رب يسر وَلَا تعسر
الْحَمد الله ﷿ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض رَازِق الْعباد عَالم السِّرّ والجهر وغفار الذُّنُوب وَالسَّلَام على خير الْبَريَّة مُحَمَّد بن عبد الله ﵊ أعظم الْأَنْبِيَاء وَرَسُول الله بالفرقان للنَّاس كَافَّة وعَلى أَصْحَابه وعترته أَجْمَعِينَ
يَقُول العَبْد الْفَقِير حُسَيْن الطوسي أَنه لما صدر الْأَمر الملكي العالي من لدن معز الدُّنْيَا وَالدّين أبي الْفَتْح ملكشاه بن مُحَمَّد يَمِين أَمِير الْمُؤمنِينَ أعز الله أنصاره وضاعف اقتداره إِلَيّ والى آخَرين غَيْرِي عَام ٤٧٩ هـ بِأَن ليقلب كل مِنْكُم صفحات فكره ويتأمل أيوجد ثمَّة شَيْء غير مَحْمُود على عهدنا أَو أَنه جرى على غير شَرطه أَو غام عَن أَعيننَا وخفي علينا تنفيذه سَوَاء فِي البلاط أم الدِّيوَان أم الْقصر أم الْمجْلس هَل من أَمر سَار فِيهِ الْمُلُوك قبلنَا سيرا صَحِيحا وفاتنا ذَلِك أنعموا النّظر فِي كل شَيْء من أنظمة الْملك وقواعده وعادات الْمُلُوك فِي عهد مُلُوك السلاجقة السالفين تأملوها جيدا وقيدوها بجلاء ثمَّ أعرضوها علينا كَيْمَا نَنْظُر فِيهَا ونأمر بِأَن تطبق الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية بعد هَذَا وفْق أُصُولهَا وقواعدها ونعرف مَا يُمكن تلافيه ونجري كل أَمر على شَرطه وقاعدته ونقضي بتنفيذ أوَامِر الله تَعَالَى وتطبيقها ونتلافى مَا نستطيع كل مَا مضى من عمل سيئ لِأَن الله تَعَالَى وهبنا الدُّنْيَا وملكها وأسبغ علينا نعْمَة كَامِلَة وقهر أعداءنا يَنْبَغِي أَلا يظل أَي شَيْء بعد الْآن فِي مملكتنا نَاقِصا أَو متزلزلا أَو أَن الْأُمُور فِيهَا تسير بِخِلَاف الشَّرْع وأوامر الله تَعَالَى
لذا عَمَدت أَي نظام الْملك إِلَى درج وَشرح كل مَا كنت أعرفهُ أَو رَأَيْته أَو خبرته من
[ ٤٣ ]
تجارب فِي حَياتِي أَو تعلمته من أساتذتي فِي الْمَوْضُوع فِي هَذَا الْكتاب فِي خمسين فصلا ينْطق فهرسها بموضوعات كل مِنْهَا وأوردت فِي كل فصل مَا يَلِيق بِهِ من أَخْبَار وحكايات من أَقْوَال العظماء الَّتِي لَا تبْعَث على الْملَل عِنْد الْقِرَاءَة بل تكون ألصق بالطبع وَأقرب إِن فِي هَذَا الْكتاب فَوَائِد كَثِيرَة فَمن يقرأه وَيعْمل بِمُقْتَضَاهُ ينل ثَوَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَقَد ألفته لخزانة كتب السُّلْطَان المعمورة عمرها الله وقدمته إِلَيْهِ راجيا أَن يحظى بقبوله وتأييده إِن شَاءَ الله
لَيْسَ لأي ملك أَو حَاكم مندوحة من اقتناء هَذَا الْكتاب وَمَعْرِفَة مَا فِيهِ خَاصَّة فِي هَذِه الْأَيَّام فَكلما قرأوه أَكثر ازدادت درايتهم بِأُمُور الدّين وَالدُّنْيَا واتسعت رُؤْيَتهمْ فِي معرفَة أَحْوَال الصّديق والعدو وانفتحت أمامهم سبل تصريف الْأُمُور وإدارتها واتضحت لَهُم قَوَاعِد تَدْبِير شؤون البلاط وَالْقصر والديوان والمجلس والميدان وَالْأَمْوَال والمعاملات والعسكر والرعية بِحَيْثُ لَا يظل فِي أرجاء المملكة شَيْء خافيا صَغِيرا كَانَ أم كَبِيرا قَرِيبا أم بَعيدا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فِي البدء ألف نظام الْملك نور الله قَبره هَذَا الْكتاب بديهة من تِسْعَة وَثَلَاثِينَ فصلا مُخْتَصرا وَقدمه غير أَنه أعَاد النّظر فِيهِ بعد ذَلِك فأضاف إِلَيْهِ لما كَانَ يعتمل فِي صَدره من ضغن على مخالفي هَذِه الدولة أحد عشر فصلا أُخْرَى وَزَاد على كل فصل مَا يَلِيق بِهِ ثمَّ أعطانيه عِنْد خُرُوجه للسَّفر لكنني لم أجرؤ على إِظْهَاره على النَّاس للحادث الَّذِي وَقع لَهُ أَي نظام الْملك على طَرِيق بَغْدَاد وَخُرُوج الباطنية وإلحاقهم الْأَذَى بِالنَّاسِ إِلَّا فِي الْوَقْت الَّذِي قويت فِيهِ شَوْكَة الْعدْل والأنصاف وَالْإِسْلَام فِي ظلّ سيد الْعَالم خلد الله ملكه أدام الله تَعَالَى بِحَق مُحَمَّد وَآله هَذِه الدولة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
[ ٤٤ ]