لم يكن من بَين مُلُوك الديالمة من هُوَ أعظم وَأكْثر يقظة وَأبْعد نظرا من عضد الدولة إِذْ كَانَ سياسيا عالي الهمة محبا للإصلاح والعمران كتب إِلَيْهِ اُحْدُ عيونه يَوْمًا مَا ان ابتعدت مِائَتي خطْوَة عَن مدْخل الْمَدِينَة فِي طريقي إِلَى المهمة الَّتِي بعثت من أجلهَا فَإِذا شَاب أصفر اللَّوْن على وَجهه وعنقه اثار جروح يقف على حافة الطَّرِيق لما راني حياني فَرددت عَلَيْهِ تحيته وَسَأَلته لماذا أَنْت وَاقِف قَالَ أنْشد رَفِيقًا أَصْحَبهُ إِلَى مَدِينَة فِيهَا ملك عَادل وقاض منصف فَقلت لَهُ أتعي مَا تَقول أتنشد ملكا أعدل من عضد الدولة وقاضيا أعلم من قَاضِي مدينتنا قَالَ لَو كَانَ الْملك عادلا يقظا لَكَانَ القَاضِي أَمينا فَلَقَد أدْركْت غَفلَة الْملك من خيانه القَاضِي قلت مَا بدا لَك من غَفلَة الْملك وانحراف القَاضِي قَالَ إِن قصتي طَوِيلَة لَكِنَّهَا قصرت برحيلي عَن هَذِه الْمَدِينَة قلت بإمكانك أَن تطلعني عَلَيْهَا طبعا قَالَ هيا بِنَا نقطع بِالْحَدِيثِ طريقنا
[ ١١١ ]
وَلما أَخذنَا فِي الْمسير قَالَ اعْلَم أنني ابْن فلَان التَّاجِر الَّذِي يَقع قصره فِي مَكَان كَذَا من هَذِه الْمَدِينَة وَالنَّاس كلهم يعْرفُونَ أَي رجل كَانَ وَالِدي وَمَا كَانَ لَهُ من مَال وثروة وخلاصة الْأَمر أَنه لما انْتقل وَالِدي إِلَى جوَار ربه أطلقت لهواي الْعَنَان وسمت سرح اللَّهْو وعاقرت ابْنة الْكَرم سنوات فابتليت بِمَرَض عضال فقدت مَعَه كل أمل بالشفاء ونذرت نذرا لله تَعَالَى أنني سأحج وأغزو إِذا مَا شفيت من مرضِي وَمن الله تَعَالَى بالشفاء عَليّ وَقمت من الْمَرَض سالما وعقدت العزن على الْحَج وَمن ثمَّ الْغَزْو وأعتقت جواري وغلماني جَمِيعًا ووهبتهم مَالا وبيوتا وضياعا وألفت بيهم بالزواج ثمَّ بِعْت مَا كَانَ لي من أَسبَاب وضياع ومستغلات بِخَمْسِينَ ألف دِينَار ذَهَبا وفكرت فِي نَفسِي بأنني مقدم على سفرين محفوفين بالمخاطر فَلَيْسَ صَوَابا أَن أحمل الذَّهَب كُله معي وَرَأَيْت أَن أحمل ثَلَاثِينَ الْفَا وأبقي الْعشْرين الْأُخْرَى فاشتريت إبريقي نُحَاس وَوضعت فِي كل مِنْهُمَا عشرَة الاف دِينَار وَقلت والان عِنْد من أودعها وَلم يدلني ضميري إِلَّا على قَاضِي الْقُضَاة من الْمَدِينَة كلهَا وَقلت فِي نَفسِي إِنَّه رجل عَالم وقاض وَقد اعْتَمدهُ الْملك ووكل إِلَيْهِ دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ انه لن يخونني على أَيَّة حَال فمضيت إِلَيْهِ وكلمته بِالْأَمر سرا فَقبل هُوَ وسررت أَنا ونهضت سحرًا وحملت الإبريقين إِلَى بَيته ووضعتهما عِنْده وَدِيعَة ثمَّ مضيت فِي سبيلي فأديت فَرِيضَة الْحَج وتوجهت من مَكَّة وَالْمَدينَة إِلَى بِلَاد الرّوم والتحقت بالغزاة وقضيت سنوات أجاهد فِي سَبِيل الله وَفِي إِحْدَى المعارك مَعَ الْكفَّار أصبت بجروح فِي مَوَاطِن من وَجْهي وعنقي وركبتي وفخذي وَوَقعت أَسِيرًا بيد الرّوم وأمضيت أَربع سنوات فِي أغلالهم وسجنهم إِلَى الْوَقْت الَّذِي ابْتُلِيَ فِيهِ القيصر بِمَرَض فَأطلق سراح جَمِيع الأسرى وَبعد فكاكي من الْأسر التحقت بالمطوعة وخدمت فِي صفوفهم وَلما هيأت نفقات طَرِيق العودة قفلت رَاجعا على أمل أنني كنت قد أودعت قَاضِي بَغْدَاد عشْرين ألف دِينَار
وَبعد عشر سنوات عدت إِلَى بَغْدَاد صفر الْيَدَيْنِ رث الملابس هزيل الْجِسْم لشدَّة مَا قاسيت من مشاق السّفر والام ضنك الْعَيْش فِي تِلْكَ الْمدَّة وَذَهَبت إِلَى القَاضِي فَسلمت عَلَيْهِ وَجَلَست عِنْده وانصرفت وترددت عَلَيْهِ على هَذِه الْحَال يَوْمَيْنِ وَلما لم يقل لي شَيْئا ذهبت إِلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث وَجَلَست طَويلا فَلَمَّا لم يبْق أحد اقْتَرَبت مِنْهُ وَقلت لَهُ بهدوء وبطء أَنا فلَان ابْن فلَان قد حججْت وغزوت وعانيت المتاعب
[ ١١٢ ]
والآلام وانفقت كل مَا أخذت معي من مَال وعدت بِالْحَال الَّتِي تراني عَلَيْهَا لَا ألوي على شَيْء إِنَّنِي فِي حَاجَة الان إِلَى أبريقي الذَّهَب اللَّذين أدخرتهما عنْدك لمثل هَذِه الْأَيَّام العصيبة وَلم يجب القَاضِي بِقَلِيل أَو كثير حَتَّى أَنه لم يُكَلف نَفسه أَن يسألني مَا تَقول أَنْت وَمَعَ من ونهض إِلَى حجرته وَتَرَكَنِي فعدت كسير الْفُؤَاد وَكنت أخجل لما كنت فِيهِ من حَال سَيِّئَة وعري ان أذهب إِلَى منزل أحد أصدقائي وَذَوي قرباي بل كنت أَنَام فِي الْمَسْجِد لَيْلًا وأتوارى فِي إِحْدَى الزوايا نَهَارا وَلم أطيل عَلَيْك الْقِصَّة لقد طرقت مَعَه الْمَوْضُوع مرَّتَيْنِ لكنه لم يجب بِشَيْء وَفِي الْيَوْم السَّابِع كَلمته بحدة وَشدَّة فَقَالَ لي إِنَّك مصاب بالهوس وَإِن عقلك قد تبلد من تَعب الطَّرِيق وغبارها فَأخذت تهذي كثيرا لست أعرفك وَلَيْسَ لدي خبر مِمَّا تَقول أما الرجل الَّذِي تذكر اسْمه فَكَانَ شَابًّا وسيم الْوَجْه ممتلىء الْجِسْم بهي الطلعة جميل الملبس قلت أَيهَا القَاضِي أَنا نَفسِي ذَلِك الشَّاب لَكِن سَبَب هزالي وصفرتي مَا قَضيته من عَيْش سيىء فِي تِلْكَ الْمدَّة أما قبح وَجْهي وصفرة لَونه فَلَيْسَ إِلَّا بِمَا أصبت بِهِ من جروح قَالَ إنهض وَلَا تصدع رَأْسِي إنهض وامض بالسلامة قلت أَيهَا القَاضِي لَا تفعل هَذَا اتَّقِ الله فَبعد هَذِه الدَّار دَار أُخْرَى وَلكُل عمل ثَوَاب وعقاب قَالَ لَا تتعبني قلت لَك من الذَّهَب حصتان ولي خمس فَلَنْ يجب قلت أَيهَا القَاضِي لَك أحد الإبريقين حَلَالا طيبا فَرد لي الاخر فإنني فِي عوز شَدِيد وَمَعَ هَذَا أوقع لَك بَرَاءَة تَامَّة بِشَهَادَة شُهُود عدُول بِأَن لَيْسَ بذمتك شَيْء قَالَ القَاضِي لقد أضناك الْجُنُون وَهَا أَنْت ذَا تَدور فِي فلكه حَتَّى لأستطيع أَن أحكم بجنونك وامر بإدخالك المستشفى ووضعك بالسلاسل والقيود بِحَيْثُ تبقى ثمَّة مَا دمت حَيا
فَخفت وأيقنت أَن الرجل صمم على غصبي ذهبي وان النَّاس سيجرون على كل مَا يحكم بِهِ ونهضت بِرِفْق وَخرجت من عِنْده وَأَنا أردد الْمثل الْقَائِل بالملح يدرء فَسَاد اللَّحْم فَبِمَ يدرء فَسَاد الْملح ان القَاضِي مصدر كل الْأَحْكَام فَمن ذَا يسل الْعدْل مِنْهُ إِذا ظام فَلَو كَانَ عضد الدولة عادلا لما كَانَت عشْرين الْألف دِينَار بيد القَاضِي وَلما وصلت إِلَى مَا أَنا فِيهِ من جوع أَو تخليت عَن طمعي بِمَالي وملكي ومرتع صباي
لما سمع الْمنْهِي من الرجل حِكَايَة حَاله تألم لَهُ ورق لحاله وَقَالَ أَيهَا الْفَتى الشهم إِنَّمَا تَأتي الامال بعد الْيَأْس وكل أَمرك إِلَى الله فَهُوَ ﷿ الَّذِي يدبر أُمُور الْعباد ثمَّ قَالَ لَهُ لي فِي هَذِه الْقرْيَة صديق شهم مضياف وَأَنا ذَاهِب لزيارته فَهَل لَك وَقد راقتني رفقتك أَن نقضي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي بَيته وننتظر مَا يَجِيء بِهِ غَد وَمضى
[ ١١٣ ]
بِهِ إِلَى منزل صديقه وَبعد أَن أكلُوا مَا تيَسّر لَهُم دخل الْمنْهِي إِحْدَى الغرف فشرح حَال الرجل فِي رِسَالَة وَأَعْطَاهَا اُحْدُ الْقرَوِيين وَقَالَ لَهُ إذهب إِلَى قصر عضد الدولة واطلب الْخَادِم فلَانا وَسلمهُ الرسَالَة وَقل لَهُ انها من فلَان يجب أَن توصلها حَالا وَتَأْتِي بِالْجَوَابِ وَمضى الرَّسُول وَأعْطى الرسَالَة الْخَادِم فأوصلها إِلَى عضد الدولة حَالا فَلَمَّا قَرَأَهَا عضد الدولة عض على إصبعه وَأرْسل شخصا قي الْحَال وَقَالَ أُرِيد أَن تحضر إِلَيّ الرجل عِنْد صَلَاة الْعشَاء فَقَالَ الْمنْهِي للشاب هيا بِنَا إِلَى الْمَدِينَة فَإِن عضد الدولة بعث فِي طلبنا نَحن الِاثْنَيْنِ وَهَذَا الرَّسُول رَسُوله فَقَالَ خير قَالَ الْمنْهِي لَا شَيْء سوى الْخَيْر رُبمَا تناهى إِلَى سَمعه كل مَا كنت تَقول لي فِي الطَّرِيق إِنَّنِي لامل أَن تصل الان إِلَى حَقك فتستريح مِمَّا أَنْت فِيهِ من شقاء فَنَهَضَ وَمضى بِالرجلِ إِلَى عضد الدولة
وأخلى عضد الدولة الْمَكَان وَسَأَلَ الشَّاب عَن أمره من جَدِيد فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة كَمَا كَانَت من أَولهَا إِلَى اخرها فتأثر عضد الدولة لحاله وَقَالَ ان هَذَا الْأَمر مَنُوط بِنَا الان لَا بك فَالْقَاضِي عَامِلِي ومعالجة الْأَمر من واجبي فَالله ﷿ وهبني الْملك لأحفظ الْحُدُود وأحميها وَلَا أدع شخصا يلْحق ضيما أَو ضَرَرا باخر بله القَاضِي الَّذِي وليته أُمُور الْمُسلمين ووكلت إِلَيْهِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وفرضت لَهُ أجرا شهريا كَيْمَا يسير أُمُور النَّاس بِالْحَقِّ وَيحكم بِالشَّرْعِ لَا يمِيل وَلَا يحابى وَلَا يرتشى أيقع هَذَا فِي عَاصِمَة ملكي من رجل عَالم فَتَأمل إِذن مَا يرتكبه الْعمَّال والحكام الشبَّان والمتهورون من خيانات فِي النواحي الْأُخْرَى لقد كَانَ هَذَا القَاضِي فِي بداية أمره فَقِيرا وَذَا عِيَال وان مَا فرضت لَهُ من أجر شَهْري لم يكن أَكثر مِمَّا يَكْفِيهِ كفاف عيشه لكنه يملك الْيَوْم فِي بَغْدَاد ونواحيها عددا من الضّيَاع والعقارات والحدائق والبساتين والمستغلات والقصور أما الة منزله وأدوات زينته وتجمله فَلَا حد لَهَا فَمن الْمُؤَكّد انه لم يكن فِي وَسعه أَن يمتلك كل هَذَا من أجره الشهري ذَاك بل أَقَامَهَا بأموال الْمُسلمين ثمَّ الْتفت نَحْو الرجل وَقَالَ لن أستمرأ الطَّعَام وألتذ النّوم قبل أَن أرد إِلَيْك حَقك إذهب وَخذ نفقاتك من خزينتنا ثمَّ اترك هَذِه الْمَدِينَة إِلَى أصفهان وأقم بهَا عِنْد فلَان وسنكتب إِلَيْهِ ليكرم وفادتك إِلَى ان نطلبك مِنْهُ فَأعْطَاهُ مِائَتي دِينَار ذَهَبا وَخَمْسَة أَثوَاب ثمَّ أنفذ إِلَى أصفهان فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
أما عضد الدولة فَقضى ليلته كلهَا يفكر فِي الْحِيلَة الَّتِي يسْتَردّ بهَا المَال من القَاضِي قَالَ فِي نَفسه ان أَقبض على القَاضِي عنْوَة وأعذبه فَلَنْ يعْتَرف اَوْ يقر أَو يلبس نَفسه تُهْمَة الْخِيَانَة باية حَال من الْأَحْوَال فَيذْهب المَال سدى وتلوكني أَلْسِنَة النَّاس الَّذين لن
[ ١١٤ ]
يكون لَهُم من حَدِيث سوى أَن عضد الدولة يعذب رجلا كَبِيرا عَالما قَاضِيا دون حق فتشيع هَذِه السمعة السَّيئَة فِي الأرجاء عَليّ أَن أفكر فِي حل يثبت خِيَانَة القَاضِي وَيُعِيد إِلَى الرجل مَاله
وَلما مضى على هَذَا الحَدِيث شهر أَو اثْنَان وَلم ير القَاضِي لصَاحب الذَّهَب من أثر قَالَ لقد كسبت عشْرين ألف دِينَار لَكِن لأصبر سنة أُخْرَى فقد يُنْهِي إِلَيّ أحد خبر موت الرجل لِأَن حَاله الَّتِي رَأَيْته عَلَيْهَا تنم عَن أَنه سيقضي قَرِيبا
وَبعد مُضِيّ شَهْرَيْن على الْأَمر أرسل عضد الدولة فِي ظهيرة أحد الْأَيَّام وَقت القيلولة إِلَى القَاضِي من يستدعيه فاختلى بِهِ وَقَالَ أَيهَا القَاضِي أَتَدْرِي لماذا جشمتك عناء الْمَجِيء قَالَ الْملك أدرى قَالَ عضد الدولة اعْلَم أنني فِي تفكير دَائِم بالعاقبة والمصير وَلَقَد حرمت فِي هَذَا التفكير وَهَذِه السوداوية نعْمَة النّوم لَا معول على الدُّنْيَا ومملكتها وَلَا اعْتِمَاد على الْحَيَاة فالعاقبة لن تعدو أَمريْن فإمَّا أَن ينْقض علينا طَالب ملك وينتزع المملكة منا مِثْلَمَا انتزعناها نَحن من أَيدي الاخرين وَتَأمل مَا قاسيته حَتَّى اسْتَطَعْت الْوُصُول إِلَى الْملك مرّة وَاحِدَة وَإِمَّا أَن يَجِيء الْأَجَل بَغْتَة فَيُفَرق بَيْننَا وَبَين الْملك وَالسُّلْطَان قبل أَن تتَحَقَّق أمالنا ان كل نفس ذائقة الْمَوْت وَمَا الْعُمر إِلَّا صحيفَة أَعمالنَا فَإِن نَكُنْ صالحين نحسن إِلَى عباد الله سيظل النَّاس يذكروننا بِالْخَيرِ ويكيلون لنا الثَّنَاء مَا بقيت الدُّنْيَا وسننال ثَوَاب الاخرة وَإِلَى الْجنَّة وَنعم الْمصير وَإِن نَكُنْ أشرارا نسيء إِلَى الْعباد سيظلون يذكروننا بِالشَّرِّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَنَّهُمْ كلما ذكرونا يلعنوننا وَيدعونَ علينا وَلنْ نجد يَوْم الْقِيَامَة غير الويل وَالْعَذَاب وَإِلَى جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير إِن كل مَا يُمكن فعله أَن نجهد فِي الطَّاعَة وإنصاف الْخلق وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم
وَمَا أقصده من حَدِيثي إِلَيْك هُوَ أَن فِي قصري عددا من الْأَطْفَال وَالنِّسَاء خَاصَّة وَأمر الذُّكُور ايسر لأَنهم كالطيور يَسْتَطِيعُونَ الِانْتِقَال من إقليم إِلَى اخر إِن خطب هَؤُلَاءِ المخدرات أَسْوَأ فهن ضعيفات لَا حول لَهُنَّ وَلَا قُوَّة إِنَّنِي لقادر الْيَوْم على التفكير فِي أمرهن لكنه قد يدركني الْأَجَل غَدا أَو يفلت الْملك مني فَلَا أَسْتَطِيع أَن أقوم لَهُنَّ بِشَيْء
لقد فَكرت فِي الْأَمر مَلِيًّا فَلم أجد فِي كل أرجاء المملكة الْيَوْم من هُوَ أتقى وَأكْثر أَمَانَة وتدينا وخوفا من الله وأقصر يدا مِنْك إِنَّنِي أَرغب فِي أَن أَضَع عنْدك مِائَتي ألف ألف دِينَار ذَهَبا نَقْدا وجواهر وَدِيعَة لَا يعلمهَا سوى الله ﷿ وَنحن الِاثْنَيْنِ فَإِذا مَا جَاءَنِي أَجلي ووصلت بِهن الْحَال إِلَى حد لَا يقدرن مَعَه على كسب قوتهن اليومي ادعهن
[ ١١٥ ]
سرا وَدون أَن يحس أحد وَقسم المَال بَينهُنَّ ثمَّ زوجهن سترا لَهُنَّ وَكيلا يحتجن أحد من النَّاس إِن هَذَا الْأَمر يَقْتَضِي أَن تخْتَار إِحْدَى حجرات بَيْتك الداخلية وتنشىء فِيهَا سردابا مُحصنا من الاجر المشوي ثمَّ تُخبرنِي بعد الِانْتِهَاء من بنائِهِ لامر فِي لَيْلَة مَا بإحضار عشْرين مجرما من السجناء الْمَحْكُوم عَلَيْهِم بِالْمَوْتِ لحمل المَال على كواهلهم إِلَى بَيْتك وَوَضعه فِي السرداب وإحكام سَده وتغطيته وَبعد عودتهم امْر بِقطع أَعْنَاقهم جَمِيعًا ليظل الْأَمر طي الكتمان قَالَ القَاضِي سمعا وَطَاعَة ساعمل مَا بوسعي لتنفيذ هَذَا الْأَمر ثمَّ هَمس فِي أذن أحد الخدم أَن اذْهَبْ إِلَى الخزينة وضع مِائَتي دِينَار من الذَّهَب المغربي فِي كيس وعد بهَا بِسُرْعَة
وَلما أحضر الذَّهَب تنَاوله عضد الدولة وَوَضعه أَمَام القَاضِي وَقَالَ مِائَتَا الدِّينَار هَذِه لبِنَاء السرداب فَإِن لَا تَكْفِي أرسل إِلَيْك غَيرهَا قَالَ القَاضِي الله الله أَيهَا الْملك إِنَّنِي حَتَّى لَو بنيته بِمَالي الْخَاص لَا أكون فعلت شَيْئا قَالَ عضد الدولة بِشَرْط أَلا تنْفق من مَالك على شؤوني الْخَاصَّة فذهبك حلالك أَنْت وَحدك وَلَا تعلق لَهُ بِهَذَا الشان إِن تقم بالمهمة الَّتِي وَقع اختيارنا واعتمادنا عَلَيْك فِيهَا فقد أدّيت كل شَيْء قَالَ القَاضِي الْأَمر أَمرك يَا مولَايَ
وَوضع القَاضِي مِائَتي الدِّينَار فِي كمه وَانْصَرف من عِنْد الْملك فِي حَال كَاد يخرج فِيهَا من جلده فَرحا وَقَالَ فِي نَفسه لقد حالفني الْحَظ والجاه فِي شيخوختي ستمتلك ذريتي الذَّهَب الَّذِي سيصير كُله إِلَيّ يَوْمًا إِذا مَا حَان اجل الْملك فَلَيْسَ لأحد سَنَد عَليّ سيصبح الذَّهَب كُله من نَصِيبي وَنصِيب أَوْلَادِي إِن صَاحب الإبريقين لم يسْتَطع وَهُوَ حَيّ ان يسْتَردّ مني دانقا وَاحِدًا من الْعشْرين ألفا فَمن سيقدر على الْحُصُول مني على شَيْء إِذا مَا مَاتَ الْملك أَو قتل
وأسرع فِي بِنَاء السرداب الَّذِي فرغ مِنْهُ على أحكم حَال وأحسنها فِي شهر وَاحِد ثمَّ مضى إِلَى قصر عضد الدولة عِنْد صَلَاة الْعشَاء لَيْلَة فاستدعاه عضد الدولة إِلَيْهِ وحيدا وَقَالَ مَا الَّذِي أَتَى بك السَّاعَة قَالَ أردْت أَن أنهِي إِلَى الْملك أَن السرداب الَّذِي أَمر بإنشائه قد تمّ قَالَ عضد الدولة حسن جدا لقد كنت أعرف جديتك فِي الْأُمُور الْحَمد لله الَّذِي لم يخيب ظَنِّي فِيك فَإنَّك أرحت بالي من هَذَا الْأَمر الَّذِي لم أكف لَحْظَة عَن التفكير فِيهِ لقد أَعدَدْت من الْمبلغ الْمَذْكُور ألف ألف وَخَمْسمِائة
[ ١١٦ ]
ألف دِينَار من الذَّهَب والجواهر وَمَا أَزَال فِي حَاجَة إِلَى خَمْسمِائَة الْألف الْأُخْرَى الَّتِي أفردت لَهَا عددا من الْخلْع ومقادير من الْعود والعنبر والمسك والكافور وكل شَيْء وإنني فِي انْتِظَار باعة الذَّهَب بَين الفينة والفينة وَأَرْجُو أَن يتم بيعهَا فِي خلال هَذَا الْأُسْبُوع وحينذاك تحمل إِلَيْك الْأَمْوَال كلهَا دفْعَة وَاحِدَة لكنني ساجيء إِلَى بَيْتك لَيْلَة غَد بَغْتَة لإلقاء نظرة على السرداب وبنائه غير أنني لَا أريدك أَن تكلّف نَفسك شَيْئا لأنني سأعود حَالا ثمَّ صرف القَاضِي وَأرْسل رَسُولا إِلَى أصفهان فِي الْحَال لإحضار صَاحب الذَّهَب
وَفِي منتصف اللَّيْلَة التالية ذهب عضد الدولة إِلَى منزل القَاضِي فَرَأى السرداب وَاسْتَحْسنهُ ثمَّ قَالَ للْقَاضِي يَنْبَغِي أَن تَأتي إِلَيّ يَوْم الثُّلَاثَاء لترى مَا أَعدَدْت من المَال فَقَالَ سمعا وَطَاعَة وَلما عَاد من منزل القَاضِي أَمر الْمُوكل بالخزينة أَن يضع مائَة وَأَرْبَعين إبريقا مَمْلُوءَة ذَهَبا فِي إِحْدَى الغرف وَأَن يضيف إِلَيْهَا ثَلَاث قَوَارِير مَمْلُوءَة لؤلؤا وكأسا ذهبية مَمْلُوءَة ياقوتا وثانية من لَعَلَّ وَأُخْرَى من فَيْرُوز
لما فرغ الْمُوكل بالخزينة من ذَلِك وصل صَاحب إبريقي الذَّهَب يَوْم السبت واستدعى عضد الدولة القَاضِي وَأمْسك بِيَدِهِ وَأَخذه إِلَى الغرفة الَّتِى وضع فِيهَا المَال وبهت القَاضِي لما رأى الْأَمْوَال والجواهر وهاله ذَلِك فَقَالَ لَهُ عضد الدولة ترقب وُصُول كل هَذِه الْأَمْوَال فِي منتصف إِحْدَى اللَّيَالِي ثمَّ تركا الغرفة وَعَاد القَاضِي وفؤاده يخْفق فَرحا
وَفِي الْيَوْم التَّالِي قَالَ عضد الدولة لصَاحب الذَّهَب أريدك أَن تذْهب الان الى القَاضِي وَتقول لَهُ لقد صبرت مُدَّة وراعيت لَك حرمتك لن أحتمل أَكثر من هَذَا فَأهل الْمَدِينَة كلهم يعرفونني ويعرفون مَا كَانَ لوالدي من مَال ونعمة وهم يشْهدُونَ على قولي ويصدقونه فِي كل مَكَان إِن ترد لي مَالِي فبها ونعمت وَإِلَّا اذْهَبْ الان إِلَى عضد الدولة شاكيا متظلما وَأجر عَلَيْك الخزي والعار لتَكون فِيك للنَّاس عِبْرَة ثمَّ انْتظر جَوَابه فَإِن أعَاد إِلَيْك ذهبك أحضرهُ إِلَيّ كَمَا هُوَ وَإِلَّا أَخْبرنِي بِمَا جرى
[ ١١٧ ]
وَذهب الشَّاب إِلَى القَاضِي وَجلسَ بِالْقربِ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ مَا أمره بِهِ عضد الدولة ففكر القَاضِي فِي نَفسه أَنه إِذا مَا شنع هَذَا الرجل عَليّ وَذهب إِلَى عضد الدولة فسيرتاب فِي أَمْرِي وَلَا يُرْسل تِلْكَ الْأَمْوَال إِلَى بَيْتِي من الأصوب ان أُعِيد للرجل مَاله لِأَن مائَة وَخمسين إبريقا مَمْلُوءَة ذَهَبا وعددا من الْجَوَاهِر أحسم على أَيَّة حَال فِي نِهَايَة الْأَمر من إبريقي ذهب اثْنَيْنِ وَقَالَ للشاب اصبر قَلِيلا فقد كنت أبحث عَنْك فِي شَتَّى أرجاء الدُّنْيَا وَبعد قَلِيل نَهَضَ القَاضِي وَدخل حجرَة ثمَّ نَادَى على الشَّاب ووقف إِلَى جَانِبه وَقَالَ أَنْت صديقي وَابْن صديقي وَأَنت مني بِمَنْزِلَة ابْني مَا فعلت ذَلِك مَعَك إِلَّا احْتِيَاطًا ومنذ ذَلِك الْوَقْت وَأَنا فِي طَلَبك الْحَمد لله أنني رَأَيْتُك ثَانِيَة لأتخلص من عبء أمانتك فذهبك مَا زَالَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانَهُ ونهض القَاضِي فأحضر الإبريقين وَقَالَ أَهَذا ذهبك قَالَ الشَّاب أجل قَالَ اذْهَبْ الان إِلَى أَي مَكَان تشَاء فَخرج الشَّاب وأتى بحمالين إِلَى منزل القَاضِي وحملهما الإبريقين وَمضى بهما إِلَى قصر عضد الدولة
وَكَانَ عضد الدولة فِي مجْلِس فِيهِ جَمِيع كبار الدولة لما دخل الرجل عَلَيْهِ بالإبريقين وَسلم فوضعهما أَمَام عضد الدولة الَّذِي استغرق فِي الضحك وَقَالَ الْحَمد لله أَنَّك توصلت إِلَى حَقك وَأَن خِيَانَة القَاضِي قد ثبتَتْ أَتَدْرِي مَا التدابير الَّتِي اتخذناها والسبل الَّتِي اتبعناها حَتَّى توصلت إِلَى ذهبك وتساءل الْحَاضِرُونَ عَن الْأَمر فسرد عصد الدولة عَلَيْهِم حِكَايَة الشَّاب والسبل الَّتِي سلكها هُوَ فِي ذَلِك فتملكهم الْعجب جَمِيعًا ثمَّ أَمر عضد الدولة حَاجِبه الْأَكْبَر ان اذْهَبْ وجئني بقاضي الْمَدِينَة حاسر الرَّأْس وعمامته ملفوفة حول عُنُقه وَلما أحضر القَاضِي إِلَى عضد الدولة بِهَذِهِ الْهَيْئَة وَنظر فَرَأى الشَّاب وَاقِفًا ثمَّة وَرَأى الإبريقين أَمَام عضد الدولة قَالَ واحسرتاه لقد قضي عَليّ وَأدْركَ ان كل مَا قَالَه لَهُ عضد الدولة وأظهره عَلَيْهِ لم يكن إِلَّا لأجل هذَيْن الإبريقين وَقَالَ لَهُ عضد الدولة أَن ترتكب أَنْت خِيَانَة وتضيع الْأَمَانَة وَأَنت رجل مسن وعالم وقاض فَكيف بالاخرين إِذن لقد بَان الان أَن كل مَا تملك وَمَا أنشأت لَيْسَ إِلَّا من أَمْوَال الْمُسلمين والرشوة إِنَّنِي مجازيك بِمَا تسْتَحقّ فِي الدُّنْيَا لَكِن الله هُوَ الَّذِي يعاقبك فِي الاخرة وإنني أهبك حياتك لسنك وعلمك أما أموالك وأملاكك فللخزينة كلهَا وصادر مَا كَانَ لَدَيْهِ من اموال وممتلكات وَلم يوله الْقَضَاء أَو أَي عمل اخر بعد ذَلِك ثمَّ أعْطى الشَّاب إبريقي ذهبه كَمَا هما
[ ١١٨ ]