كَانَت سوذابه إمرأة كيكاوس مهيمنة عَلَيْهِ فَلَمَّا بعث كيكاوس رَسُولا الى رستم يطْلب إِلَيْهِ ابْنه سياوش الَّذِي كَانَ رستم قد رباه وتعهده حَتَّى سنّ الرجولة وَقَالَ أرْسلهُ لي فَإِنِّي فِي لهفة وشوق إِلَى لِقَائِه أرسل رستم سياوش إِلَى أَبِيه
لقد كَانَ سياوش وسيما جدا فَلَمَّا رَأَتْهُ سوذابه من وَرَاء الْحجاب فتنت بِهِ وَقَالَت لكيكاوس مر سياوش أَن يَأْتِي إِلَى دَار الْحَرِيم لتراه أخواته فَقَالَ لَهُ كيكاوس اذْهَبْ إِلَى دَار النِّسَاء فأخواتك يرغبن فِي رؤيتك قَالَ سياوش سمعا وَطَاعَة لَكِن من الْأَفْضَل أَن يبْقين فِي مكانهن وَأبقى أَنا فِي الإيوان وَلما ذهب إِلَى هُنَاكَ أَلْقَت سوذابه بِنَفسِهَا عَلَيْهِ وضمته إِلَيْهَا راغبة فِيهِ فَغَضب سياوش وخلص نَفسه من بَين يَديهَا وَخرج من دَار الْحَرِيم وَعَاد إِلَى مَكَانَهُ فَخَشِيت سوذابة ان يخبر سياوش اباه بالموضوع وَقَالَت فِي نَفسهَا من الْأَفْضَل أَن أسبقه إِلَى ذَلِك فمضت إِلَى كيكاوس وَقَالَت لقد هجم عَليّ سياوش وَتعلق بِي رَاغِبًا فِي لكنني أفلت من يَده وامتلأ قلب
[ ٢٢٥ ]
كيكاوس على سياوش وَوصل الْخَوْض والخطورة فِي الْمَوْضُوع حدا قيل فِيهِ لسياوش يَنْبَغِي أَن تخترق النَّار ليرضى عَنْك الْملك قَالَ سياوش الْأَمر مَا يرَاهُ المليك فإنني طوع أمره وَرهن إِشَارَته
وكوم الْحَطب فِي الصَّحرَاء على مساحة ربع فَرسَخ مربع ثمَّ أشعلت فِيهِ النيرَان وَلما تصاعد لهيبها صعد كيكاوس إِلَى راس جبل هُنَاكَ وَقَالَ لسياوش اخترق النَّار فَذكر سياوش الَّذِي كَانَ يمتطي صهوة فرسه شبرنج اسْم ربه ثمَّ وثب بِهِ فِي النَّار وَغَابَ عَن الأنظار وَبعد مُدَّة خرج من النَّار سالما دون أَن تمس حَتَّى شَعْرَة وَاحِدَة فِيهِ أَو فِي جَوَاده بإذى بِمَشِيئَة الله ﷿ فَعجب جَمِيع من كَانُوا هُنَاكَ لذَلِك وقبس الموبذون من تِلْكَ النَّار قبسا ومضوا بِهِ إِلَى المعبد وَمَا زَالَت تِلْكَ النَّار مشتعلة فِي مَكَانهَا لِأَنَّهَا قَضَت بِالْحَقِّ
بعد هَذَا الحكم ولى كيكاوس سياوش أَمِيرا على بَلخ وأرسله إِلَيْهَا لكنه كَانَ بِسَبَب سوذابة ممتلأ الْفُؤَاد على وَالِده فَكَانَ يقْضِي حَيَاته بألم وَعَذَاب لقد أضمر فِي نَفسه أَلا يبْقى فِي ولَايَة إيران وَرَاح يفكر فِي أَن يصير إِلَى الْهِنْد أَو الصين والصين الْأَقْصَى لَكِن بيران ويسه وَزِير أفراسياب وقائد جَيْشه تمكن من معرفَة السِّرّ الَّذِي كَانَ يُرَاوِد نفس سياوش فَعرض نَفسه عَلَيْهِ وَشرع يطري أفراسياب ويثني على جميل خصاله أَمَام سياوش ويلتمس إِلَيْهِ حَتَّى قبل سياوش عرضه ورحب بِهِ وَدخل فِي عهد مَعَه ثمَّ قَالَ لَهُ بيران ويسه الْبَيْت وَاحِد والنجاد وَاحِد ان أفراسياب يعزك ويقدرك أَكثر من أبنائه فَأنى أردْت أَن تعيد حَبل الْمَوَدَّة بَيْنك وَبَين أَبِيك يتدخل فِي الْأَمر وَيَأْخُذ على كيكاوس عهدا وثيقا فترسل حِينَئِذٍ إِلَى أَبِيك بِأَلف إعزاز وإكرام
وتحول سياوش من بَلخ إِلَى تركستان فَزَوجهُ أفراسياب ابْنَته وَكَانَ يُكرمهُ
[ ٢٢٦ ]
ويعامله أحسن من بنيه وَأكْثر مِمَّا أثار حفيظة جرسيوز أخي أفراسياب وحسده عَلَيْهِ فانضم إِلَيْهِ الوشاة وقالة السوء واختلقوا الْحِيَل والدسائس إِلَى أَن ألبوا أفراسياب عَلَيْهِ فَقتل مَظْلُوما بتركستان وَعم إيران العويل لمقتله وهاج المحاربون وتأهبوا لِلْقِتَالِ وَجَاء رستم من سجستان إِلَى العاصمة وَمضى إِلَى دَار حَرِيم كيكاوس دونما اسْتِئْذَان وجر سوذابة من ناصيتها إِلَى الْبَاب وقطعها بِالسَّيْفِ إربا إربا وَلم يَجْرُؤ أحد على أَن يَقُول لَهُ خيرا فعلت أَو شرا ثمَّ شمر الْقَوْم للحرب ومضوا إِلَى تركستان انتقاما لسياوش وطلبا بثأره ودارت رحى الْحَرْب عدَّة سنوات ذهب ضحيتها بضعَة الاف من الْجَانِبَيْنِ وَكَانَت سوذابة سَبَب هَذَا كُله لِأَنَّهُ كَانَت مهيمنة على الْملك
لقد اختط الْمُلُوك وأولو الْعَزْم من الرِّجَال لأَنْفُسِهِمْ طرقا وعاشوا حَيَاة لم يكن للنِّسَاء أَو وصيفاتهن فِيهَا أدنى علم بأسرارهم وقضوا حياتهم فِي منأى عَن قيودهن وأهوائهن وأوامرهن وَلم يقعوا تَحت ربقة نيرهن قطّ وَهَكَذَا فعل الاسكندر