ذكر (عن قتادة وأبي هاشم (^١) في رجل ادعى قبل رجل مالًا فقال اعطني كفيلًا حتى أجيء (^٢) ببيّنتي قالا ليس له ذلك) وذكر (عن عامر الشعبي مثل ذلك) وذكر (^٣) (عن إبراهيم النخعي أنّه كان يرى أخذ الكفيل في مثل ذلك وبه يأخذ أصحابنا) ثم اختلف (^٤) المتأخرون من أصحابنا قال بعضهم ما قالوه قياس وما قاله إبراهيم استحسان وحققوا الاختلاف بينهم وجه القياس (^٥) أن الموجود ليس إلّا مجرد الدعوى ومجرد الدعوى لا يصلح لإلزام شيء وجه الاستحسان أنّ في التكفيل (^٦) نظرًا للمدعي (^٧) وليس فيه كثير (^٨) ضرر على المدعى عليه
_________________
(١) وكان في الأصلين وأبي هشام وهو تصحيف والصواب أبو هشام كما في س وهو لعله أبو هاشم الرماني الواسطي اسمه يحيى بن دينار وقيل ابن أبي الأسود وقبل ابن نافع رأى أنس - ﵁ - روى عن أبي وائل وأبي مجلز وأبي العالية وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وأبي قلابة وعبد الله بن بريدة وحبيب ابن أبي ثابت وزاذان بن أبي عمر الكندي وحماد بن أبي سليمان وغيرهم وعنه منصور من أقرانه والثوري وشعبة والحمادان وهشيم وأمثالهم روى له الستة ذكره ابن سعد في تسمية من كان بواسط من الفقهاء والمحدثين قال وكان صدوقًا وذكره ابن حبان في الثقات مات سنة ثنتين وعشرين ومائة وقيل سنة خمس وأربعين ومائة ومن أقرانه أبو هاشم عمار بن عمارة الزعفراني البصري روى عن الحسن والربيع بن منصور بن عبد الله وأبي اليمان كثير بن اليمان ومحمد بن سيرين وغيرهم وعنه روح بن عبادة وسهيل بن تمام وقرة بن حبيب وعبد الصمد بن عبد الوارث وأبو الوليد الطيالسي وآخرون روى له أبو داود وذكره ابن حبان في الثقات ووثقه ابن معين اهـ ملخصًا من تهذيب التهذيب.
(٢) وفي س حتى آتي.
(٣) وفي س وروي عن إبراهيم النخعي أنه جوز أخذ الكفيل.
(٤) وفي ص اختلف المتأخرون فيه منهم من قال ما روي عن قتادة وأبي هاشم وعامر قياس وما روي عن إبراهيم استحسان وبه أخذ علماؤنا ﵏ وحقق الاختلاف بينهم.
(٥) وفي س القياس أن مجرد والدعوى ليس بسبب الاستحقاق لكونه معارض بالإنكار فلا يجب على المدعى عليه إعطاء الكفيل.
(٦) وفي س الكفيل.
(٧) زاد في س بعد قوله للمدعي فإنه متى أحضر بينة ربما يخفى المدعى عليه نفسه فلا يقدر هو على إثبات حقه بالبينة.
(٨) وفي س كبير ضرر بالمدعى عليه فيصار إلى الكفيل اهـ.
[ ١٧٩ ]
والقاضي ناظر للمسلمين فيفعل ما يكون فيه النظر وقال بعضهم (^١) لا خلاف بين السلف في التكفيل وأن للقاضي أن يجبره على إعطاء الكفيل وما نقل من الآثار عنهم متأولة على ما سنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى وذكر (عن شريح أنّه قال لا كفالة في حد) وقد روي هذا الحديث مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - والمعنى فيه من وجهين أحدهما أنّ الكفالة لا تليق بالحدود لأنّها شرعت للتوثق (^١) والحدود مبناها على الدرء والإسقاط فلا يليق بها التوثق (^٢) والثاني لأنّه (^٣) لا حاجة إلى (^٤) التكفيل في الحدود على ما سنذكره (قال (^٥) أحمد بن عمرو وقال أصحابنا وقولهم لا كفالة في حد يدل على أنّهم يأخذون الكفيل في غير الحد) إلّا (^٦) أنّ هذا مفهوم القول والمفهوم عندنا ليس بحجة وكان صاحب الكتاب يرى المفهوم حجة ثم المذهب (^٧) عندنا أنّه لا كفالة في الحدود وأما الأموال وما أشبهها فإنّ القاضي يأخذ منه كفيلًا في ذلك أما الحدود فلأنه لا يمكن التكفيل (^٨) فيها ولا حاجة إليه أما لا يمكن لما ذكرنا أنّ الكفالة شرعت للتوثق وهو لا يليق بالحدود وأما لا حاجة فلأنه بمجرد التهمة يحبس والحبس هناك يصلح جزاء للتهمة لأنّ جزاء الحقيقة عقوبة هي فوق الحبس ومتى حبس فلا حاجة إلى الكفيل وليس كذلك في الأموال فإنه لا يحبس بمجرد التهمة لأن ذلك جزاء الحقيقة أعني حقيقة الثبوت فلا يمكن أن يقام جزاء على التهمة فمست الحاجة إلى التكفيل (إذا ثبت ما ذكرنا من أن القاضي ينبغي له أن يأخذ منه كفيلًا وهو قول أصحابنا فتأويل ما ذكرنا من الآثار عن السلف) من أربعة أوجه ثلاثة منها ذكرها صاحب الكتاب ورابع
_________________
(١) وفي س ومنهم من قال لا اختلاف بينهم لكن ما روي عن قتادة وأبي هاشم وعامر مؤول إليه قال صاحب الكتاب وتأويله ما نبين اهـ.
(٢) وفي س هذا مختصرًا أن الكفالة مشروعة للتوثق.
(٣) وفي س بعد قوله على الدرء فلا يكون التكفيل لائقًا بالحدود.
(٤) وفي ص - س أنه مكان لأنه.
(٥) وفي س إليه فلا يجوز التكفيل بنفس من عليه الحد اهـ.
(٦) وفي س ثم قال في الكتاب وقول أصحابنا لا كفالة إلخ قلت فإذًا الصواب ما في س وما في الأصل وقولهم لا حاجة إليه.
(٧) عبارة هذا الشرح في س وهذا احتجاج بالمفهوم وصاحب الكتاب كان يرى الاحتجاج بالمفهوم صحيحًا وظاهر المذهب أن المفهوم ليس بحجة.
(٨) وفي س وهذا لأنه لا يمكن شرع التكفيل في باب الحد وأمكن في باب المال بما قلنا ولا حاجة إلى شرع التكفيل في باب الحد لأنه يمكن حبسه وفي باب المال بنا حاجة لأنه لا يمكن حبسه لأن الحبس في باب الدعاوى أقصى العقوبات ألا ترى أنه بعد ما ثبت الحق لا يعاقب بعقوبة أخرى سوى الحبس فقبل ثبوت الحق لا يجوز إيجاب أقصى العقوبات فإذا تعذر الحبس مست الحاجة إلى التكفيل ولا كذلك الحدود اهـ
[ ١٨٠ ]
لم يذكره (^١) أما الثلاثة فأحدها (^٢) (أن يقول المدعي لا بينة لي فإنّه لا يؤخذ من المدعى عليه كفيل) لأن حق المدعي تعين في اليمين فيحلف للحال (والثاني (^٣) أن يقول لي بينة غائبة فلا يؤخذ منه كفيل أيضًا) لأنّ حقه تعين في اليمين هاهنا أيضًا (والثالث (^٤) أن يكون المدعى عليه مسافرًا فلا يؤخذ منه كفيل) على ما نبيّن وأما الرابع (^٥) فإذا طلب المدعي كفيلًا مطلقًا إلى وقت معلوم فإنّ القاضي لا يأخذ المدعى عليه بذلك فهذا تأويل ما ذكره صاحب الكتاب من الآثار عن قتادة وأبي هاشم والشعبي (قال أحمد بن عمر وقال أبو حنيفة وأصحابنا جميعًا إذا تقدم الرجل (^٦) إلى القاضي ومعه رجل يدعي عليه حقًا قال لي بينة حاضرة (^٧) وسأله أن يأخذ له منه كفيلًا فإن القاضي يأخذ له منه كفيلًا ثلاثة أيام ولم يفرق (^٨) في ظاهر الرواية بين مدعى عليه ومدعى عليه ولا بين مدّعي ومدّعي وروي عن محمد أنّه قال إذا كان المدعى عليه رجلًا مشهورًا لا يتهم بإخفائه نفسه وتغيبه شخصه فإن القاضي لا يأخذ منه كفيلًا) لأنّه لا حاجة إليه وكذلك قال إن كان المدعي شيئًا حقيرًا فلا يأخذ فيه كفيلًا لأنه لا حاجة أيضًا فإن الظاهر أنّ المرء لا يغيب نفسه لأجل ذلك لكن في ظاهر الرواية لا فرق بين شخص وشخص ولا بين شيء وشيء (ثم اختلفوا (^٩) في المدة التي يجب التكفيل إليها وأصح ما قيل
_________________
(١) وفي س إذا ثبت جواز التكفيل فتأويل ما ذكر في الكتاب من الآثار أن السلف لم يجوزوا ذلك من وجوه أربعة ذكر صاحب الكتاب ثلاثة ولم يذكر الرابع.
(٢) وفي س أحدها أن هذه الأثار تحمل على أن المدعي قال لا بينة لي ومتى قال ذلك لا يكفل لأنه لا فائدة في التكفيل فإن حقه تعين في اليمين ويمكنه أن يحلفه من ساعته.
(٣) وفي س والثاني يحمل على أن المدعي قال شهودي غيب ومتى قال ذلك لا يكفل لأنه ليس كل غائب يؤب فتعين حقه في اليمين.
(٤) وفي س والثالث أنه يحمل على أن المدعى عليه كان غريبًا ومتى كان كذلك لا يجر على إعطاء الكفيل مما تبين.
(٥) وفي س والرابع يحمل على أنه لا يطالب المدعى عليه بإعطاء الكفيل مؤبدًا وإنما يطالب إلى ثلاثة أيام أو إلى المجلس الثاني ونحو ذلك اهـ. قلت وليس فيها قوله فهذا تأويل ما ذكره إلخ.
(٦) وفي س رجل.
(٧) زاد في س في المصر والجملة هذه متأخرة فيها عما بعدها.
(٨) وفي س ولا يقع الفرق في ظاهر الرواية بينما إذا كان المدعى عليه معروفًا أو لم يكن والمدعى به خطيرًا أو حقيرًا وروي عن محمد أنه قال إن كان المدعى عليه معروفًا فالظاهر من حاله أنه لا يخفي نفسه وبذلك القدر لا يجبر على إعطاء الكفيل لكن إن أعطى مختارًا يؤخذ منه اهـ قلت وليس فيها هنا ذكر ثلاثة أيام وهو كذلك في الأصلين ولعله إلى ثلاثة أيام والله أعلم.
(٩) وفي س ثم في ظاهر الرواية إذا أخذ منه كفيلًا إلى أي وقت يأخذ اختلف الأقوال فيه والصحيح أنه يأخذ إلى ثلاثة أيام وهكذا ذكر صاحب الكتاب في الباب في مواضع وروي عن أبي يوسف أنه يأخذ إلى =
[ ١٨١ ]
فيه ثلاثة أيام وروي عن أبي يوسف أنّه قال يكفله إلى الوقت الثاني من جلوس القاضي فإن كان القاضي يجلس في كل خسمة عشر يومًا (^١) مرة واحدة أخذ منه كفيلًا خمسة عشر يومًا (^٢) وهذا القول أيضًا حسن فإنه (^٣) أرفق بالناس لكن في ذلك الزمان لأن القاضي إذ ذاك كان لا يجلس كل يوم وربما مضت ثلاثة أيام ولا يجلس فيها القاضي فلو أخذ الكفيل إلى ثلاثة أيام فإذا مضت ثلاثة أيام ضاع الحق فكان النظر في أخذ الكفيل إلى وقت جلوس القاضي وفي زماننا القاضي يجلس في كل يوم فالأنظر أن يأخذ الكفيلِ إلى ثلاثة أيام على ما تقدم (وكذلك إذا ادعت المرأة طلاقًا والأمة عتاقًا وأقامت شاهدًا واحدًا حتى وجبت الحيلولة (^٤) فإذا طلبت الكفيل أخذ منه كفيلًا) بها لما ذكرنا (وهذا (^٥) إذا كان المدعى عليه من أهل المصر فإن كان مسافرًا فلا يأخذ منه كفيلًا) لأن الكفيل يمنعه من السفر والذهاب إلى منزله (^٦) فيتضرر (لكن يؤجله القاضي إلى آخر المجلس فإن جاء خصمه ببينة وإلّا خلى سبيله (^٧) فإن لم يعلم (^٨) أنّه مسافر وهو يدعي ذلك فإن القاضي يسأل المدعي فإن قال هو
_________________
(١) = جلوس القاضي مجلسًا آخر حتى إذا كان يجلس في كل سبعة أيام مرة يأخذ الكفيل إلى سبعة أيام وإذا كان يجلس في كل خمسة عشر يومًا مرة أخذ منه الكفيل إلى خمسة عشر يومًا.
(٢) وكان في الأصل خمسة أيام وليس بصواب والصحيح ما في م كما مر فوق فوضعناه في الأصل.
(٣) زاد في س فإن احضر ببينة وإلا رفع الكفيل إلى القاضي حتى يبرئه.
(٤) وهذا القول مختصر في س جدًا ولفظه وهو أرفق بالناس في الزمن الأول وما قلناه أرفق في زماننا حيث يجلس القاضي في كل يوم.
(٥) زاد في س فإذا حال بينهما.
(٦) وفي س قال فإن كان المطلوب مسافرًا لا يجبر على إعطاء الكفيل.
(٧) بين المربعين زيادة من س.
(٨) وفي س ولا يجبره القاضي على إعطاء الكفيل لكن يؤجله إلى وقت قيامه من مجلس الحكم فإن أتى المدعي ببينة وإلا خلي سبيله لأن من حجة الطالب أن يقول للقاضي ظننت أن يقر المطلوب بحقي ولو كنت أعلم أنه ينكر لكنت آتي بالبينة فلا يجد بدًا من أن يخرج من عند القاضي فيطلب شهوده في المصر فيجيء بهم فيقدر ذلك إلى آخر المجلس وليس في هذا القدر كبير ضرر على المطلوب بأنه لا ينقطع عن الرفق.
(٩) وفي س هذا إذا علم القاضي أن المطلوب مسافر فإن أشكل الأمر على القاضي أنه مسافر أو مقيم وقال المطلوب أنا مسافر سأل القاضي أولًا عن المدعي (كذا) أهو مسافر فإن قال بلى هو مسافر فقد ثبت كونه مسافرًا بإقراره فيكون الجواب كما ذكر أنه يؤجله إلى آخر المجلس فإن أنكر الطالب أن يكون هذا المطلوب مسافرًا تكلموا فيه بأقوال قال بعضهم القول قول المدعي لأنه يتمسك بالأصل وهو الإقامة في موضع الإقامة وهو المصر وقال بعضهم ينظر إلى زيه وثيابه فإن كان به ثياب السفر يجعله مسافرًا فإن عرف بنفسه وإلا بعث إلى رفقته لما نبين وقال بعضهم ماله مع من يريد السفر فإن أخبره مع فلان ابن =
[ ١٨٢ ]