يحْكى أَن السُّلْطَان مَحْمُودًا الْغَازِي لم يكن وسيم الصُّورَة بل كَانَ طَوِيل الْوَجْه جافه أصفر السحنة أملس طَوِيل الْعُنُق كَبِير الْأنف لما مَاتَ وَالِده سبكتكين نولى الْملك بعده وخلص الْهِنْد وَفِي صباح ذَات يَوْم بَيْنَمَا كَانَ يُؤَدِّي الصَّلَاة فِي حجرَة خَاصَّة وأمامه مراة ومشط وَيقف حوله اثْنَان من خَواص غلمانه دخل وزيره شمس الكفاة أَحْمد بن الْحسن فَسلم فأوما مَحْمُود إِلَيْهِ بِرَأْسِهِ أَن اجْلِسْ فَجَلَسَ قبالة السُّلْطَان
وَلما فرغ مَحْمُود من قِرَاءَة الْأَدْعِيَة ارتدى قباءه وَلبس عمَامَته وانتعل حذاءه وَنظر فِي المراة فَلَمَّا رأى وَجهه ابتسم وَقَالَ للوزير أَتَدْرِي مَا يَدُور ببالي هَذِه الْأَيَّام قَالَ مولَايَ أدرى فَقَالَ مَحْمُود أخْشَى إِلَّا يحبني النَّاس لدمامتي فقد اعتادوا أَن يُحِبُّوا السُّلْطَان الوسيم قَالَ الْوَزير مولَايَ السُّلْطَان إفعل مَا سيحبك النَّاس من أَجله أَكثر من نِسَائِهِم وَأَبْنَائِهِمْ وانفسهم الَّتِي سيلقون بهَا فِي المَاء وَالنَّار تَلْبِيَة لَك فَقَالَ السُّلْطَان مَاذَا أفعل قَالَ الْوَزير اتخذ الذَّهَب عدوا يحبك النَّاس فسر مَحْمُود وَقَالَ فِي طيات هَذَا القَوْل ألف معنى وَفَائِدَة
وَشرع مَحْمُود فِي بذل العطايا وَفتح بَاب الْخيرَات فَأَحبهُ النَّاس وَأخذُوا فِي مدحه وَالثنَاء عَلَيْهِ وعَلى يَدَيْهِ تمت الْأَعْمَال الجليلة والفتوحات الْعَظِيمَة فَلَقَد دخل
[ ٨٤ ]
سومنات وَكسر مَنَاة وَحمله مَعَه ثمَّ توجه إِلَى سَمَرْقَنْد وَالْعراق قَالَ لوزيره الميمندي ذَات يَوْم لما نفضت يَدي من الذَّهَب كسبت الدُّنْيَا والاخرة وَلما احتقرت الدِّينَار نلْت عز الدَّاريْنِ
لم يكن للقب السُّلْطَان وجود قبل عهد مَحْمُود فَهُوَ أول من تلقب بِهِ فِي الْإِسْلَام وَصَارَ سنة بعده لقد كَانَ مَحْمُود عادلا يخَاف الله وَكَانَ محبا للْعلم شهما يقظا قوي الرَّأْي نقي الدّيانَة وغازيا
إِن أحسن العصور ذَلِك الَّذِي يُوجد فِيهِ ملك عَادل جَاءَ فِي الْخَبَر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْعدْل عز الدّين وَقُوَّة السُّلْطَان وَفِيه صَلَاح الْخَاصَّة والعامة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاء رَفعهَا وَوضع الْمِيزَان﴾ وَقَالَ ﴿الله الَّذِي أنزل الْكتاب بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان﴾ إِن الْملك الْحق هُوَ الَّذِي يكون قلبه موئل الْعدْل وقصره مأوى المتدينين والعقلاء وَالَّذِي يكون ندماؤه وعماله منصفين ومسلمين حَقًا
قَالَ فُضَيْل بن عِيَاض ان يستجب دعائي فَلَا أَدْعُو إِلَّا للسُّلْطَان الْعَادِل فَفِي صَلَاحه صَلَاح الْعباد وَعمْرَان الْبِلَاد وَعَن الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام أَنه قَالَ المقسطون لله ﷿ فِي الدُّنْيَا على مَنَابِر اللُّؤْلُؤ يَوْم الْقِيَامَة
وَكَانَ الْمُلُوك يولون أُمُور المملكة لِلْمُتقين وَلمن يخَافُونَ الله مِمَّن لَيست لَهُم مارب خَاصَّة تطلبا للعدل وحرصا على مصَالح الْعباد ولكي ينقلوا إِلَيْهِ حَقِيقَة الْأَحْوَال فِي كل وَقت وَهَذَا مَا فعله أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم بِبَغْدَاد