يُقَال أَنه كَانَ من عَادَة مُلُوك الْعَجم أَن يجلس الْملك مِنْهُم لعامة النَّاس فِي يومي
[ ٧٧ ]
المهرجان والنيروز لَا يمْنَع من ذَلِك أحد وَكَانَ يامر مناديا يُنَادي فِي النَّاس قبل أَيَّام من حُلُول كل من الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورين ليعدوا أنفسهم لَهُ حَتَّى يتَمَكَّن كل شخص من أَن يهييء أمره وَيكْتب شكواه بِنَفسِهِ يشْرَح فِيهَا حَاله ويعرض حَاجته ويسلمها بِيَدِهِ هُوَ وَحَتَّى يتدبر الْخُصُوم أَمرهم أَيْضا وَفِي الْيَوْم الْمَوْعُود يُنَادي الْمُنَادِي خَارج الْقصر إِن الْملك بَرِيء من دم كل من يمْنَع أحدا من عرض حَاجته فِي هَذَا الْيَوْم
ثمَّ يجمع الْملك شكاوى النَّاس جَمِيعهَا ويضعها أَمَامه وَينظر فِيهَا وَاحِدَة تلو أُخْرَى فَإِذا مَا كَانَ بَينهَا وَاحِدَة ضد الْملك نَفسه فَإِنَّهُ ينزل عَن سَرِيره ثمَّ يجثو على رُكْبَتَيْهِ أَمَام موبذ الموبذين أَي قَاضِي الْقُضَاة بلغتهم الَّذِي كَانَ يجلس من عَن يَمِينه عَادَة وَيَقُول لَهُ انصف هَذَا الرجل مني دون ميل أَو مُحَابَاة قبل أَن تنظر فِي أَيَّة قَضِيَّة أُخْرَى وَحِينَئِذٍ يَأْمر الْمُنَادِي بَان يُنَادي على من لَهُم شكاية ضد الْملك أَن ينتظموا صفا وَاحِدًا للفصل فِي قضاياهم أَولا ثمَّ يَقُول الْملك للموبذ لَيْسَ ثمَّة ذَنْب أعظم من ذنُوب الْمُلُوك عِنْد الله تَعَالَى إِن معرفَة حق نعْمَة الله على الْمُلُوك إِنَّمَا تكون فِي الْمُحَافظَة على الرّعية وإنصافها وكف أَيدي الظَّالِمين عَنْهَا وَإِذا مَا جَار الْملك وظلم فسيضحي الْجَيْش كُله ظالمين ينسون الله تَعَالَى ويكفرون النِّعْمَة فَيصب الله عَلَيْهِم غَضَبه وخذلانه وَلنْ يمْضِي طَوِيل وَقت على اضْطِرَاب الْملك وخرابه فَيقْتل الكثيرون لفساد الْمُجْرمين وعبثهم ويتحول الْملك من أسرة لأخرى والان أَيهَا الموبذ اتَّقِ الله وَإِيَّاك أَن تؤثرني على نَفسك لأنني سأسألك عَن كل شَيْء يسألني الله تَعَالَى عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة وَأُلْقِي بتبعته عَلَيْك ويشرع الموبذ ينظر فِي القضايا فَإِذا مَا ثَبت لأحد على الْملك حق أنصفه إنصافا تَاما وَإِذا مَا اتَّضَح بطلَان دَعْوَى اخر ضِدّه وَلم تكن لَدَيْهِ حجَّة دامغة أنزل بِهِ أقْصَى الْعُقُوبَات وَأمر مناديا يُنَادي هَذَا جَزَاء من يترصد الْعُيُوب على الْملك والمملكة ويفتري عَلَيْهِمَا الْكَذِب بِهَذِهِ الجسارة والجرأة
وَبعد انْتِهَاء الْحُكُومَة كَانَ الْملك يعود إِلَى سَرِيره وَيَضَع التَّاج ثمَّ يلْتَفت نَحْو رِجَاله وكبار دولته وَيَقُول إِنَّمَا بدأت بنفسي أَولا لتقطعوا عَنْكُم دابر الطمع فِي ظلم
[ ٧٨ ]
الاخرين إِن على كل من لَهُ خصم مِنْكُم أَن يسترضيه الان وَفِي ذَلِك الْيَوْم كَانَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ أبعدهم مِنْهُ وَأَقْوَاهُمْ أضعفهم
ومنذ عهد اردشير إِلَى أَيَّام يزدجرد الأثيم يزدجرد الأول والملوك يَسِيرُونَ على ذَلِك المنوال إِلَّا أَن يزدجرد استبدل سنَن ابائه باخرى سَيِّئَة وَجعل الظُّلم شَرِيعَة فِي الأَرْض فسيم النَّاس الْخَسْف وَمنعُوا النّصْف وراحت أدعية الشَّرّ تترى عَلَيْهِ من كل حدب وَصوب
وَحدث أَن دخل إِلَى قصر يزدجرد فرس معرى فَجْأَة أقرّ كل من كَانَ حَاضرا من عُظَمَاء الدولة بِحسن شياته وعبثا حاولوا إيقافه إِلَى أَن انْتهى إِلَى يزدجرد نَفسه ووقف امامه بِجَانِب الإيوان هادئا فَقَالَ يزدجرد قفوا بَعيدا فَمَا هَذِه إِلَّا هَدِيَّة بعث بهَا الله تَعَالَى إِلَيّ وَتقدم مِنْهُ رويدا رويدا واستلم عنانه وَأخذ يربت على وَجهه وظهره ثمَّ امتطى صهوته فَلم يبد حراكا وظل هادئا كَمَا كَانَ وَطلب يزدجرد لجاما وسرجا فألجمه وأسرجه وَأحكم حزمه وَلما هم بِوَضْع المذيلة رفسه الْفرس على رَأس قلبه فَجْأَة فَقتله وَمضى خَارِجا دون ان يعْتَرض سَبيله أحد وَلم يسْتَطع أحد أَن يعرف من أَيْن جَاءَ وَإِلَى أَيْن ذهب وَأجْمع النَّاس على أَن الْفرس لم يكن سوى ملك من ملائك الله تَعَالَى ارسله لتخليصنا من هَذَا الظَّالِم