وَحدث أَن اخْتَار البتكين يَوْمًا مِائَتي غُلَام وأنفذهم إِلَى خلج والتركمان لتَحْصِيل الْأَمْوَال الْمُسْتَحقَّة عَلَيْهِم وَكَانَ سبكتكين فِي جُمْلَتهمْ فَلَمَّا وصلوا إِلَى هُنَاكَ امْتنعت الطائفتان عَن دفع الْأَمْوَال كَامِلَة فَغَضب الغلمان وشهروا أسلحتهم لحربهم وانتزاع المَال مِنْهُم عنْوَة فَقَالَ سبكتكين لَا أُحَارب مَعكُمْ بل أنفصل عَنْكُم فِي هَذَا
[ ١٤٦ ]
الْأَمر قَالَ لَهُ صَحبه وَلم قَالَ إِن مَوْلَانَا لم يرسلنا للحرب بل قَالَ اذْهَبُوا وأحضروا تِلْكَ الْأَمْوَال والأنعام ان نحاربهم الان فيتغلبوا علينا ويهزمونا فَفِي هَذَا شين وعار عظيمان علينا وإضرار كَبِير بحشمة مَوْلَانَا وجاهه هَذَا شَيْء وَشَيْء اخر أَن مَوْلَانَا سَيَقُولُ مَتى أَمرتكُم بِالْحَرْبِ وَلنْ نجد مَا حيينا منفذا أَو حجَّة لملامته وعتابه الَّذِي لَا طَاقَة لنا بِهِ وَلما فرغ سبكتكين من قَوْله هَذَا قَالَ اكثر الغلمان الصَّوَاب مَا يَقُول سبكتكين ودب الْخلاف بَينهم وانْتهى الْأَمر بِعَدَمِ الْقِتَال وعودتهم وَلما مثلُوا أَمَام البتكين وَقَالُوا لم نحصل الْأَمْوَال مِنْهُم عنْوَة مَعَ أَنهم عصوا وامتنعوا عَن دَفعهَا قَالَ لماذا لم تشهروا السِّلَاح وتحصلوا الْأَمْوَال بأية وَسِيلَة كَانَت قَالَ الغلمان لقد شهرنا الأسلحة وأردنا قِتَالهمْ لَكِن سبكتكين خَالَفنَا واعترضنا فانقسم الغلمان إِلَى فريقين وَلما صَار الْأَمر إِلَى هَذِه الْحَال عدنا فَقَالَ البتكين لسبكتكين لماذا لم تحارب أَو تَدعهُمْ يُحَاربُونَ قَالَ سبكتكين لِأَن مَوْلَانَا لم يكن أمرنَا بِالْقِتَالِ فَلَو قاتلنا دون أمره لَكَانَ كل منا مولى لَا عبدا ان من إمارات الطَّاعَة تَنْفِيذ مَا يَأْمر بِهِ مَوْلَانَا وَلَو كَانَت الْهَزِيمَة حليفنا فَلَا بُد من أَن يَقُول من الَّذِي أَمركُم بِالْقِتَالِ فَمن ذَا الَّذِي لَهُ الطَّاقَة على هَذَا الْعقَاب أما لَو غلبناهم نَحن فَلَا بُد من أَن يقتل كَثِيرُونَ وَلَا يكون ثمَّة شكر وَتَقْدِير فضلا عَمَّا مَا سنلقاه من ملامة وعتاب ان تَأْمُرنَا الان بِالْحَرْبِ نتوجه إِلَيْهِم فإمَّا أَن نحصل الْأَمْوَال وَإِمَّا أَن نقدم أَرْوَاحنَا فديَة فأعجب البتكين بجوابه وَقَالَ حق مَا تَقول ثمَّ أَخذ فِي ترقيته حَتَّى بلغ منزلَة وصل فِيهِ فَوجه إِلَى ثَلَاثمِائَة غُلَام
وَلما مَاتَ أَمِير خُرَاسَان نوح بن نصر ببخارى وَكَانَ البتكين بنيسابور كتب إِلَيْهِ خَاصَّة أمرائه من بُخَارى العاصمة لقد حدث كَذَا وَكَذَا وَتُوفِّي أَمِير خُرَاسَان مخلفا وَرَاءه أَخا فِي الثَّلَاثِينَ من عمره وابنا فِي السَّادِسَة عشرَة فَإلَى أَيهمَا تعهد بِالْملكِ فَأمر هَذِه الملكة مَنُوط بك فسير البتكين رَسُوله على وَجه السرعة برسالة تَقول كِلَاهُمَا أهل للْملك وهما أميران من ولد مَوْلَانَا أما أَخُو الْأَمِير فَرجل ناضج مجرب تجرع مر الْحَيَاة وذاق أفاويقها وَهُوَ يعرف النَّاس جيدا ويحفظ لكل قدره ومنزلته وَخير من يحترمهم وَيعرف لَهُم حرماتهم وَأما ابْن الْأَمِير فطفل لم ير فِي حَيَاته شَيْئا إِنَّنِي أخْشَى أَلا يَسْتَطِيع أَن يسوس النَّاس
[ ١٤٧ ]
ويرعاهم وَألا يقوى على إصدار الْأَوَامِر اللَّازِمَة فِي كل مَسْأَلَة وامر قد يكون من الأصوب تنصيب أخي الْأَمِير
ثمَّ اتبع الرسَالَة بِأُخْرَى فِي الْمَوْضُوع عينه فِي الْيَوْم التَّالِي غير أَنه وصل بعد خَمْسَة أَيَّام رَسُول بِبِشَارَة تَقول لقد تمّ تنصيب ابْن الْأَمِير فاعترى البتكين الخجل لرسالتيه اللَّتَيْنِ كَانَ أرسلهما قَالَ فلماذا استشارني أُولَئِكَ الأوغاد اللئام إِذن وَقد أَرَادوا الاستئثار بِالْأَمر وحدهم إِن الِاثْنَيْنِ كليهمَا مني بِمَنْزِلَة النُّور من الْعين لكنني أخْشَى أَن تسوء الابْن رسالتي حِين وصولها فيظن أَن هواي كَانَ مَعَ عَمه للَّذي أَشرت إِلَيْهِ فِيهَا فَيَقَع فِي قلبه شَيْء مني ويغضب عَليّ ويحقد حِينَئِذٍ يستغل الْأَمر ذَوُو الأطماع الدنيئة الَّذين سيجدون المجال متاحا أمامهم لِأَن يلوكوني بألسنتهم وتأليب الصَّبِي عَليّ
وَأرْسل البتكين فِي الْحَال خَمْسَة رجال كل مِنْهُم على جماز فِي إِثْر الرسولين وَقَالَ لَهُم حاولوا مَا وسعكم الْجهد أَن تلحقوا بهما قبل أَن يعبرا نهر جيحون وتعيدوهما وَانْطَلق المجمزون فِي سرعَة فأدركوا أحد الرسولين فِي صحراء اموي فِي حِين كَانَ الاخر قد عبر جيحون وَلما وصلت رِسَالَة البتكين إِلَى بُخَارى استاء ابْن الْأَمِير واتباعه الَّذين قَالُوا لم يحسن البتكين صنعا حِين أَشَارَ بتنصيب أخي الْأَمِير أما درى أَن مِيرَاث الْأَب يصير إِلَى الابْن لَا إِلَى الْأَخ وظلوا يرددون هَذَا النغم وضغن الصَّبِي على البتكين يتزايد يوميا وَالْتمس البتكين الْأَعْذَار الْكَثِيرَة وَبعث بالهدايا الجمة غير أَن هَذَا لم يجد فتيلا فِي نفض غُبَار الحقد وَالْغَضَب عَن قلب ابْن الْأَمِير وظل المفسدون وذوو الأطماع الْخَاصَّة فِي يوغرون صدر الْأَمِير الصَّغِير الَّذِي اضطرمت نَار حقده وغضبه ونقمته
وَكَانَ أَحْمد بن اسماعيل فِي أخريات حَيَاته اشْترى البتكين الَّذِي خدم نصر بن أَحْمد عدَّة سنوات وَلما مَاتَ نصر خدم نوح بن نصر وتقلد على عَهده القيادة الْعليا لجيش خُرَاسَان وَلما مَاتَ نوح خَلفه ابْنه مَنْصُور وَانْقَضَت سِتّ سِنِين من عهد مَنْصُور والبتكين ينقده الْأَمْوَال وَيسْعَى مَا أمكنه الْجهد لوضع الْأُمُور فِي نصابها دون أَن يَسْتَطِيع المغرضون أَن ينالوا مِنْهُ شَيْئا لَدَى مَنْصُور بن نوح أَو يوغروا عَلَيْهِ قلبه وَكَانَ وكلاء البلاط يَكْتُبُونَ إِلَى
[ ١٤٨ ]
البتكين عَن كل مَا يَدُور فِي بُخَارى العاصمة
لَكِن المفسدين لم يتْركُوا مَنْصُور بن نوح بل أوحوا إِلَيْهِ بِأَنَّهُ لن تكون أَمِيرا وحاكما حَقِيقِيًّا مَا لم تقتل البتكين إِنَّه يحكم خُرَاسَان من ثَلَاث وَخمسين سنة ويكدس الْأَمْوَال والثروات وَإِن الْجَيْش كُله يأتمر بامره ويطيعه ان تقبض عَلَيْهِ تفرغ مِنْهُ بَالا وتملأ الخزينة من أَمْوَاله وَلَيْسَ من حِيلَة لهَذَا سوى أَن تستدعيه إِلَى البلاط وَتظهر لَهُ انك مذ تولينا الْإِمَارَة لم تأت إِلَى البلاط وَلم تجدّد الْعَهْد وَالْوَلَاء إِنَّك محط امالنا وَقد اتخذناك بِمَثَابَة الْأَب إِن قَوَاعِد ملكنا راسخة بك فَأَنت مدَار مَا وَرَاء النَّهر وخراسان أما مَا يَدُور على الألسن من قيل وَقَالَ فَلَيْسَ إِلَّا لِأَنَّك لم تأت إِلَيْنَا قطّ عَلَيْك الْحُضُور إِلَى البلاط بأسرع وَقت مُمكن لإعادة كل مَا خرج عَن قَاعِدَته وأصوله فِي بلاطنا وقصرنا سيرته الأولى لِيَزْدَادَ اعتمادنا عَلَيْك وثقتنا بك وتخرس أَلْسِنَة ذَوي المارب الخبيثة وتكف عَن الْكَلَام وَحين يَأْتِي إِلَى هُنَا ادْعُه وحيدا وَمر بِضَرْب عُنُقه
وَنفذ الْأَمِير السديد مَنْصُور هَذَا واستدعى البتكين إِلَى البلاط لَكِن منهو الْأَخْبَار كتبُوا إِلَى البتكين يخبرونه بِالَّذِي يُريدهُ مَنْصُور من أَجله فأعلن النفير وَأمر رِجَاله بِأَن يستعدوا للتوجه إِلَى بُخَارى ثمَّ توجه وَمَعَهُ حوالي ثَلَاثِينَ ألف خيال من نيسابور إِلَى سرخس وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام من نُزُوله بهَا دَعَا إِلَيْهِ أُمَرَاء الْجند وَقَالَ لَهُم أود أَن أَقُول لكم شَيْئا واريدكم أَن تجيبوا عَنهُ بِمَا تَرَوْنَهُ صَوَابا وَفِيه فائدتنا ونفعنا جَمِيعًا قَالُوا سمعا وَطَاعَة قَالَ أَتَدْرُونَ السَّبَب الَّذِي يطلبنا أَمِير خُرَاسَان من أَجله أم لَا قَالُوا يُرِيد أَن يراك لتجديد الْعَهْد لِأَنَّك بِمَثَابَة الْأَب لَهُ ولابائه من قبل قَالَ لَيْسَ الْأَمر على مَا تظمون ان الْأَمِير يستدعيني لقتلي وَفصل راسي عَن جَسَدِي فَهُوَ طِفْل لَا يعرف أقدار الرِّجَال إِنَّكُم تعلمُونَ أنني أَنا الَّذِي حفظت للسامانيين ملكهم سنوات عديدة وَمَا أَزَال وَلَقَد هزمت أُمَرَاء تركستان مِمَّن كَانُوا يطمعون فِي ملكهم مَرَّات كَمَا قهرت الخارجين عَلَيْهِم من كل صوب وَلم أعصهم قطّ وَلَو طرفَة عين لقد حافظت على هَذَا الْملك لجده وَأَبِيهِ وَله وَمَا أَزَال لكنه يُرِيد أَن يكافئني فِي النِّهَايَة بِقطع رَأْسِي دون أَن يدْرك أَن ملكه جَسَد أَنا رَأسه فَهَل من بَقَاء للجسد بعد الرَّأْس والان مَا الَّذِي تَرَوْنَهُ صَوَابا مَا الْحِيلَة إِلَى دفع هَذَا الْبلَاء قَالَ الْأُمَرَاء جَمِيعًا حيلته السَّيْف مَاذَا نَنْتَظِر مِنْهُ مَا دَامَ يكن لَك هَذَا وَيُرِيد أَن يكافئك بأعمالك هَذِه المكافئة لَو كَانَ ثمَّة شخص غَيْرك لنزع الْملك من أَيْديهم
[ ١٤٩ ]
مُنْذُ خمسين سنة نَحن جَمِيعًا نعرفك أَنْت وَلَا نعترف بِهِ وبأبيه ان مَا نملك نَحن وكل الرِّجَال فِي دولة السامانيين من عَيْش وجاه وحشمة ونعمة وَولَايَة وزينة لَيْسَ إِلَّا مِنْك أَنْت فِيك وَحدك صرنا رجَالًا نَحن مَعَك وَمِمَّا لَا شكّ فِيهِ أَن خُرَاسَان وخوارزم ونيمروز مَعَك أَيْضا ادْع إِلَى خلع مَنْصُور بن نوح ثمَّ نصب نَفسك أَمِيرا وهبه بُخَارى وسمرقند إِن شِئْت والا ضمهما إِلَيْك أَيْضا
وَلِأَن الْأُمَرَاء قَالُوا هَذَا الْكَلَام عَن رَغْبَة أكيدة وتامة قَالَ البتكين عَفا الله عَنْكُم لقد كَانَ كلامكم عَن إِيمَان واتحاد وَهَذَا مَا أتوقعه مِنْكُم جزاكم الله عني خير الْجَزَاء دَائِما انصرفوا الْيَوْم حَتَّى نرى مَا يحمل إِلَيْنَا غَد
لقد كَانَ مَعَ البتكين فِي هَذَا الْوَقْت ثَلَاثُونَ ألف فَارس وَكَانَ فِي استطاعته تجهيز مائَة ألف وَفِي الْيَوْم التَّالِي جَاءَ الْأُمَرَاء للقاء البتكين فَخرج إِلَيْهِم وَاتخذ مَكَانَهُ وَبعد مُدَّة وجيزة الْتفت نحوهم وَقَالَ لقد أردْت من حَدِيثي مَعكُمْ أمس أَن أختبركم لأرى فِيمَا إِذا كُنْتُم تؤازرونني وتقفون معي وتحمون ظَهْري إِذا مَا وَقع لي شَيْء أم لَا إِن مَا سمعته مِنْكُم جَمِيعًا لدَلِيل على أصالتكم ونقائكم وَحسن عهدكم ووفائكم ورعايتكم حق نعمتي إِنَّنِي لراض عَنْكُم لَكِن اعلموا أنني لَا أَسْتَطِيع بعد مَا حدث أَن أكف شَرّ مَنْصُور وأذاه عني بِغَيْر السَّيْف فَهُوَ طِفْل لَا يعرف لأحد حَقًا بل يلقِي أذنا صاغية إِلَى ثلة من الأشرار الأوباش الأرذال دون أَن يعرف مَا يضرّهُ مِمَّا يَنْفَعهُ انه يعدني وَأَنا الَّذِي أحمي سلالته عدوا وَيطْلب عنقِي فِي حِين أَنه يعد من لَا يَبْغُونَ سوى فَسَاد المملكة ودمارها وَمن لَا يَسْتَطِيعُونَ رأب أقل صدع فِيهَا أصدقاء إِنَّنِي لقادر على نزع الْملك مِنْهُ وتنصيب عَمه مَكَانَهُ أَو الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ بنفسي لكنني أخْشَى أَن تَقول الدُّنْيَا كلهَا ان البتكين الَّذِي حمى للسامانيين ملكهم سِتِّينَ سنة يخرج عَلَيْهِم فِي النِّهَايَة وَقد بلغ الثَّمَانِينَ وَينْزع الْملك مِنْهُم بِالسَّيْفِ ويتربع على عرش أسياده كَافِرًا نعمتهم جاحدا لَهَا
اعلموا أنني قضيت عمري كُله حسن السمعة والفعال فعلي أَلا أفعل مَا يشوه سمعتي ويسييء إِلَيّ وَأَنا على شفا حُفْرَة من الْقَبْر على الرغم من أَن منصورا هُوَ الاثم المذنب وَالنَّاس لَا يعلمُونَ هَذَا فَإِن بَعضهم سَيَقُولُ لقد كَانَ مَنْصُور هُوَ
[ ١٥٠ ]
المخطىء وسيقول اخرون لَا لقد كَانَ الذَّنب كُله ذَنْب البتكين وَمَعَ أنني لَا طمع لي فِي ملك مَنْصُور وَلَا رَغْبَة فِي إِلْحَاق الضَّرَر بِهِ فَأن قالة السوء فِي خُرَاسَان لن تَنْقَطِع مَا دمت فِيهَا وَأَن المغرضين سيؤججون عَدَاوَة الصَّبِي وحقده عَليّ يَوْمًا بعد يَوْم لكنه لن يبْقى لَهُم مَا يَقُولُونَ إِذا مَا تركت خُرَاسَان وَخرجت من حوزة هَذَا الصَّبِي هَذِه وَاحِدَة وَالْأُخْرَى أَنه إِن كَانَ لَا بُد من شرع السيوف من أجل لقْمَة الْعَيْش وَقَضَاء مَا تبقى من الْعُمر فَمن الْأَفْضَل أَن تشرع فِي وَجه الْكفَّار ابْتِغَاء ثَوَاب الاخرة لِتَعْلَمُوا الان يَا أُمَرَاء جَيش خُرَاسَان وخوارزم ونيمروز أَن منصورا هُوَ أَمِير خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَأَنْتُم جميعكم جَيْشه وقادته وَبِه كُنْتُم تَحت لِوَائِي انهضوا وامضوا إِلَى بلاطه وقابلوه وجددوا لَهُ الْعَهْد وابقوا على مَا انتم فِيهِ من مَرَاتِب فِي الْخدمَة فإنني قد عقدت الْعَزْم على الْمُضِيّ إِلَى الْهِنْد للغزو وَالْجهَاد إِن أقتل تكْتب لي الشَّهَادَة وَإِن يحالفني التَّوْفِيق والنجاح فِي نصْرَة الْإِسْلَام وعزته فسأرد الْقَوْم الْكَافرين إِلَى حَظِيرَة الْإِسْلَام أملا فِي الْجنَّة ورضى الله وَرَسُوله
ثمَّ إِن أَمِير خُرَاسَان سيرتاح مني وتنقطع قالة السوء عني حسنا كنت أم سَيِّئًا وعندئذ تكون خُرَاسَان وجيشها وَأَهْلهَا فِي عُهْدَة مَنْصُور وَحده
وَلما أنهى كَلمه نَهَضَ وَقَالَ لأمراء الْجَيْش تقدمُوا إِلَيّ وَاحِدًا وَاحِدًا لأودعكم وعبثا حاول الْأُمَرَاء ثنيه عَن عزمه فَأخذُوا بالبكاء وتقدموا مِنْهُ وعيونهم تترغرغ بالدموع وَجعلُوا يعانقونه الْوَاحِد تلو الاخر إِلَى أَن ودعهم جَمِيعًا وَلما انصرفوا كلهم دخل خيمته الْخَاصَّة فِي حِين أَن أحدا لم يصدق أَن البتكين سيترك خُرَاسَان إِلَى الْهِنْد لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي مملكة السامانيين خَمْسمِائَة ضَيْعَة فِي خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَلم تكن ثمَّة مَدِينَة إِلَّا وَكَانَ لَهُ فِيهَا قصر وبساتين ومحطات قوافل وحمامات ومستغلات كَثِيرَة فضلا عَن مائَة مائَة ألف رَأس غنم وَمِائَة ألف حصان وبغل وجمل
وَفِي الْيَوْم التَّالِي سمع الْأُمَرَاء صَوت النفير فَتحَرك البتكين وَمَعَهُ غلمانه وحاشيته إِلَى بَلخ تَارِكًا وَرَاءه تِلْكَ النعم جَمِيعهَا أما أُمَرَاء خُرَاسَان فصاروا جَمِيعًا إِلَى بُخَارى
لما وصل البتكين إِلَى بَلخ قرر أَن يمْكث بهَا شهرا أَو شَهْرَيْن ليمكن الَّذين يُرِيدُونَ الْغَزْو من وَرَاء النَّهر وختلان وطخارستان وأطراف بَلخ من تجميع أنفسهم وَمن ثمَّ تقدم نَحْو الْهِنْد غازيا
[ ١٥١ ]
غير ان المفسدين والمغرضين أوحوا إِلَى مَنْصُور بن نوح أَمِير خُرَاسَان بِأَن البتكين ذِئْب عَجُوز لن تكون فِي أَمن مِنْهُ وَسَلام مَا لم تقض عَلَيْهِ يَنْبَغِي إرْسَال جَيش فِي إثره للقبض عَلَيْهِ وإتيانك بِهِ فَأرْسل مَنْصُور فِي إثره أَمِيرا بِسِتَّة عشر ألف فَارس إِلَى بَلخ فَلَمَّا وصل هَذَا الْجَيْش إِلَى ترمذ وَعبر جيحون كَانَ البتكين قد أتجه من بَلخ إِلَى خلم وَكَانَ يَقع على بعد أَرْبَعَة فراسخ بَين بَلخ وخلم وَاد ضيق محاط بالوديان والقرى من عَن يَمِينه وشماله يعرف ب مضيق خلم نزل بِهِ البتكين وَوضع فِي أَعْلَاهُ مِائَتي خيال من غلمانه للمراقبة والاستطلاع وَكَانَ يملك فِي هَذَا الْوَقْت أَلفَيْنِ ومائتي مولي تركي من أفضل الرِّجَال فضلا عَن ثَمَانمِائَة ألف فَارس غاز كَانُوا قد التحقوا بِهِ من شَتَّى النواحي
وَلما وصل جَيش أَمِير خُرَاسَان عَسْكَر فِي الصَّحرَاء أَمَام الْمضيق لعدم تمكنه من الْوُصُول إِلَى الْمضيق نَفسه وظل على هَذِه الْحَال شَهْرَيْن وَبعد مُضِيّ الشَّهْرَيْنِ جَاءَ دور سبكتكين فِي المراقبة والاستطلاع فَلَمَّا وصل إِلَى قمة الْمضيق وَرَأى الْجَيْش منتشرا فِي الصَّحرَاء وطلائعه متحفزة متوثبة فكر فِي نَفسه لقد ترك مَوْلَانَا خُرَاسَان وَمَا لَهُ فِيهَا من نعم وثروة وَمضى غازيا فطمع هَؤُلَاءِ بِرُوحِهِ وأرواحنا جَمِيعًا انني أخْشَى لشدَّة وَفَاء مولائي بعهوده ومراعاته لَهُم أَن يلقِي بِنَفسِهِ وأنفسنا الى التَّهْلُكَة لَا مندوحة لهَذَا الْأَمر من السَّيْف لِأَن جَيش مَنْصُور لن يكف عَن ملاحقتنا مَا دمنا صامتين هَكَذَا كَانَ الله تَعَالَى فِي عون ذَلِك الرجل الَّذِي ألْحقُوا بِهِ الظُّلم فهم الظَّالِمُونَ وَنحن المظلومون ثمَّ الْتفت نَحْو الغلمان الَّذين كَانُوا مَعَه وَقَالَ إِن عبء هَذَا الْأَمر يَقع علينا نَحن إِن يظفروا بِنَا فَلَنْ يبقوا منا على قيد الْحَيَاة أحدا ساحمل عَلَيْهِم الْيَوْم لأرى مَا سَيكون سَوَاء لآقى الْأَمر قبولا لَدَى مَوْلَانَا أم لَا وَليكن مَا يكون قَالَ هَذَا ثمَّ ألْقى بِنَفسِهِ وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة فَارس من الغلمان على طَلِيعَة جَيش خُرَاسَان فكسرهم حَالا ودلف إِلَى معسكرهم وَمَا إِن تمكنوا من استلام السِّلَاح وامتطاء الْجِيَاد كَانَ سبكتكين ورهطه قد قتلوا أَكثر من ألف مِنْهُم وعادوا فِي سرعَة إِلَى مكانهم على قمة الْمضيق وَلما أخبر البتكين بِمَا فعل سبكتكين وَقَتله كثيرا من
[ ١٥٢ ]
الْأَعْدَاء استدعاه وَقَالَ لماذا تسرعت كَانَ يَنْبَغِي أَن تتحلى بِالصبرِ قَالَ البتكين يَا مولَايَ إلام نصبر لقد عيل صَبرنَا علينا أَن نسعى لإنقاذ أَرْوَاحنَا وَلَا سَبِيل إِلَى هَذَا إِلَّا بِالسَّيْفِ لَا الصَّبْر سنحارب من أجل مَوْلَانَا حَتَّى اخر رَمق إِلَى أَن يجد فِي الْأَمر شَيْء قَالَ البتكين أما وَقد أثرت ثائرة الْعَدو فَمن الْوَاجِب اتِّخَاذ خطة أنجع ضِدّه قل لرجالنا أَن يقوضوا الْخيام ويحزموا الْأَمْتِعَة اسْتِعْدَادًا للرحيل والتحرك بعد صَلَاة الْعشَاء وَإِخْرَاج الْأَمْتِعَة والمؤن من الْمضيق على أَن يسير طغان بِأَلف غُلَام سرا إِلَى النَّاحِيَة الْيُمْنَى من وَادي كَذَا وتمضي أَنْت بالف غُلَام أَيْضا إِلَى الْجَانِب الْأَيْسَر من وَادي كَذَا وَأخرج أَنا وَمَعِي ألف فَارس بالمؤن من الْمضيق إِلَى الصَّحرَاء ونحط الرّحال هُنَا فسيقول الْأَعْدَاء حِين لَا يرَوْنَ أحد على قمة الْمضيق فِي الْيَوْم التَّالِي بَان البتكين قد فر فيركبون ويسرعون للحاق بِنَا مارين بالمضيق وَحين يخرج أَكثر من نصفهم مِنْهُ ويرونني فِي الصَّحرَاء اطبقوا عَلَيْهِم بسيوفكم من مكامنكم من الْيَمين واليسار وَحين يدق ناقوس الْقِتَال سيتراجع الْقسم الْمُقَابل لي من جيشهم الَّذِي خرج من الْمضيق للإنضمام إِلَى الَّذين مَا زَالُوا فِيهِ ليفروا جَمِيعهم مَعًا وسيبتلى قسم مِنْهُم بشر سُيُوفكُمْ سأحمل من الْأَمَام وتخرجون انتم من الْمضيق فنحاصر الخارجين مِنْهُ مِنْهُم ونعمل فيهم السَّيْف ونستمر فِي ضَربهمْ مَا قاوموا وَإِذا مَا ولوا الأدبار نفسح لَهُم مجَال الْهَرَب ونوسع عَلَيْهِم أَبْوَاب الْهَزِيمَة حِينَئِذٍ نعود وَنخرج من الْمضيق ونقع على معسكرهم للغنائم فنفذوا هَذَا وَتركُوا الْمضيق
وَفِي صباح الْيَوْم التَّالِي الباكر كَانَ جَيش أَمِير خُرَاسَان يقف بسلاحه على أهبة الاستعداد للحرب وَلما لم يرَوا على قمة الْمضيق أحدا توغلوا فِيهِ فرسخا وَاحِدًا فَرَأَوْا اثار معسكر البتكين صَحَّ يقينهم بفراره انذاك نُودي على الْجَيْش ان أَسْرعُوا فِي إثرهم فَبعد أَن يعبر الْمضيق وَنخرج مِنْهُ سنطبق عَلَيْهِم فِي الصَّحرَاء بِمدَّة وجيزة ونقبض على البتكين
فَتقدم الْجَيْش فِي سرعَة تتقدمه الصفوة الممتازة وَلما أطلوا من الْمضيق رَأَوْا البتكين وَمَعَهُ ثَلَاثَة الاف من الخيالة وَعدد من المشاة فِي السهل الممتد هُنَاكَ وَلما خرج نصف الْجَيْش المعادي من الْمضيق انقض عَلَيْهِ طغان بِأَلف غُلَام من الْجَانِب الْأَيْسَر للوادي وعاثوا فيهم بسيوفهم وردوا من كَانُوا خَرجُوا من الْمضيق على أَعْقَابهم وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا أما سبكتكين فانقض عَلَيْهِم بِأَلف غُلَام من الْجَانِب الْأَيْمن وأعمل فيهم السَّيْف ثمَّ التقى بطغان وأخذا يلاحقانهم مَعًا وَأما البتكين فَحمل عَلَيْهِم من الْأَمَام واستطاعوا بِمدَّة يسيرَة أَن يجندلوا عددا كَبِيرا مِنْهُم أما أَمِير جيشهم فاصيب بطعنة رمح فِي ظَهره خرجت من صَدره فَخر على الأَرْض وَانْهَزَمَ الْجَيْش الَّذِي لَاذَ أَفْرَاده بالفرار إِلَى كل نَاحيَة
[ ١٥٣ ]
وجدوا إِلَيْهَا منفذا لَهُم ومهربا
بعد ذَلِك عبر غلْمَان البتكين الْمضيق إِلَى معسكر الْجَيْش المنهزم فغنموا مَا عثروا عَلَيْهِ من جِيَاد وبغال وَفِضة وَذهب وديباج فَقَط أما الْخيام والسجاد وَمَا إِلَيْهِمَا من أَمْتعَة ومؤن ووسائل أُخْرَى فتركوها وقفلوا رَاجِعين حَتَّى إِن أهالي قرى بَلخ ظلوا يغنمون مِنْهَا شهرا كَامِلا وَلما احصي عدد الْقَتْلَى كَانُوا أَرْبَعَة الاف وَسَبْعمائة وَخمسين من غير الْجَرْحى
ثمَّ سَار البتكين من خلم إِلَى باميان حَيْثُ تصدى أميرها لقتاله فَقبض عَلَيْهِ لبتكين وأسره لكنه عذره لفعلته تِلْكَ وَعَفا عَنهُ وخلع عَلَيْهِ خلعة وَدعَاهُ ابْنه وَكَانَ هَذَا الْأَمِير هُوَ الَّذِي لقب من أُمَرَاء باميان ب شيرباربك
وَمن هُنَاكَ توجه البتكين إِلَى كابل وَهزمَ أميرها وَأخذ ابْنه أَيْضا لكنه أحسن مُعَامَلَته ورده إِلَى أَبِيه ثمَّ مضى إِلَى غزنين ففر ابْن أَمِير كابل لَا بُد أَنه كَانَ فِي غزنين انذاك الَّذِي كَانَ صهر لوبك أَمِير غزنين إِلَى سرخس وَلما وصل البتكين إِلَى مشارف غزنين خرج إِلَيْهِ لوبك واشتبك فِي قتال مَعَه فَأسر ابْن أَمِير كابل ثَانِيَة وَهزمَ لويك وحوصرت الْمَدِينَة وَأقَام البتكين على مشارف الْمَدِينَة ضَارِبًا عَلَيْهَا نطاقا من الْحصار فخافه أهل زابل لكنه أَمر مناديا يُنَادي فِي أَتْبَاعه أَن يجب أَلا يَأْخُذ أحدكُم من أَي شخص شَيْئا دون أَن ينقده ثمنه وكل من يُخَالف هَذَا يُعَاقب
وَذَات يَوْم وَقعت عين البتكين على غُلَام تركي من غلمانه كَانَ قادما وَهُوَ يعلق مخلاة تبن ودجاجة على طوق سرج حصانه فَقَالَ إِلَيّ بذلك الْغُلَام فَأتى بِهِ وَسَأَلَهُ البتكين أَنى لَك مخلاة التِّبْن هَذِه والدجاجة قَالَ أخذتهما من فلاح قروي قَالَ البتكين هلا تتقاضى راتبا شهريا قَالَ الْغُلَام أجل قَالَ البتكين فَلم لم تشترهما بنقود إِذن فإنني أدفَع لَك أجرا شهريا لِئَلَّا تَأْخُذ من فَقير شَيْئا دونما حق فضلا
[ ١٥٤ ]
عَن أنني أمرت مناديا يُنَادي عَلَيْكُم بِهَذَا وَأمر فِي الْحَال بشق الْغُلَام نِصْفَيْنِ وتعليقه والمخلاة مَعَه على قَارِعَة الطَّرِيق ثمَّ أَمر بِأَن يُنَادى ثَلَاثَة أَيَّام إِذا مَا بلغنَا أَن أحدا أَخذ من شخص شَيْئا سنجازيه بِمَا جازينا بِهِ هَذَا الْغُلَام من خَواص غلماننا فخاف الْجَيْش وَأمن النَّاس وَأخذت النعم والخيرات الَّتِي لَا يعلم مقدارها سوى الله ﷿ تترى على المعسكر يوميا لتباع ثمَّة وَلم يدع البتكين أحدا من الغلمان يَأْتِي وَلَو بتفاحة وَاحِدَة من الْمَدِينَة
لما رأى أهل غزنين مَا هم عَلَيْهِ من أَمن وَعدل ونعمة قَالُوا إننا فِي حَاجَة إِلَى ملك عَادل نَكُون فِي ظله امنين على أَرْوَاحنَا وَأَمْوَالنَا وأبنائنا تركيا كَانَ أم فارسيا واخترقوا بوابة الْمَدِينَة ومضوا إِلَى البتكين وَلما رأى لويك هَذَا فر إِلَى القلعة لكنه خرج مِنْهَا بعد عشْرين يَوْمًا وَصَارَ إِلَى البتكين الَّذِي أظهر لَهُ رزقا وأملاكا يعِيش مِنْهَا وَلم يلْحق أَذَى بِأحد وعد غزنين موطنا لَهُ وَمن هُنَاكَ قصد الْهِنْد وَكَانَت الْمسَافَة بَين غزنين وديار الْكفْر مسيرَة يَوْمَيْنِ فاصاب غَنَائِم وفيرة
وشاعت الْأَخْبَار فِي خُرَاسَان ونيمروز وَمَا وَرَاء النَّهر بِأَن البتكين اقتحم أَبْوَاب الْهِنْد وأغار عَلَيْهَا وظفر بغنائم كَثِيرَة من الذَّهَب وَالْفِضَّة والأنعام وَالْعَبِيد والتحف الطريفة النادرة الَّتِي لَا يعلم مقدارها سوى الله وَحده وانضم إِلَيْهِ النَّاس من شَتَّى الْأَطْرَاف حَتَّى وصل عدد أَتْبَاعه إِلَى سِتَّة الاف خيال وَاسْتولى البتكين على عدد من الولايات وأخضعها إِلَى برشاوور وتصدى لَهُ ملك الْهِنْد بِمِائَة ألف خيال وَخمسين ألف راجل وَألف وَخَمْسمِائة فيل لإخراجه مِنْهَا وَمن الطّرف الاخر أرسل أَمِير خُرَاسَان شخصا يدعى أَبَا جَعْفَر بِخَمْسَة وَعشْرين ألف فَارس لِحَرْب البتكين أَيْضا وليثأر لهزيمة جَيْشه النكراء وقتلاه على مشارف بَلخ وَفِي مضيق خلم وَترك البتكين أَبَا جَعْفَر يتَقَدَّم بجيشه حَتَّى صَار على بعد منزلَة وَاحِدَة من غزنين فَخرج حينذاك بِرِجَالِهِ السِّتَّة الاف من غزنين وأطبق على جَيش أبي جَعْفَر واستطاع أَن يتغلب على الْخَمْسَة وَالْعِشْرين ألفا فِي مُدَّة قَليلَة ويهزمهم هزيمَة شنعاء أَسْوَأ ألف مرّة مِمَّا مني بِهِ الْجَيْش السَّابِق على مشارف خلم أما أَبُو جَعْفَر فولى الأدبار وحيدا بعد أَن وجد نَفسه دون رجال غير أَن الْقرَوِيين قبضوا عَلَيْهِ وَلم يعرفوه فسلبوه جَوَاده وكل مَا كَانَ مَعَه وأطلقوه فَمضى إِلَى بَلخ رَاجِلا متواريا ودخلها متنكرا أما انعامهم وعددهم
[ ١٥٥ ]
وغنائمهم فالت إِلَى البتكين جَمِيعًا وَلم يعد أَمِير خُرَاسَان بعد هَذِه الْمرة إِلَى التصدي لالبتكين أَو التَّعَرُّض لَهُ لِأَن ضعف السامانيين بعد البتكين بلغ مداه إِذْ صَارا هدف أُمَرَاء تركستان ونهبأ لحملاتهم وَلما فرغ البتكين من قتال أبي جَعْفَر تفرغ لملك الْهِنْد فَبعث برسائل إِلَى خُرَاسَان وشتى الأنحاء يطْلب مدَدا فَجَاءَتْهُ أعداد غفيرة طَمَعا فِي الْغَنَائِم وطلبا للغزو وصل عَددهمْ إِلَى أحد عشر ألفا وَخَمْسمِائة خيال وراجل كلهم من الشَّبَاب المدججين بكامل أسلحتهم وَتقدم بهم نَحْو ملك الْهِنْد ثمَّ حمل على طلائع جَيْشه بغته فَقتل أَكثر من عشرَة الاف هندي وَلم يلته بالغنائم بل خف منسحبا إِلَى الْخلف فَلَمَّا حمل عَلَيْهِ جَيش الْملك لم يجده
لقد كَانَ ثمَّة جبل شَاهِق وَشعب كَانَت طَرِيق جَيش ملك الْهِنْد مِنْهُ فَمَا كَانَ من البتكين إِلَّا أَن تمركز فِي أول الشّعب وَاسْتولى عَلَيْهِ وَلما وصل الْملك إِلَى هُنَاكَ لم يسْتَطع أَن يمر مِنْهُ بل عَسْكَر حَيْثُ وقف بِهِ الْمسير وَأقَام على تِلْكَ الْحَال شَهْرَيْن فِي حِين كَانَ البتكين يُغير عَلَيْهِم ليل نَهَار بَغْتَة باستمرار وَيقتل مِنْهُم
وَقد أبلى سبكتكين فِي هَذِه الْحَرْب بلَاء حسنا وتمت على يَدَيْهِ أَعمال جليلة كَثِيرَة أما ملك الْهِنْد فَبَقيَ على مَا هُوَ عَلَيْهِ إِذْ لم يسْتَطع أَن يتَقَدَّم إِلَى الْأَمَام أَكثر وَلم يكن فِي استطاعته أَن يعود دون بُلُوغ الهدف وَتَحْقِيق الِاسْتِقْرَار
وَفِي نِهَايَة الْأَمر اقترح ملك الْهِنْد على البتكين لقد جِئْت من خُرَاسَان طلبا للرزق فَمَا بالك فِي أَن أهبك من الْأَرَاضِي مَا تعيش مِنْهَا على أَن تنظم بِمن مَعَك إِلَى جيشي وتصبحوا جَزَاء مِنْهُ تَأْكُلُونَ وتقيمون بِسَلام امنين فَرضِي البتكين بِهَذَا وَقَبله وَأَعْطَاهُ الْملك عددا من المدن والنواحي وَخمْس قلاع ثمَّ عَاد لَكِن الْملك كَانَ قد أوعز إِلَى حامية القلاع سرا لَا تسلموه القلاع بعد عودتي وَلما عَاد امْتَنعُوا عَن تَسْلِيمهَا لَهُ فَقَالَ لقد نقضوا الان عَهدهم وأغار من جَدِيد فَفتح الْمَدّ وَاسْتولى على القلاع عنْوَة لكنه توفّي فِي هَذِه الْأَثْنَاء فَوَقع جَيْشه وغلمانه فِي حيرة من أَمرهم لِأَن الهنود وَالْكفَّار كَانُوا يحيطون بهم من كل جَانب وجلسوا يتداولون الْأَمر ويتدبرونه فَقَالُوا لم يتْرك البتكين ولدا نجعله خَليفَة لَهُ ونسوده علينا أما نخن فقد حزنا فِي الْهِنْد كثيرا من الاحترام والرفعة والشرف وَلنَا فِي قُلُوب الهنود هَيْبَة جد عَظِيمَة ان نشغل أَنْفُسنَا بِأَن يَقُول أَحَدنَا أَنا أَكثر احتراما وحشمة وَيَقُول اخر أَنا الأول ويعصى كل شخص وَيُخَالف من جَانِبه فسيتبدد كل مالنا من رفْعَة وهيبة ويتغلب أعداؤنا علينا وَإِذا مَا دب الْخلاف بَيْننَا فَإِن السيوف الَّتِي نحارب الْكفَّار بهَا سنصوبها إِلَى نحورنا وتفلت من أَيْدِينَا
[ ١٥٦ ]
هَذِه الْولَايَة الَّتِي استولينا عَلَيْهَا لَا حِيلَة لنا سوى أَن نَخْتَار من بَيْننَا أليقنا واكفأنا ونجعله أَمِيرا علينا نأتمر بأَمْره على أَنه البتكين فَقَالُوا جَمِيعًا لَا علاج لأمرنا سوى هَذَا ثمَّ أخذُوا يستعرضون الغلمان المقدمين مبينين مَا على كل مِنْهُم من مَأْخَذ وعيوب إِلَى أَن وصلوا إِلَى سبكتكين فَوَجَمَ الْجَمِيع حِين ذكر اسْمه لكنه نَهَضَ من بَينهم من قَالَ لَا عيب فِي سبكتكين سوى أَن فِي الغلمان الاخرين من اشْترِي قبله وَأكْثر مِنْهُ خدمَة وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَا ينقصهُ شَيْء من حَيْثُ الفطنة والذكاء والنزال والشجاعة والمروءة والسخاء والبذل ومراعاة النَّاس وَحسن الصُّحْبَة وَالْعشرَة والدماثة وَالْخَوْف من الله وَالْوَفَاء بالعهد والصدق والاستقامة لقد رباه مَوْلَانَا البتكين فَكَانَت أَفعاله تلقى من لَدنه كل رضى وَقبُول دَائِما ثمَّ إِنَّه يجمع سيرة مَوْلَانَا وخصاله جَمِيعهَا وَيعرف لكل منا قدره ومكانته جيدا هَذَا مَا أعرفهُ عَنهُ والرأي مَا تَرَوْنَهُ
وتشعبوا فِي حَدِيثهمْ ثمَّ اتَّفقُوا أخيرا على تنصيب سبكتكين أَمِيرا عَلَيْهِم ورد سبكتكين تنصيبهم لَهُ لكِنهمْ أجبروه على ذَلِك وَحِينَئِذٍ قَالَ إِن لم يكن ثمَّة مناص فإنني أقبل هَذَا العبء على أَن تهبوا معي هبة رجل وَاحِد على كل من يخالفني أَو يشق عَصا طَاعَتي أَو ينْبذ أوامري ظهريا ويتوانى فِي تنفيذها مِنْكُم وتقتلوه فعاهدوه أوثق عهد وأقسموا على ذَلِك ثمَّ أَخَذُوهُ وأجلسوه مَكَان البتكين وسلموا عَلَيْهِ بِسَلام الْأَمِير ونثروا الذَّهَب وَالْفِضَّة من حوله وتكللت كل تدابير سبكتكين وحملاته بالسداد والنجاح ثمَّ تزوج من إبنة رَئِيس زابل زابلستان الَّتِي ولدت لَهُ مَحْمُودًا وَلِهَذَا قيل لَهُ مَحْمُود الزابلي وَلما كبر مَحْمُود شَارك وَالِده فِي حملات وأسفار كَثِيرَة
وأنعم خَليفَة بَغْدَاد بلقب نَاصِر الدّين على سبكتكين لما قَامَ بِهِ من أَعمال جليلة وأحرز من انتصارات عَظِيمَة فِي ديار الْهِنْد
وَلما توفّي سبكتكين خَلفه ابْنه السُّلْطَان مَحْمُود الَّذِي كَانَ قد ثقف عَن وَالِده تَدْبِير شؤون الْملك وإدارتها وَكَانَ مَحْمُود كَاتبا وقارئا يهوى الاصغاء إِلَى أَخْبَار الْمُلُوك دَائِما وَلَقَد حَاز كل الصِّفَات وَالسير الحميدة
وَمضى مَحْمُود فِي طَرِيق الْفَتْح فَفتح ولَايَة نيمروز وَاسْتولى على خُرَاسَان أما الْهِنْد فتوغل فِيهَا كثيرا وَاسْتولى على سومنات وجلب مَنَاة وتغلب على مُلُوكهَا وَهَزَمَهُمْ وَوصل أمره إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ
لقد هدفت من وَرَاء هَذِه الْحِكَايَة أَن يعلم سيد الْعَالم خلد الله ملكه كَيفَ يكون
[ ١٥٧ ]
العَبْد الْجيد الَّذِي إِذا مَا قَامَ بخدمات نافعة مَقْبُولَة وَلم تبدر مِنْهُ أَيَّة خِيَانَة أَو ينْكث عهدا قطّ بل كَانَ الْملك بِهِ ثَابت الأساس مستحكما فَكَانَ بركَة على المملكة ونفعا لَهَا فَيَنْبَغِي أَلا يكلم فِي فُؤَاده أَو يصغى إِلَى أقاويل النَّاس المغرضة فِيهِ بل يجب الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ كثيرا فالأسرات الحاكمة والمدن والممالك فِي حَاجَة إِلَى رجال تستند إِلَيْهِم وتعتمد عَلَيْهِم دَائِما فَإِذا مَا نحي أحدهم عَن مَكَانَهُ أَو أطيح بِهِ تنقرض تِلْكَ الأسرة ويمحي ملكهَا وتؤول مدنها إِلَى دمار مِثَال هَذَا ان البتكين كَانَ غُلَاما جيدا وَبِه استحكم ملك السامانيين الَّذين لم يعرفوا لَهُ قدره بل تألبوا عَلَيْهِ فدالت بذهابه من خُرَاسَان دولة السامانيين والت بفضله هُوَ إِلَى أسرته من بعده
يَنْبَغِي الْحفاظ على العبيد والغلمان الَّذين يربون مُنْذُ صغرهم ويترعرعون وَيُكَبِّرُونَ لِأَنَّهُ قَلما يجود زمَان بِغُلَام لَائِق متمرس فقد قَالَت الْحُكَمَاء الْخَادِم وَالْعَبْد الْكُفْء المتمرس خير من الابْن وَفِي الْمَعْنى نَفسه يَقُول الشَّاعِر
عبد وَاحِد مطواع خير من ثَلَاثمِائَة ولد لِأَن هَؤُلَاءِ يَبْغُونَ موت الْأَب وَالْعَبْد ينشد عزه
[ ١٥٨ ]