وَهَكَذَا حدث فِي أَيَّام سعد بن ابي وَقاص إِذْ كَانَ عَامله فِي سَواد بَغْدَاد وواسط والأنبار وَتلك النواحي إِلَى تخوم خوزستان وَالْبَصْرَة يَهُودِيّا لقد كتب سكان المناطق الْمَذْكُورَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر يَشكونَ إِلَيْهِ الْعَامِل الْيَهُودِيّ ويتظلمون مِنْهُ فَقَالُوا إِن هَذَا الرجل يؤذينا بذريعة الْعَمَل والمعاملة دون حق ويستهزيء بِنَا ويستخف لقد عيل صَبرنَا فان يكن لَا بُد مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ بُد فَاجْعَلْ علينا عَاملا مُسلما حَتَّى لَا يعاملنا بِخِلَاف الْأُصُول وَالْقَوَاعِد وَلَا يسومنا الْأَذَى وَالْعَذَاب لأننا على دين وَاحِد وَإِذا
[ ٢١٤ ]
مَا تصرف خلافًا لهَذَا فَإِنَّهُ لأحب إِلَيْنَا أَن نتحمل وَطْأَة الْأَذَى وَالِاسْتِخْفَاف من مُسلم لَا من يَهُودِيّ
وَلما قَرَأَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر الرسَالَة قَالَ أيتسنى ليهودي يعِيش على وَجه الأَرْض سالما أَن يشْعر بالتفوق وَالْفضل على الْمُسلمين وَأمر بِأَن يكْتب إِلَى سعد بن أبي وَقاص اعزل ذَلِك الْيَهُودِيّ وول عمله مُسلما
وَلما قَرَأَ سعد الرسَالَة أَمر بندب خيال إِلَى الْعَامِل الْيَهُودِيّ أَنى وجد والمجيء بِهِ إِلَى الْكُوفَة ثمَّ بعث برسل اخرين إِلَى مُخْتَلف نواحي بِلَاد الْعَجم ليأتوا بالعمال الْمُسلمين من حَيْثُ يجدونهم إِلَى الْكُوفَة
لما أحضر الْيَهُودِيّ والعمال الاخرون جَمِيعًا لم ير سعد فِي عُمَّال الْعَرَب والعجم من الْمُسلمين من لَهُ الْقُدْرَة والكفاية على الْقيام بِعَمَل الْيَهُودِيّ وَلم يجد فيهم من يعرف أصُول الْمُعَامَلَة مثله أَو أَن لَهُ خبرته وَقدرته على تَحْصِيل الْأَمْوَال والإعمار وَمَعْرِفَة النَّاس والإحاطة بِمَا حصل وَمَا لم يحصل من خراج فاضطر إِلَى إبقائه على رَأس عمله وَكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ رِسَالَة تَقول لقد امتثلت أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فأحضرت الْيَهُودِيّ وعقدت مَجْلِسا جمعت فِيهِ كل الْعمَّال والمتصرفين فِي ديار الْعَرَب والعجم فَلم يكن فِي الْعَرَب من لَهُ دراية بأحوال الْعَجم وشؤونهم أما عُمَّال الْعَجم فتبيين لي بعد استقراء أَن لَيْسَ فيهم من لَهُ كِفَايَة الْيَهُودِيّ ومهارته فِي الْمُعَامَلَة وَحسن نصرفه وإدارته ومعرفته النَّاس لقد اضطررت إِلَى إبقائه فِي عمله حَتَّى لَا يتسرب الْخلَل إِلَى شَتَّى أَنْوَاع الْمُعَامَلَات ولكي يسْتَمر تَحْصِيل الْأَمْوَال وَإِنِّي فِي انْتِظَار أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ
لما وصلت الرسَالَة الى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر وَقرأَهَا تملكه الْعجب فَقَالَ يَا للعجب يخْتَار غير مَا اخْتَرْت وَيرى غير مَا رَأَيْت وَتَنَاول الْقَلَم وَكتب فِي أَعلَى الرسَالَة نَفسهَا مَاتَ الْيَهُودِيّ ثمَّ أَعَادَهَا إِلَى سعد بن أبي وَقاص
إِن مَا عناه عمر بقوله مَاتَ الْيَهُودِيّ هُوَ هَب أَن الْيَهُودِيّ قد مَاتَ وكل نفس ذائقة الْمَوْت فالموت بِمَثَابَة الْعَزْل عَن الْعَمَل وَاعْلَم أَن الْعَمَل يجب أَلا يتَوَقَّف بِمَوْت أَي عَامل أَو عَزله بل يَنْبَغِي ندب رجل اخر لَهُ فَلم تظل عَاجِزا هَكَذَا
وَلما تسلم سعد الرسَالَة وَقَرَأَ توقيع عمر فِي أَعْلَاهَا عزل الْيَهُودِيّ فَوْرًا وَعين مُسلما مَكَانَهُ وتسلم الْمُسلم عمله فَتبين بعد سنة أَن مَا أنْجز على يَد الْعَامِل الْمُسلم أفضل بِكَثِير
[ ٢١٥ ]
مِمَّا انجز على يَد الْيَهُودِيّ وَأَن شؤون الْعمرَان قد نمت وازدهرت حِينَئِذٍ قَالَ سعد بن أبي وَقاص لأمراء الْعَرَب أنعم بأمير الْمُؤمنِينَ عمر رجلا عَظِيما فقد كتبت فِي أَمر ذَلِك الْيَهُودِيّ وشؤون الْولَايَة رِسَالَة طَوِيلَة لكنه أجابني بكلمتين فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ لَا كَمَا كنت أعتقد ونجانا مِمَّا كَمَا فِيهِ
ثمَّة قَولَانِ مشهوران صَدرا عَن رجلَيْنِ عظيمين كِلَاهُمَا صائب مَقْبُول وسوف يظلان مضرب الْمثل فِي الْعَرَب والعجم إِلَى يَوْم الدّين الأول قَول عمر بن الْخطاب ﵁ مَاتَ الْيَهُودِيّ فَأنى وجد عَامل يجيد مهنة الْكِتَابَة وَله مهارة وخبرة فِي إدارة الْأُمُور وتصريفها لكنه متطاول ظَالِم خَبِيث الْمَذْهَب وَأُرِيد لهَذَا تنحيته فيتصدى شفعاؤه وَمن يحدبون عَلَيْهِ قائلين يجب أَلا يعْزل فَهُوَ كَاتب ممتاز وعامل جلد وَلَيْسَ ثمَّة من هُوَ افضل مِنْهُ هُوَ فِي عمله وأمثال هَذَا الْكَلَام فَمَا على الْحَاكِم إِلَّا أَن يَقُول مَاتَ الْيَهُودِيّ فبهاتين الْكَلِمَتَيْنِ ترد أَقْوَالهم كلهَا وَتبطل ويعزل ذَلِك الْعَامِل أما القَوْل الاخر فَإِنَّهُ لما ودع نَبينَا ﷺ الدَّار الفانية لم يَجْرُؤ أحد من صحابته على أَن يَقُول أَنه ﵇ قد مَاتَ سوى أبي بكر الصّديق ﵁ فَمَا إِن ولي الْخلَافَة والت إِلَيْهِ أُمُور الْمُسلمين بعد النَّبِي ﵇ حَتَّى اعتلى الْمِنْبَر وخطب فِي النَّاس فَقَالَ مَاتَ مُحَمَّد ثمَّ قَالَ أَيهَا الْمُسلمُونَ من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت
فأعجب الْمُسلمُونَ بقوله الَّذِي صَار مضرب الْمثل فِي الْعَرَب بِحَيْثُ إِذا مَا ألمت بأحدهم مُصِيبَة عظمى ودع فِيهَا عَزِيزًا اثيرا لدية وَأَرَادَ النَّاس تهوين الْأَمر وَتَخْفِيف وقعه عَلَيْهِ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ لَهُ فِي عنفوان النَّازِلَة مَاتَ مُحَمَّد فَإِن يكن أَلا يَمُوت أحد من بني ادم فَلَيْسَ من هُوَ أولى من مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﵇
لنعد الان إِلَى مَا بدأنا بِهِ كلامن قُلْنَا ان الْعمَّال وأعمالهم منوطون بالوزير وَإِن الْوَزير الصَّالح يَجْعَل سمعة مليكه وَسيرَته حسنتين فَمَا الْمُلُوك الْعِظَام الَّذين دَان لَهُم الْعَالم وَالَّذين سَوف تظل أَسمَاؤُهُم مقترنة بِذكر الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مَا هم إِلَّا أُولَئِكَ الَّذين كَانَ
[ ٢١٦ ]
لَهُم وزراء أخيار كَذَا كَانَ الْأَنْبِيَاء الأعاظم فَكَانَ لِسُلَيْمَان ﵇ اصف بن برخيا ولموسى ﵇ أَخُوهُ هَارُون ﵇ ولعيسى ﵇ شَمْعُون ولمحمد الْمُصْطَفى ﷺ أَبُو بكر الصّديق ﵁ أما الْمُلُوك الْعِظَام فَكَانَ لكيخسرو جودرز ولمنوجهر سَام ولافراسياب بيران ويسه ولكشتاسب جاماسب ولرستم زواره ولبهرام جور خره روز ولأنوشروان الْعَادِل بزرجمهر وَكَانَ لخلفاء بني الْعَبَّاس أَمْثَال ال برمك وللسامانيين البلعميون وللسلطان مَحْمُود الغزنوي أَحْمد حسن ولفخر الدولة الصاحب بن عباد وللسلطان طغرل أَبُو نصر الكندري وبذا اضحت سنة الْأَنْبِيَاء وسيرة الْمُلُوك أنشودة يترنم بهَا ومثلا يضْرب وَمثل هَذَا كثير
أما الْوَزير فَيَنْبَغِي أَن يكون نقي الدّين حسن الِاعْتِقَاد حَنَفِيّ الْمَذْهَب أَو شافعيا طَاهِرا كُفؤًا حسن التَّدْبِير والمعاملة كَرِيمًا ومحبا للْملك وَمَا أحسن أَن يكون الْوَزير من صلب وَزِير فَذا أفضل واهيب وَأكْثر بركَة فمنذ عهد أردشير بن بابكان إِلَى أَيَّام يزدجرد بن شهريار اخر مُلُوك الْعَجم لم يكن الْمُلُوك إِلَّا أَبنَاء مُلُوك وَلم يكن الوزراء إِلَّا أَبنَاء وزراء وظل الْأَمر على هَذِه الْحَال حَتَّى ظُهُور الْإِسْلَام فَلَمَّا دَال ملك مُلُوك الْعَجم أَدْبَرت الوزراء عَن الوزراء أَيْضا