الْكَرم دون انْقِطَاع وَكُنَّا الْملك وَأَنا نجلس قريبين جدا إِذْ لم يكن بَيْننَا أحد لقد كَانَ فِي إِصْبَع الْملك خَاتم فصه من الْيَاقُوت الْأَحْمَر وَكَانَ جميلا الى أبعد حُدُود الْجمال صافيا وملونا حَتَّى أنني لم أر مثله فِي حَياتِي وَلَقَد جعلني جماله أَدِيم النّظر فِيهِ
لما رأى الْملك أنني أطيل النّظر فِي الْخَاتم نَزعه من أُصْبُعه وَوَضعه أَمَامِي فانحنيت احتراما لَهُ وَقبلت الْخَاتم وَوَضَعته أَمَام الْملك من جَدِيد لكنه تنَاوله وَوَضعه امامي مرّة أُخْرَى وَقَالَ ان خَاتمًا خرج من إصبعي هَدِيَّة وَعَطَاء لَا يعود إِلَيْهَا فَقلت إِن هَذَا الْخَاتم لَا يَلِيق إِلَّا بِالْملكِ وَوَضَعته أَمَامه غير أَنه عَاد فَوَضعه أَمَامِي وَلِأَن الْخَاتم كَانَ اية فِي الإبداع وقيما قلت ان من يهب هَذَا الْخَاتم ثملا قد ينْدَم
[ ٢٢١ ]
على فعلته صَاحِيًا فينتابه هم لذَلِك وَوضعت الْخَاتم أَمَام الْملك أَيْضا فتناوله هَذِه الْمرة ودماه فِي الْبَحْر فَقلت انذاك اه واأسفاه على هَذَا الْخَاتم لَو كنت أعلم أَن الْملك لن يُعِيدهُ إِلَى إصبعه حَقًا أَو أَنه سيلقي بِهِ فِي الْبَحْر لقبلته لأنني لم أر ياقوتا كَهَذا قطّ قَالَ الْملك لقد وَضعته امامك مَرَّات وَلما رَأَيْتُك تحدق النّظر فِيهِ كثيرا أخرجته من إصبعي ووهبتكه وعَلى الرغم مِمَّا كَانَ للخاتم ممت جمال فِي نَظَرِي فلولا أَنه لم يكن فِي عَيْنَيْك أجمل لم منحتكه لقد كَانَ الذَّنب ذَنْبك لِأَنَّك لم تقبله أما وَقد قذفت بِهِ فِي الْبَحْر فقد ذهبت نَفسك عَلَيْهِ حسرات إِلَّا أنني سافعل مَا يُعِيدهُ إِلَيْك من جَدِيد وَقَالَ لأحد غلمانه اذْهَبْ واستقل زورقا إِلَى الشاطىء ثمَّ امتط جوادا من هُنَاكَ وامض إِلَى الْقصر مسرعا وَقل للْمُوكل بالخزانة أُرِيد الصندوق الفضي الصَّغِير كَذَا خُذْهُ وهاته إِلَيّ على وَجه السرعة وَقبل أَن يُرْسل الْملك الْغُلَام قَالَ للملاح أنزل مراسي السَّفِينَة وأوقفها فِي مَكَانهَا إِلَى أَن أخْبرك بِمَا يَنْبَغِي عمله فنفذ الملاح مَا أَمر بِهِ أما نخن فاخذنا نشرب الْخمر إِلَى أَن عَاد الْغُلَام بالصندوق الصَّغِير الَّذِي أَمر بإحضاره وَوَضعه أَمَام الْملك فَحل الْملك هِمْيَانه وَأخرج مِنْهُ مفتاحا فضيا فتح بِهِ قفل الصندوق وَنزع غطاءه وَمد يَده فِيهِ فَأخْرج سَمَكَة ذهبية وَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْر وَغَارَتْ السَّمَكَة فِي المَاء وانحدرت إِلَى قَعْر الْبَحْر غَائِبَة عَن الأنظار وَمَا هِيَ إِلَّا فَتْرَة قَصِيرَة إِذا بهَا تظهر على سطح المَاء والخاتم فِي فمها فَأمر الْملك أحد الملاحين بِأَن يخف بزورق إِلَى حَيْثُ ظَهرت فَمضى الملاح والتقطها والخاتم فِي فمها وأتى بهما إِلَى الْملك الَّذِي نزع الْخَاتم من فمها وَألقى بِهِ أَمَامِي فَقبلت الأَرْض بَين يَدَيْهِ وتناولت الْخَاتم وَوَضَعته فِي إصبعي وَأعَاد الْملك تِلْكَ السَّمَكَة إِلَى الصندوق وقفله ثمَّ أعَاد الْمِفْتَاح إِلَى مَكَانَهُ أَيْضا
وَكَانَ فِي إِصْبَع جَعْفَر انذاك خَاتم فَأخْرجهُ وَوَضعه أَمَام سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَقَالَ يَا مولَايَ هَذَا هُوَ الْخَاتم فتناوله سُلَيْمَان وَنظر إِلَيْهِ ثمَّ رده إِلَى جَعْفَر وَقَالَ يَنْبَغِي أَلا يضيع تذكار رجل كَذَلِك الرجل
[ ٢٢٢ ]
لَيْسَ غَرَض الْكتاب هَذِه الْحِكَايَة لكنني ذكرتها لِأَنَّهَا حِكَايَة عَجِيبَة وغريبة ومناسبة للمقام بل هدفي من هَذَا الْفَصْل هُوَ أَن أُشير إِلَى أَنه إِذا مَا بزغ فجر عهد مشرق خير ودال زمَان الضعْف والانحطاط فامارة ذَلِك ظُهُور ملك صَالح سديد الرَّأْي يطمس فِي عَهده المفسدون ويختار الْوَزير والعمال ومتصدو شؤون الدولة من الأصلاء والأخيار ويوكل كل عمل إِلَى من هُوَ أهل لَهُ فَلَا يسند عملان إِلَى رجل وَاحِد أَو عمل وَاحِد ألى رجلَيْنِ وَيرْفَع ذَوُو الْمذَاهب النقية الطاهرة ويسام أَصْحَاب الْمذَاهب السَّيئَة الْخَسْف وَيضْرب على أَيدي الظَّالِمين وينشر الْأَمْن على الطرقات وتبث هَيْبَة الْملك فِي نفوس الْجَيْش والرعية وَيحرم عديمو الْفضل وَالْأَصْل من أَي عمل ويتصدى للأطفال مِمَّن لَا خبْرَة لَهُم وَلَا مراس ويكبح جماحهم وتتدبر أُمُور الْملك مَعَ الكهول والشيوخ والحكماء وتوكل قيادات الْجَيْش إِلَى الكهول المجربين لَا الشبَّان الناشئين ويشرى الرِّجَال لمواهبهم لَا لأموالهم وَلَا يُبَاع الدّين بالدنيا وتعاد الْأُمُور جَمِيعهَا إِلَى اصولها وقواعدها وَتَكون منزلَة كل شخص على قدرَة ومستواه كل هَذَا لتستقيم الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية وَيكون عمل كل شخص وفقا لكفايته أما إِذا مَا خرج أَي أَمر على هَذِه الْقَاعِدَة وَسَار على خلَافهَا فان الْملك لَا يسمح بِهِ بل يُعِيد الْأُمُور إِلَى نصابها بميزان الْعدْل ويقومها بِالسَّيْفِ بِتَوْفِيق الله تَعَالَى وَحده
[ ٢٢٣ ]