لم يكن لأحد من خلفاء بني الْعَبَّاس مَا كَانَ للمعتصم من سياسة وهيبة والة وَعدد وَلم يملك أحد مَا ملك من الغلمان التّرْك الَّذين يُقَال إِن عَددهمْ كَانَ سبعين الْفَا وَلَقَد رقى
[ ٨٥ ]
كثيرين مِنْهُم فأوصلهم إِلَى الْإِمَارَة وَكَانَ يردد دَائِما أَن لَيْسَ ثمَّة من هم فِي مستوى الأتراك من حَيْثُ الْخدمَة
يُقَال إِن أحد الْأُمَرَاء استدعى إِلَيْهِ وَكيله وَقَالَ لَهُ أتعرف أحد من سكان بَغْدَاد وتجارها يقرضني خَمْسمِائَة دِينَار أَنا فِي حَاجَة إِلَيْهَا على أَن أردهَا إِلَيْهِ فِي الْمَوْسِم وَتَأمل الْوَكِيل قَلِيلا فَتذكر اُحْدُ معارفه مِمَّن يتعاطون البيع وَالشِّرَاء بِرِبْح قَلِيل وَكَانَ لَدَيْهِ سِتّمائَة دِينَار من الذَّهَب الخليفتي كَانَ قد جمعهَا بمرور الزَّمن وَقَالَ للأمير إِنَّنِي أعرف رجلا لَهُ دكان فِي سوق كَذَا أتردد عَلَيْهِ بَين الْحِين والحين وأتعامل مَعَه إِنَّه يملك سِتّمائَة دِينَار خليفتي ان ترسل فِي طلبه شخصا يستدعيه وتحسن استقباله تلاطفه وَتَدْعُوهُ إِلَى الطَّعَام فِي أَوَانه ثمَّ تطرح حَدِيث الْمُعَامَلَة فلربما يخجل مِنْك وَلَا يرد طلبتك احتراما لَك
فَفعل الْأَمِير وارسل إِلَى الرجل شخصا يَقُول لَهُ أَلا تكلّف نَفسك عناء الْحُضُور إِلَيّ فإنني أريدك فِي أَمر ضَرُورِيّ وَذهب الرجل إِلَى قصر الْأَمِير دون أَن تكون لَهُ بِهِ معرفَة سَابِقَة فَدخل عَلَيْهِ وَسلم فَرد عَلَيْهِ الْأَمِير السَّلَام والتفت نَحْو رِجَاله وَقَالَ أَهَذا هُوَ فلَان قَالُوا بلَى فَقَامَ الْأَمِير فِي وَجهه وَأمر بإجلاسه فِي مَكَان لَائِق ثمَّ قَالَ أَيهَا الخواجة لقد سَمِعت من النَّاس كثيرا عَن شهامتك وَحسن سيرتك وأمانتك وتدينك فاعجبت بك دون أَن أَرَاك وَيَقُولُونَ إِنَّه لَيْسَ ثمَّة أحد فِي سوق بَغْدَاد كُله مثل هَذَا الخواجة مُرُوءَة وَحسن مُعَاملَة ثمَّ قَالَ لَهُ أَيْضا فَلم لَا تعاشرنا إِذن وتكلفنا بِقَضَاء مَا تحْتَاج أليه من أَمر تعد بيتنا بَيْتا لَك وتصادقنا وتؤاخينا وَكَانَ الرجل يوحي بِقبُول كل مَا كَانَ يَقُول الْأَمِير وَالْوَكِيل يردد كَذَا وَمِائَة كَذَا
وَمَضَت فَتْرَة فأحضر خوان الطَّعَام وأجلس الْأَمِير الرجل بِالْقربِ مِنْهُ وَجعل يتَنَاوَل أَشْيَاء من الطَّعَام ويضعها أَمَامه باستمرار ويلاطفه ويكرمه كثيرا وَلما رفع الطَّعَام وَغسل الْحَاضِرُونَ أَيْديهم وَانْصَرفُوا وَلم يبْق سوى الْخَاصَّة الْتفت الْأَمِير نَحْو الرجل
[ ٨٦ ]
وَقَالَ إعلم أَن لي فِي هَذِه الْمَدِينَة أصدقاء كثيرين يستجيبون لي بمحض الْإِشَارَة وَلَو أطلب إِلَيْهِم خَمْسَة أَو عشرَة الاف دِينَار لقدموها إِلَيّ حَالا عَن طيب خاطر لأَنهم كَانُوا يفيدون كثيرا من التَّعَامُل معي وَأَنه لم يلْحق بأحدهم أدني ضَرَر نتيجة لذَلِك إِنَّنِي لامل فِي أَن تتوثق عرى الصداقة والود بَيْننَا على الرغم من كَثْرَة الَّذين هم على استعداد لقرضي فإنني فِي حَاجَة إِلَى عشرَة الاف دِينَار أَرْجُو أَن تمدني بهَا على ان اعيدها إِلَيْك إبان الْمَوْسِم بعد أَرْبَعَة أَو خَمْسَة شهور وَمَعَهَا خلعة إِنَّنِي لعلى ثِقَة من أَنَّك تملك الْمبلغ بل أضعافه وَأَنَّك لن ترد طلبي فَقَالَ الرجل من فرط خجله وَحسن اسْتِقْبَال الْأَمِير لَهُ الْحق مَا يَقُول الْأَمِير غير أنني من أَصْحَاب الدكاكين الَّتِي بِقدر بِأَلف أَو أَلفَيْنِ وَيَنْبَغِي أَلا يُقَال للعظماء سوى الْحَقِيقَة ان كَا مَا أقدر عَلَيْهِ سِتّمائَة ألف دِينَار جمعتها بِمَشَقَّة على مر الزَّمن وَهِي مَا أبيع بِهِ وأشتري فِي السُّوق الان فَقَالَ الْأَمِير فِي خزانتي كثير من الذَّهَب الدرستي لكنه لَا يُنَاسب الْأَمر الَّذِي أُرِيد مَا الْفَائِدَة الَّتِي تجنيها من بيعك وشرائك الْقَلِيل هَذَا أَعْطِنِي الستمائة دِينَار وَخذ عَليّ سندا بسبعمائة دِينَار بِشَهَادَة شُهُود عدُول على أَن أردهَا إِلَيْك فِي الْمَوْسِم القادم وَمَعَهَا خلعة جميلَة وَقَالَ الْوَكِيل إِنَّك لَا تعرف أميرنا إِلَى الان فَلَيْسَ فِي أَرْكَان الدولة من هُوَ أصدق مُعَاملَة مِنْهُ فَقَالَ الرجل الْحق مَا يَقُول الْأَمِير إِن هَذَا الْقدر الَّذِي أملك من الذَّهَب لَا يَدْعُو إِلَى الرَّفْض والتردد ثمَّ أعطَاهُ الْمبلغ وَأخذ عَلَيْهِ سندا
وأزف الْموعد وَبعد عشرَة أَيَّام مِنْهُ ذهب الرجل للسلام على الْأَمِير وَلم ينبس ببنت شفة لِأَنَّهُ قَالَ فِي نَفسه سَيعْلَمُ الْأَمِير حِين يراني أنني جِئْت أطلب ذهبي
وَاسْتمرّ على هَذَا المنوال فانقضى على الْمدَّة شَهْرَان رأى الرجل الْأَمِير فِيهَا أَكثر من عشر مَرَّات لكنه كَانَ يتجاهل أَن الرجل إِنَّمَا كَانَ يَجِيء فِي طلب مَاله أَو أَن عَلَيْهِ هُوَ أَن يدْفع إِلَيْهِ شَيْئا
لما رأى الرجل تجاهل الْأَمِير كتب رِسَالَة سلمهَا بِيَدِهِ إِلَى الْأَمِير نَفسه فَقَالَ إِنَّنِي فِي حَاجَة إِلَى ذهبي الحقير لقد مضى على الْأَجَل شَهْرَان الا يتفضل الْأَمِير بالإيعاز إِلَى الْوَكِيل برده هَذَا الْخَادِم فَقَالَ الْأَمِير إِنَّك تظن أنني فِي غَفلَة من أَمرك لتهدأ بَالا وتصبر بضعَة أَيَّام فإنني فِي صدد تهيئة مَالك الَّذِي سأرسله إِلَيْك فِي مغلف مختوم بيد أحد أشخاصي المعتمدين
[ ٨٧ ]
وصبر الرجل شَهْرَيْن اخرين دون أَن يرى لِلذَّهَبِ أثرا وعاود الكرة فَذهب إِلَى قصر الْأَمِير وَكتب إِلَيْهِ رِسَالَة أُخْرَى وَكَلمه تكليما أَيْضا فواعده الْأَمِير مَرَّات كذبا وظل الرجل يذهب مرّة كل يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة مطالبا وَلَكِن دون جدوى إِلَى أَن مضى على الْأَجَل ثَمَانِيَة أشهر
وأعوز الرجل فشفع أهل الْمَدِينَة وَمضى إِلَى القَاضِي وَنَاشَدَهُ باسم الشَّرْع وَلم يبْق أحد من العظماء إِلَّا وكلم الْأَمِير فِي أمره وَتشفع لَهُ عِنْده لَكِن دون جدوى أَيْضا وَانْقَضَت سنة وَنصف وَهُوَ لَا يُطِيع أوَامِر الْقَضَاء وَالشَّرْع وَلَا يستمع لما كَانَ يَقُول وجهاء الْمَدِينَة وأكابرها
وَعجز الرجل وَرَضي بالتنازل عَن الْفَائِدَة وَعَن مائَة دِينَار من أصل الْمبلغ أَيْضا وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي وفقد الأمل فِي وساطة كل العظماء وأعياه التَّرَدُّد هُنَا وَهُنَاكَ وَأسلم أمره لله ﷿ وَمضى إِلَى مَسْجِد فضلومند وَصلى عدَّة رَكْعَات وشكا أمره إِلَى الله تَعَالَى فِي بكاء ونشيج وَهُوَ يَقُول يَا رب أَنْت المغيث فأوصلني إِلَى حَقي وأنصفني من هَذَا الظَّالِم وَاتفقَ أَن كَانَ فِي الْمَسْجِد درويش يسمع بكاء الرجل وتضرعه فرق لَهُ قلبه وَلما انْتهى من تضرعه قَالَ الدرويش لَهُ يَا شيخ مَا الَّذِي دهاك حَتَّى تتأوه بِهَذَا الشكل أَخْبرنِي فَقَالَ لقد وصلت بِي الْحَال حدا لَا يُفِيد مَعَه القَوْل إِلَى أَي مَخْلُوق إِلَّا أَن يستجيب الله تَعَالَى لي فَقَالَ الدرويش قل لي فَلَا بُد أَن تكون ثمَّة أَسبَاب فَقَالَ الرجل يَا أَيهَا الدرويش إِن الْخَلِيفَة هُوَ الوحيد الَّذِي لم أخبرهُ بِالْأَمر لقد أخْبرت كل أُمَرَاء الْمَدِينَة وعظمائها وولجت بَاب القَاضِي لَكِن دون جدوى فَمَا الْفَائِدَة من أَن أَقُول لَك قَالَ انني مِمَّن يُقَال لَهُم ان لم يفدك قَوْلك لي فَإِنَّهُ لن يَضرك ألم تسمع قَول الْحُكَمَاء عَليّ كل ذِي ألم أَن يبوح للاخرين بألمه فلربما وجد العلاج عِنْد أقلهم شَأْنًا ان تقص عَليّ أَمرك فقد تَجِد لَهُ مخرجا وَإِلَّا فَلَنْ تصير حالك إِلَى أَسْوَأ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ فَقَالَ الرجل فِي نَفسه صَحِيح مَا يَقُول وقص عَلَيْهِ قصَّته
لما سمع الدرويش قصَّة حَال الرجل قَالَ أَيهَا الرجل الشهم لقد وجدت مخرجا لما أَنْت فِيهِ من بلَاء مَا إِن قلت لي لِيَطمَئِن قَلْبك ان تنفذ مَا أقوله تسترد ذهبك الْيَوْم قَالَ الرجل مَا أفعل قَالَ الدرويش إمض الان إِلَى الْمَسْجِد ذِي المئذنة
[ ٨٨ ]
فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ إِن بِجَانِب الْمَسْجِد بوابة بعْدهَا دكان حَيْثُ يجلس هُنَاكَ رجل عَجُوز فِي ملابس رثَّة مرقعة يخيط الكرابيس وَعِنْده صبيان أجيران يعاونانه فِي ذَلِك إذهب إِلَى الدّكان وَسلم على الرجل واجلس عِنْده ثمَّ قصّ عَلَيْهِ قصتك وعندما تظفر بحقك ادْع لي بِالْخَيرِ وَإِيَّاك ان تتوانى فِي تَنْفِيذ مَا قلت لَك
وَخرج الرجل من الْمَسْجِد وَهُوَ يفكر فِي نَفسه يَا للعجب لقد شفعت كل العظماء والأمراء فتولوا قضيتي وَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِي ووقفوا إِلَى جَانِبي دون جدوى والان يرشدني هَذَا الدرويش إِلَى رجل عَجُوز وَيَقُول ستصل بِهِ إِلَى حَقك إِنَّه كذب وباطل وَلَكِن مَا الْعَمَل لأذهب وَليكن مَا يكون إِن لم تكن ثمَّة فَائِدَة فَلَنْ تصير الْأُمُور إِلَى أَسْوَأ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ
وَمضى إِلَى بَاب الْمَسْجِد فالدكان وَدخل فَسلم على الشَّيْخ وَجلسَ عِنْده وَمَضَت مُدَّة وَالشَّيْخ منهمك فِي خياطته الَّتِي تَركهَا جانبا بعد ذَلِك وَقَالَ للرجل مَا بك فَقص عَلَيْهِ قصَّته من أَولهَا إِلَى اخرها وَأخْبرهُ بِدُخُولِهِ الْمَسْجِد وتضرعه هُنَاكَ وسؤال الدرويش لَهُ وإرشاده إِلَيْهِ
لما سمع الْخياط الْعَجُوز الْقِصَّة قَالَ ان الله ﷿ هُوَ الَّذِي يدبر أُمُور الْعباد أما نَحن فَلَا نملك سوى الْكَلَام ساكلم خصمك فِي أَمرك وأسأل الله تَعَالَى أَن يدبر لَك أَمرك ويوصلك إِلَى حَقك أسْند ظهرك إِلَى الْحَائِط واسترح قَلِيلا ثمَّ قَالَ لأحد الصَّبِيَّيْنِ ضع الإبرة جانبا واذهب إِلَى سراي الْأَمِير فلَان واجلس فِي الْحُجْرَة الْخَاصَّة ثمَّ قل لمن يدْخل إِلَيْهَا أَو يخرج مِنْهَا أَن يخبر الْأَمِير بِأَن أجِير الْخياط فلَان هُنَا وَهُوَ يحمل إِلَيْك خَبرا فحين يطلبك وتراه سلم عَلَيْهِ وَقل لَهُ ان سَيِّدي يسلم عَلَيْك وَيَقُول جَاءَنِي رجل يتظلم مِنْك وَمَعَهُ سَنَد بمبلغ سَبْعمِائة دِينَار بإقرارك أَنْت وَقد مضى على أَجله عَام وَنصف أريدك أَن تعيد إِلَيْهِ الان مَاله كَامِلا دونما توان أَو تَقْصِير ثمَّ عد لي بجوابه حَالا
ونهض الصَّبِي وَمضى مسرعا إِلَى قصر الْأَمِير اما أَنا فقد تملكني الْعجب لِأَنَّهُ مَا من ملك يُرْسل حَتَّى إِلَى أقل عُبَيْدَة مَا حمل الْخياط الصَّبِي من كَلَام إِلَى الْأَمِير وَإِن هِيَ
[ ٨٩ ]
إِلَّا مُدَّة وَعَاد الصَّبِي فَقَالَ لسَيِّده لقد نفذت مَا أَمرتنِي بِهِ قابلت الْأَمِير ونقلت إِلَيْهِ مَا كلفتني بِهِ فَنَهَضَ من مَكَانَهُ وَقَالَ أبلغ سيدك سلامي وشكري وَقل لَهُ إِنِّي منفذ مَا أمرت بِهِ السَّاعَة أجيء وَمَعِي الذَّهَب الَّذِي سأعطيه صَاحبه بحضورك وأعتذر عَن التَّأَخُّر وَالتَّقْصِير
وَلم تكد تمر سَاعَة فَإِذا الْأَمِير وَمَعَهُ الْقَائِم على الركائب وخادمان فَنزل عَن فرسه وَدخل الدّكان وَسلم وَقبل يَد الْخياط وَجلسَ أَمَامه ثمَّ تنَاول صرة ذهب من الْخَادِم وَقَالَ هَذَا هُوَ الذَّهَب حَتَّى لَا تظن أنني كنت أَرغب فِي أكل أَمْوَال هَذَا الرجل الشهم بِالْبَاطِلِ لم أكن السَّبَب فِيمَا بدا من تَقْصِير بل الوكلاء ثمَّ اعتذر كثيرا وَقَالَ لأحد الخادمين إذهب وإيت من هَذِه السُّوق بصراف مَعَه ميزَان فَذهب الْخَادِم وأحضر صرافا نقد الصراف الذَّهَب ووزنه فَكَانَ خَمْسمِائَة دِينَار خليفتي قَالَ الْأَمِير ليَأْخُذ هَذِه الْخَمْسمِائَةِ دِينَار مني الْيَوْم وسادعوه بعد عودتي من البلاط غَدا وأعطيه الْمِائَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ راجيا عَفوه وطالبا رِضَاهُ سأعمل مَا يصل بِهِ إِلَيْك الثَّنَاء عَليّ غَدا قبل صَلَاة الظّهْر فَقَالَ الْخياط ضع الْخَمْسمِائَةِ دِينَار إِلَى جَانب صَاحبهَا وَنفذ مَا قلت وَلَا تتراجع عَنهُ فَقَالَ هَذَا مَا سافعله ثمَّ وضع الذَّهَب بجانبي وَقبل يَد الْخياط وَمضى لشأنه أما أَنا فَلم أكن أَدْرِي مَا الْحَال الَّتِي كنت فِيهَا لعجبي وفرحتي
وَمَا كَانَ مني إِلَّا أَن مددت يَدي وتناولت الْمِيزَان فوزنت مائَة دِينَار ووضعتها أَمَام الْخياط الْعَجُوز فَقَالَ مَا هَذَا قلت لقد رضيت أَن أسترد مَالِي نَاقِصا مائَة دِينَار لكنني سأسترد الْمبلغ كَامِلا نتيجة تدخلك وسعيك الحميد إِن هَذِه الْمِائَة دِينَار لَيست سوى تَقْدِير لجهدك وَقد بذلتها لَك عَن طيب خاطر مني فَالْتَفت الرجل حانقا عَابِسا وَقَالَ إِنَّنِي لفي غِبْطَة الان لأنني اسْتَطَعْت بكلامي أَن أخْلص مُسلما مِمَّا هُوَ فِيهِ من خزن وضيق وبلاء إِنَّنِي لَو أستحل لنَفْسي درهما وَاحِدًا من مَالك أكون أظلم لَك من هَذَا التركي إنهض وامض بِمَا أخذت من ذهب بسلامة الله أما إِذا لم يعطك الْأَمِير المائتي دِينَار الْأُخْرَى فَأَخْبرنِي ولتعرف بعد الان من هم الْأَشْخَاص الَّذين تتعامل مَعَهم وَبعد أَن بذلت أقْصَى جهدي لإقناعه بِالْقبُولِ وَهُوَ يرفض قُمْت من عِنْده وانصرفت إِلَى منزلي فَرحا مَسْرُورا ونمت لَيْلَتي تِلْكَ قرير الْعين
[ ٩٠ ]
وَفِي ضحى الْيَوْم التَّالِي إِذْ كنت جَالِسا فِي بَيْتِي جَاءَ رَسُول الْأَمِير فِي طلبي وَقَالَ يَقُول الْأَمِير أَرْجُو أَن تكلّف نَفسك عناء الْحُضُور إِلَى قصري فمضيت وَلما دخلت عَلَيْهِ قَامَ فِي وَجْهي وأجلسني فِي مَكَان أثير وَأخذ يشْتم وكلاءه ويلعنهم وينحي باللائمة عَلَيْهِم قَائِلا إِنَّهُم هم الَّذين قصروا أما أَنا فَكنت مَشْغُولًا بِخِدْمَة الْملك وَقَضَاء أَعماله ثمَّ قَالَ للْمُوكل بالخزانة إِلَيّ بكيس ذهب وميزان وَوزن مِائَتي دِينَار وناولينها فَشَكَرت لَهُ ونهضت لأنصرف لكنه قَالَ اجْلِسْ قَلِيلا وأحضر الطَّعَام وَبعد أَن أكلنَا وغسلنا أَيْدِينَا هَمس فِي أذن أحد الخدم شَيْئا فَذهب الْخَادِم وأحضر خلعة فِي الْحَال وَقَالَ الْأَمِير ألبسهُ فألبست جُبَّة ثمينة وعمامة مقصبة ثمَّ قَالَ الْأَمِير لي هَل رضيت عني بقلب سليم قلت أجل قَالَ أعد إِلَيّ سندي واذهب الان إِلَى الْخياط الْعَجُوز وَقل لَهُ لقد استرددت حَقي كَامِلا وانني عَن فلَان لراض قلت سافعل لِأَنَّهُ هُوَ نَفسه طلب إِلَيّ أَن أخبرهُ غَدا ومضيت من قصر الْأَمِير إِلَى الْخياط وَقلت لَهُ لقد استدعاني الْأَمِير وأكرمني وَدفع إِلَيّ بَقِيَّة ذهبي ووصلني بِهَذِهِ الْجُبَّة وَهَذِه الْعِمَامَة وَلَيْسَ هَذَا فِي رَأْيِي إِلَّا من بركَة كلامك فَمَاذَا يحدث لَو قبلت مني مِائَتي دِينَار لكنه على الرغم من كَثْرَة مَا حاولت لم يقبل ثمَّ نهضت وعدت إِلَى دكاني فَرحا مَسْرُورا
وَفِي الْيَوْم التَّالِي اعددت حملا وعددا من الدَّجَاج المقلي وَذَهَبت بهَا إِلَى الْخياط وَمَعِي طبق حلوى وكعك أَيْضا وَقلت يَا شيخ إِنَّك لَا تقبل ذَهَبا فأرجو لكَي يدْخل السرُور على قلبِي أَن تقبل مني هَذَا الْقدر من المأكولات تبركا فَهُوَ من كسبي الْحَلَال فَقَالَ قبلت وَمد يَده وَشرع يَأْكُل من طَعَامي ويناول أجيريه ثمَّ قلت لَهُ ان لي عنْدك حَاجَة إِن تقضها أقل قَالَ قلت لقد كلم كل أَشْرَاف بَغْدَاد وأمرائها الْأَمِير فِي أَمْرِي فَلم يستمع لأحد وَلَقَد عجز القَاضِي عَنهُ أَيْضا فَلم اسْتَجَابَ لكلامك وَنفذ كل مَا قلت حَالا ورد أَلِي ذهبي مَا سَبَب حرمتك هَذِه عِنْده قل لي لأعرفه قَالَ أَو مَا تَدْرِي خبري مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت لَا قَالَ أصغ إِلَيّ وهاك مَا أَقُول
قَالَ اعْلَم أنني أؤذن على مئذنة هَذَا الْمَسْجِد مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة وأكسب رِزْقِي من الْخياطَة لم أشْرب الْخمْرَة وَلم أرتكب الزِّنَا أَو اللواط أَو أقترف الْأَعْمَال القبيحة قطّ
[ ٩١ ]
ومنذ ذَلِك الْوَقْت وَأَنا أسكن هُنَا فِي حَيّ أحد الْأُمَرَاء وَذَات يَوْم صليت الْعَصْر وَخرجت من الْمَسْجِد متجها إِلَى الدّكان فَإِذا ذَلِك الْأَمِير سَكرَان مُمْسك بعباءة إمرأة شَابة يَدْفَعهَا عنْوَة وَهِي تصرخ وَتقول أَيهَا الْمُسلمُونَ اغيثوني فلست من هَذَا الصِّنْف من النِّسَاء إِنَّنِي إبنة فلَان وَزوج فلَان وبيتنا فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ وَالنَّاس كلهم يعرفونني بالستر وَالصَّلَاح إِن هَذَا التركي يجرني عنْوَة لقَضَاء ماربه الدنيئة لقد أقسم زَوجي أَنه سيطلقني إِن تغيبت عَن الْمنزل لَيْلَة لقد كَانَت تبْكي وتستغيث دون أَن يهب لنجدتها اُحْدُ لِأَن هَذَا التركي كَانَ عَظِيما ومهيمنا وَكَانَ لَهُ عشرَة الاف فَارس وَلم يكن أحد يَجْرُؤ على أَن يكلمهُ حرفا غير أنني صرخت لمُدَّة قَصِيرَة لَكِن دون جدوى إِذْ مضى بِالْمَرْأَةِ إِلَى قصره وثارت فِي نَفسِي لذَلِك التَّعَدِّي وَالظُّلم الحمية الدِّينِيَّة وَعيلَ صبري فَذَهَبت وجمعت شُيُوخ الْحَيّ ثمَّ مضينا جَمِيعًا إِلَى قصره فاعترضنا وصرخنا باعلى أصواتنا ألم يبْق بَغْدَاد مُسلم حَتَّى تساق فِيهَا إمراة من الشَّارِع كرها على سمع الْخَلِيفَة وبصره لارتكاب الْفَاحِشَة مَعهَا ان تتْرك الْمَرْأَة فبها ونعمت وَإِلَّا فها نَحن أولاء ماضون إِلَى بلاط المعتصم نشكوك إِلَيْهِ وَلما سمع الْأَمِير صراخنا خرج إِلَيْنَا مَعَ غلمانه فأوجعونا ضربا وكسروا أَيْدِينَا وأرجلنا
وَلما رَأينَا الْأَمر على هَذِه الْحَال لذنا بالفرار وتفرقنا وَكَانَ الْوَقْت عشَاء فاديت الصَّلَاة وَبعد مُدَّة ارتديت ثِيَاب نومي واضطجعت على الأَرْض لكنه لم تغمض لي عين لشدَّة مَا كنت فِيهِ من إعياء وغيرة واستغرقت فِي تفكير عميق إِلَى أَن مضى من اللَّيْل نصفه وَقلت فِي نَفسِي إِن كَانَ يُرِيد فَسَادًا فقد حقق بغيته الْأَمر الَّذِي لَا يُمكن تلافيه وَهَذَا أَسْوَأ من قسم زوج الْمَرْأَة عَلَيْهَا بِالطَّلَاق إِن هِيَ تغيبت عَن الْبَيْت لَيْلًا لكنني سَمِعت أَن المدمنين ينامون حِين ياخذ مِنْهُم السكر مأخذه وَأَنَّهُمْ حِين يفيقون لَا يدركون كم مضى من اللَّيْل حِينَئِذٍ صممت على أَن أصعد إِلَى المئذنة وأؤذن للصَّلَاة فلربما يظنّ التركي حِين سَماع الاذان أَن النَّهَار قد وضح فيطلق سراح الْمَرْأَة ويخرجها من قصره وَلَا بُد لَهَا بعد ذَلِك أَن تمر بِالْقربِ من بَاب الْمَسْجِد أما أَنا فسأنزل بعد الْأَذَان حَالا وأقف بِالْبَابِ فِي انتظارها لأوصلها إِلَى بَيت زَوجهَا حَتَّى لاتدقع المسكينة طَلاقهَا وخراب بَيتهَا ثمنا لما حدث
ونفذت مَا فَكرت بِهِ فَصَعدت المئذنه وأذنت للصَّلَاة وأمير الْمُؤمنِينَ المعتصم لما ينم فَلَمَّا سمع الاذان فِي غير وقته غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ ان من يُؤذن فِي نصف اللَّيْل لمفسد لِأَن كل من يسمع الاذان يظنّ أَن الْفجْر قد طلع فَإِذا مَا خرج من بَيته
[ ٩٢ ]
يَبْتَلِيه العسس وَأمر أحد خدمه أَن أذهب وَقل لحاجب الْبَاب إِنَّنِي أَي المعتصم اريدك أَن تذْهب الان وتحضر الْمُؤَذّن الَّذِي رفع الاذان فِي نصف اللَّيْل لأعاقبه عقَابا شَدِيدا حَتَّى لَا يرفع أَي مُؤذن الاذان فِي غير موعده بعد ذَلِك
وعَلى حِين كنت وَاقِفًا بِبَاب الْمَسْجِد انْتظر الْمَرْأَة إِذا الْحَاجِب يتهادى وَبِيَدِهِ سراج فَلَمَّا راني قَالَ أَأَنْت الَّذِي أَذِنت للصَّلَاة قلت بلَى قَالَ لماذا أَذِنت فِي غير وَقت لقد استنكره الْخَلِيفَة جدا وَهُوَ لهَذَا ساخط عَلَيْك كثيرا فأرسلني فِي طَلَبك لتأديبك قلت الحكم مَا يرَاهُ الْخَلِيفَة إِلَّا أَن شخصا سيىء الْخلق حَملَنِي على ان أرفع الْأَذَان فِي غير وقته قَالَ فَمن يكون هَذَا قلت هُوَ الَّذِي لَا يخْشَى الله وَلَا يخَاف الْخَلِيفَة قَالَ وَمن ذَا الَّذِي كَانَت لَهُ الجراة على ذَلِك قلت هَذَا أَمر لَا ابوح بِهِ لغير أَمِير الْمُؤمنِينَ اما ان كنت أَذِنت مُتَعَمدا لشَيْء فِي نَفسِي فَإِن اية عُقُوبَة يقْضِي بهَا الْخَلِيفَة سَتَكُون قَليلَة بحقي قَالَ بِسم الله هيا بِنَا إِلَى الْخَلِيفَة وَلما وصلنا إِلَى مدْخل الْقصر كَانَ الْخَادِم فِي انتظارنا فَقَالَ الْحَاجِب للخادم كل مَا قلته لَهُ وهرع الْخَادِم إِلَى المعتصم وَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ إذهب واحضره وأخذني الْخَادِم إِلَى المعتصم فَقَالَ لي لماذا رفعت الْأَذَان فِي غير أَوَانه وسردت عَلَيْهِ قصَّة التركي مَعَ الْمَرْأَة من أَولهَا إِلَى اخرها فَلَمَّا سَمعهَا طَار صَوَابه وَقَالَ للخادم قل لحاجب الْبَاب امْضِ الان بِمِائَة فَارس إِلَى قصر الْأَمِير فلَان وَقل لَهُ الْخَلِيفَة يستدعيك وَحين تقبض عَلَيْهِ أخرج الْمَرْأَة الَّتِي كَانَ سَاقهَا أمس عنْوَة إِلَى قصره وخذها إِلَى بَيتهَا ثمَّ ادْع زَوجهَا إِلَى الْبَاب وَقل لَهُ ان المعتصم يقرؤك السَّلَام ويتشفع لديك فِي أَمر هَذِه الْمَرْأَة وَيَقُول لم يكن لَهَا أَي ذَنْب فِيمَا حدث فَعَلَيْك أَن تحسن معاملتها الان أَكثر من أَي وَقت مضى ثمَّ عد إِلَيّ بالأمير بِسُرْعَة اما أَن الشَّيْخ فَقَالَ لي إبق هُنَا قَلِيلا
وَبعد فَتْرَة جِيءَ بالأمير إِلَى المعتصم الَّذِي مَا إِن وَقعت عينه عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ يَا كَذَا وَكَذَا مَا الَّذِي رَأَيْت من عدم حميتي وغيرتي على الدّين الإسلامي أَو من
[ ٩٣ ]
ظلمي النَّاس وَأي خلل طَرَأَ على الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين فِي عهدي أَلَسْت أَنا الَّذِي خرج من أجل مُسلم وَقع أَسِيرًا بايدي الرّوم من بَغْدَاد إِلَى بِلَادهمْ فَكسرت جيوشهم وهزمت قيصرهم ودمرت بِلَادهمْ على مدى سِتّ سنوات أَو لست أَنا الَّذِي هدم الْقُسْطَنْطِينِيَّة وأحرقها وَبنى فِيهَا الْمَسْجِد الْجَامِع وَلم يعد قبل أَن يخلص ذَلِك الرجل من قبضتهم إِن الذِّئْب وَالشَّاة يشربان فِي هَذِه الْأَيَّام من مورد وَاحِد لعدلي وَالْخَوْف مني فَكيف تجرؤ على سوق إمرأة بِبَغْدَاد إِلَى قصرك عنْوَة وترتكب مَعهَا الْفَاحِشَة وتعتدي على من نهوك وأمروك بِالْمَعْرُوفِ ضربا ثمَّ أَمر أَن أحضروا جولقا وضعوه أَي الْأَمِير التركي فِيهِ ثمَّ أحكموا ربطه فَفَعَلُوا بعد ذَلِك أَمر بمدقين مِمَّا يفتت بِهِ الجص وَقَالَ ليقف وَاحِد فِي هَذَا الطّرف وَوَاحِد فِي الطّرف الاخر ثمَّ اضرباه إِلَى أَن يصير إربا إربا وَشرع الرّجلَانِ يَضْرِبَانِهِ فَوْرًا إِلَى أَن فتتاه تفتيتا وَقَالا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عِظَامه دقَّتْ دقا فَأمر بَان يحملا الجولق مِثْلَمَا هُوَ ويلقياه فِي نهر دجلة
بعد ذَلِك قَالَ المعتصم لي يَا شيخ إعلم أَن من لَا يخَاف الله لَا يخافني أَيْضا فِي حِين أَن من يخافه ﷿ لَا يقدم على عمل يُعَاقب بِهِ فِي الدُّنْيَا والاخرة أما هَذَا الرجل فقد لَاقَى جزاءه لِأَنَّهُ فعل مَا لَا يفعل وَأما أَنْت فإنني امرك من الان بِأَن ترفع الْأَذَان فِي غير وقته كلما علمت بظُلْم شخص لاخر أَو أيذائه إِيَّاه دونما حق أَو لاستخفاف يَبْدُو مِنْهُ بِالشَّرْعِ لأطلبك حِين سَمَاعه وأستفسر عَن الْأَمر وأعاقب المذنب بِمثل مَا عَاقَبت بِهِ هَذَا الْكَلْب وَإِن يكن ابْني أَو أخي ثمَّ أَمر لي بصلَة وصرفني
إِن الْأَشْرَاف والعظماء والخاصة لعلى علم جيد بِهَذِهِ الْحَادِثَة وان الْأَمِير لم يعد إِلَيْك ذهبك احتراما لي بل خوفًا من الجولق والمدق ودجلة وَلَو توانى لصعدت
[ ٩٤ ]
إِلَى المئذنه وَرفعت الاذان فِي غير موعده ولكان مصيره مصير ذَلِك التركي
وَمثل هَذِه الْحِكَايَة كثير لكنني أكتفي بِمَا ذكرت ليعلم سيد الْعَالم مَا كَانَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاء والملوك وَكَيف أَنهم كَانُوا يحْمُونَ الشَّاة من الذِّئْب ويعاقبون الْعمَّال وولاة الْأُمُور ويحذرون المفسدين ويقفون لَهُم بالمرصاد ثمَّ كَيفَ أَنهم حفظوا للدّين الإسلامي قوته وعزه وصانوه وأرسوا دعائمه
[ ٩٥ ]