بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)
وبه التوفيق والمستعان رب يسّر يا كريم (^١) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الشيخ الإِمام الأجل الأستاذ حسام الدين شمس الإِسلام والمسلمين برهان الأئمّة في العالمين أبو المعالي عمر ابن الشيخ الأجل شمس الأئمة عبد العزيز ﵀: أما بعد، فقد طلب مني بعض أصحابنا أن أذكر بكل مسألة من مسائل كتاب "أدب القاضي" الذي جمعه القاضي الأجل الإِمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن نهير الخصاف ﵀ نكتة وجيزة قدر ما يحتاج الناظر إليها للتفهم فأجبتهم إلى ذلك مستعينًا بالله تعالى، وعددت أبوابه فكانت مائة وعشرين بابًا لاندراج بعض الأبواب في بعض، وفصلته في ابتدائه كيلا يتعذر على من يروم منه مسألة وبالله التوفيق (^٢) يحتاج لمعرفة كتاب "أدب القاضي" إلى معرفة تفسير القضاء لغة وشريعة ومعرفة أهله، و[إلى معرفة] (^٣) من يجوز تقلد القضاء منه [ومن لا يجوز] (^٤) وصفة الدخول فيه.
أما تفسيره لغة فقد يعبّر به عن أشياء: منها الإلزام (^٥) ولذلك سمي الحاكم قاضيًا لأنه يلزم المحكوم عليه، ومنها التقدير (^٦) يقال "قضى عليه بالنفقة" أي قدرها، ومنها الأمر قال
_________________
(١) بين الرقمين (١ - ١) من الأصل المدني، وفي الأصفية "وما توفيقي إلّا بالله" وفي السعيدية "وبه ثقتي رب يسر وأعن برحمتك".
(٢) ثم عد الأبواب كلها راجع الفهرس.
(٣) بين المربعين من س، وكان في ص، مكانه "قال الشيخ الإِمام شمس الأئمة إمام الحرمين أبو المفاخر عمر عمّره الله في عز مشرقة أنواره ومجد مغدقة أفكاره اعلم أنه يحتاج .. إلخ".
(٤) زيادة من س.
(٥) في س "وإلى معرفة جواز الدخول في القضاء، أما تفسير القضاء لغة فالقضاء لغة يعبر عن أشياء عن اللزوم".
(٦) وفي س "وعن التقدير" وكذا "من الأمر" الآتي.
[ ٣ ]
الله ﷿ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^١) أي أمر وهو في عرف لسان الشرع عبارة عن فصل الخصومات وقطع المنازعات.
وأما معرفة أهله فلا ينبغي لأحد أن يتقلّد القضاء ولا لغيره أن يقلده ما لم يكن عالمًا بالكتاب والسنّة واجتهاد الرأي، بين ذلك بالسنّة والمعقول.
أما السنّة فحديث مُعاذ ﵁ حين وجَّهه رسول الله - ﷺ - (^٢) إلى اليمن قاضيًا قال له: بم تحكم يا معاذ؟ قال بكتاب الله! قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنّة رسول الله! قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد فيه رأيي! فقال ﵊: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِه لما يرضى به رسوله (^٣).
وأما المعقول فلأنه مأمور بالقضاء بالحق والحكم بالمنَزَّل.
قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (^٤).
وقال عز من قائل ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^٥) ولا يتهيّأ له ذلك ما لم يكن عالمًا بما ذكرنا.
أما اجتهاد الرأي فلأن الحوادث ممدودة والنصوص معدودة فلا تجد (^٦) في كل حادثة نصًا يفصل به الحكم (^٧) فيحتاج إلى استخراج المعنى من المنصوص عليه ليثبت مثل حكمه في غير المنصوص عليه.
أما الكتاب والسنة فلأن اجتهاد الرأي إنما يكون حجة متى لم يخالف أحدهما، ولن يعلم أنه لم يخالف أحدهما ما لم يكن عالمًا بهما، فصار العلم بالجملة شرطًا ليمكنه القيام بالمأمور به (^٨) وقد شرط الخصاف (^٩) ﵀ شرطًا آخر وهو العدالة (^١٠) وهو قول
_________________
(١) آية رقم ٢٣ من سورة الإسراء.
(٢) وفي س "ثبت ذلك بالنص والمعقول، أما النص فما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه لما بعث معاذًا".
(٣) رواه الشيخان.
(٤) آية رقم ٣٦ من سورة ص.
(٥) آية رقم ٤٩ من سورة المائدة.
(٦) وفي س "فلا يجد القاضي".
(٧) وفي س "يفصل به الخصومة".
(٨) وفي س "وإنما يمكنه ذلك إذا كان عالمًا بالاجتهاد، ثم الاجتهاد إنما يكون حجة إذا لم يكن مخالفًا للكتاب والسنة، وإنما يمكنه أن يعرف أنه لم يخالف الكتاب والسنة إذا كان عالمًا بالكتاب والسنة، فصار العلم بهذه الجملة شرطًا".
(٩) وكان في ص - م "الجصاص" اشتبه على الكاتب.
(١٠) وفي س "وذكر الخصاف شرطًا آخر وهو أن يكون عدلًا".
[ ٤ ]
الشافعي ﵀، لكنه من الشافعي شرط لازم كاشتراطه العدالة في الشاهد حتى قال: لا يجوز تقليد غير العدل ولو قلّد لا يصير قاضيًا ولو قضى لا ينفذ قضاؤه؛ وهو من الخصاف محمول على الأولى، كما في الشهادة الأولى أن يكون عدلًا على أصول أصحابنا، فإن قضى القاضي بشهادة الفاسق نفذ القضاء وكذا القاضي نفسه (^١).
وأما بيان من يجوز تقلّد القضاء منه فلا بأس بذلك من جهة الإِمام عادلًا كان أو جائرًا، أما العادل فلأن رسول الله - ﷺ - بعث معاذًا - ﵁ - إلى اليمن قاضيًا، وولى عتاب بن أسيد - ﵁ - على مكة أميرًا وأما الجائر فلأن كبار الصحابة تقلدوا الأعمال من معاوية - ﵁ - بعد إظهاره الخلاف على علي - ﵁ - وكان الحق مع علي - ﵁ - في نوبته. لكن إنما يجوز ذلك إذا كان يمكنه من القضاء بحق، أما إذا كان لا يمكنه فلا، لما روي عن الحكم بن عمرو الغفاري - ﵁ - أنه تقلّد القضاء من معاوية - ﵁ - فأتاه كتاب معاوية وكان فيه "إن أمير المؤمنين يأمرك أن تصطفي له الصفراء والبيضاء" فقال الحكم سبق كتابُ الله كتابَ معاوية، وتلا قوله -﷿- ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ثم صعد المنبر وقال: أيها الناس أتاني كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء وأن كتاب الله -﷿- سبق كتاب معاوية ألا وإني قاسم ما أفاء الله عليكم بينكم فليقم كل واحد منكم فليأخذ حقه؛ ثم قال: اللهم. اقبضني إليك! فما عاش إلا قليلًا.
أما الكلام في صفة الدخول في القضاء قال بعضهم: لا بأس به عن اختيار لأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم والخلفاء الراشدين ﵃ فعلوا ذلك ولأنّه نيابة عن الأئمة الراشدين في إيفاء الحق وإقامة الحدود وكف الظالم، فجاز الدخول فيه مطلقًا. وقال بعضهم: لا يجوز الدخول فيه إلَّا عن كره، ولهذا دعي أبو حنيفة - ﵁ - إلى القضاء فلم يجب حتى ضُرب ثلاث مرات في كل مرة (^٢) ثلاثين سوطًا فقال في الثالثة:
_________________
(١) والعبارة في س من قوله "وهو قول الشافعي" إلى هنا هكذا: "وهو مذهب الشافعي إلَّا أن الشافعي شرط العدالة أن تكون شرطًا لازمًا حتى لو تقلّد القضاء وهو غير عدل لا يصير قاضيًا ولو قضى لا ينفذ قضاؤه، وجعل الخصاف العدالة شرط الأولوية، فإن الأولى أن يكون القاضي عدلًا كما أن الأولى أن القاضي لا يقضي بشهادة الفاسق ومع هذا إذا قضى بشهادة الفاسق ينفذ قضاؤه وكذلك هاهنا الأولى أن لا يتقلد الفاسق القضاء ومع هذا إذا تقلّد يصير قاضيًا، ولو قضى ينفذ قضاؤه".
(٢) وفي س العبارة من قوله: أما الكلام في صفة الدخول .. إلخ، هكذا: "وأما جواز الدخول في القضاء اختلفوا فيه، منهم من قال: يجوز الدخول فيه مختارًا، لأن الأنبياء والرسل والخلفاء الراشدين اشتغلوا به، ولأن هذا نيابة عن الخلفاء الراشدين وإقامة حدود الله تعالى، فيجوز الدخول فيه مختارًا، ومنهم من قال: لا يجوز =
[ ٥ ]
حتى أستشير أصحابي (^١)! فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلّدت لنفعت الناس! فنظر إليه شبه المغضب (^٢) وقال: أرأيت لو أُمرت أن أعبر البحرَ سباحةً أكنت أقدر عليه! وكأني بك قاضيًا. وكذا محمَّد ﵀ عرض عليه القضاء (^٣) فأبى حتى حبس وقيد فاضطر فتقلد حينئذٍ.
قال ﵀: والحاصل (^٤) أن الدخول في القضاء عن اختيار رخصة، والامتناعَ عزيمة، أما الدخول رخصة لما تقدم (^٥) والامتناع عزيمة لوجهين: أحدهما أنه مأمور بالقضاء بالحق وقد يظن أنه يقضي بحق ولا يتهيأ له ذلك (^٦) والثاني أنه لا يقدر على القضاء إلَّا بمن يعينه وقد يجد من يعينه وقد لا يجد فكان الامتناع هو العزيمة والدخول رخصة هو المختار في هذا الباب والله أعلم بالصواب (^٧).