قَالَ زيد بن أسلم كنت مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب إِذْ خرج لَيْلَة يعس أَحْوَال الرّعية بِنَفسِهِ فَلَمَّا تخطينا الْمَدِينَة إِذا بحائط خرب تنبعث مِنْهُ نَار فَقَالَ لي عمر يَا زيد هَلُمَّ بِنَا إِلَى ذَلِك الْمَكَان لنرى من ذَا الَّذِي يُوقد نَارا فِي منصف اللَّيْل فاتجهنا صَوبه وَلما اقتربنا مِنْهُ إِذا امْرَأَة قد وضعت قديرة على النَّار وأمامها طفلان نائمان وَهِي تَقول تعاليت يَا رب أنصفني من عمر فَهُوَ شبعان وَنحن جِيَاع
لما سمع عمر مِنْهَا ذَلِك قَالَ لي يَا زيد لقد وكلتني هَذِه الْمَرْأَة إِلَى الله من بَين كل خلقه ابق أَنْت هُنَا حَتَّى أقترب مِنْهَا وأستفسر عَن حَالهَا فاقترب مِنْهَا وَقَالَ مَاذَا تعدين من طَعَام فِي الْخَلَاء فِي منتصف اللَّيْل قَالَت إِنَّنِي امْرَأَة فقيرة لَيْسَ لي فِي الْمَدِينَة بَيت أملكهُ وَلَا ألوي على شَيْء أتيت إِلَى هَذَا الْمَكَان أمس خجلا من بكاء طفلي وصراخهما جوعا لأنني لَا أملك مَا أقوتهم بِهِ وَلِئَلَّا يعرف الْجِيرَان أَنَّهُمَا يَبْكِيَانِ جوعا لقد أسقط بيَدي فَكلما جعلا يَبْكِيَانِ جوعا ويطلبان طَعَاما أَضَع هَذِه القديرة على
[ ١٨٦ ]
النَّار وَأَقُول لَهما نَامَا واستريحا إِلَى أَن ينضج الطَّعَام فَأدْخل على قلبيهما السرُور وعَلى هَذَا الأمل ينامان وَحين يستيقظان وَلَا يجدان شَيْئا يعاودان الصُّرَاخ والبكاء وَلَقَد أنمتهم السَّاعَة بالتعلة نَفسهَا إننا لم نَأْكُل فِي هذَيْن الْيَوْمَيْنِ شَيْئا أما هَذِه الْقدر فَلَيْسَ فِيهَا سوى المَاء فتألم عمر وَقَالَ انه لحق أَن تَدعِي على عمر وتكليه إِلَى الله تَعَالَى وَقَالَ لَهَا وَلم تعرفه اصْبِرِي قَلِيلا وابق هُنَا حَتَّى أَعُود اليك وَتركهَا وَعَاد فَلَمَّا وصل الي قَالَ هيا بِنَا إِلَى بَيْتِي
وَلما وصلنا إِلَى بَاب بَيته وقفت عِنْده وَدخل هُوَ ثمَّ خرج يحمل جرابين على كَتفيهِ فَقَالَ لي لنعد ثَانِيَة إِلَى تِلْكَ المستورة فَقلت إِن يكن لَا بُد من الذّهاب إِلَى هُنَاكَ فَدَعْنِي أحمل الجرابين لأتكفل هَذَا العبء قَالَ عمر يَا زيد إِن تتعهد هَذَا العبء فَمن يتَوَلَّى عبء الذُّنُوب عَن عنق عمر
وَقطع عمر الطَّرِيق كلهَا بِحمْلِهِ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَة فَانْزِل الجرابين من على ظَهره وَوَضعهمَا امامها وَكَانَ فِي أَحدهمَا دَقِيق وَفِي الاخر أرز وحمص ودهن وأليه ثمَّ قَالَ لي يَا زيد اجْمَعْ مَا تَجِد هُنَا من سيح وقيصوم وأتني بِهِ بِسُرْعَة ورحت أسعى فِي طلب الْحَطب وَجمعه فِي حِين تنَاول عمر الْإِنَاء وأحضر مَاء وَغسل الْأرز والحمص وَوَضعهمَا فِي الْقدر وأضاف إِلَيْهِمَا دهنا وأليه ثمَّ صنع من الطحين كماجة كَبِيرَة وأتيته بالحطب فأعد الطَّعَام بِنَفسِهِ وصنع الكماجة على الْجَمْر لما نضج الْخبز وَالطَّعَام مَلأ عمر الْوِعَاء طَعَاما وفت الْخبز فِيهِ وَلما برد قَالَ للْمَرْأَة أيقظي الطفلين ليأكلا فأيقظتهما وَوضع الطَّعَام أمامهما وابتعد عَنْهُم ثمَّ بسط سجادته وَشرع يُصَلِّي وَلما نظر عمر إِلَيْهِم بعد مُضِيّ وَقت فَرَأى أَنهم قد شَبِعُوا جَمِيعًا أَن الطفلين يلاعبان الْأُم نَهَضَ من حَيْثُ هُوَ وَقَالَ أيتها الْمَرْأَة عَلَيْك بالطفلين وَأَنا بالجرابين وَزيد بِالْقدرِ والوعاء وهيا بِنَا إِلَى مَنْزِلك فَفَعَلُوا ومضوا
لما عَادَتْ الْمَرْأَة وأطفالها إِلَى الْبَيْت وَوضع عمر الجرابين ثمَّ هم بالعودة قَالَ للمراة ترفقي بعمر وارحميه وَلَا تكليه إِلَى الله بعد فَلَيْسَ لَهُ طَاقَة على عَذَابه وعتابه ﷿ إِنَّه لَا يعلم الْغَيْب حَتَّى يعرف حَال كل فَرد كلي أَنْت وطفلاك مِمَّا أحضرت وأخبريني حَال نفاده لاتيك بِغَيْرِهِ
[ ١٨٧ ]