(عن ابن بريدة (^٣) عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم فقضى بما علم فهو في الجنة) وهذا صحيح لأنَّه أظهر الحق بعلمه وأنصف المظلوم من خصمه فاستحق الجنة (^٤)، ثم تكلموا في أن مثل هذا القاضي هل يطلق عليه اسم خليفة الله -﷿-، والأكثرون على أنه يسمى خليفة رسول الله - ﷺ - ووارثة، ولا يسمى خليفة الله لأن هذا الاسم اختص به الأنبياء صلوات الله عليهم (ورجل جهل وقضى بالجهل (^٥) فهو في النار) وهذا لأنه جازف وتخبط فيما يصنع (^١) والجازف مذموم أخطأ أو أصاب (رجل علم فقضي بغير ما علم فهو في النار) لأنه كابد
_________________
(١) بين المربعين زيادة من س.
(٢) وفي س "لأنه يؤدّي إلى تضييع أحكام الله تعالى فلا يحل لهم السكوت".
(٣) وكان من مهام "عن أبي زيدة" وفي س "أبي بريدة" والصواب "ابن بريدة" وهو إما عبد الله أو سليمان، وعلى الأول صرح بعض شراح سنن أبي داود.
(٤) وفي س "فهو في الجنة".
(٥) وفي س "بجهله".
[ ١٣ ]
الحق وأقدم على الظلم عن بصيرة (^١) فكان في النار (^٢).
وذكر (عن ابن بريدة (^٣) أيضًا عن أبيه عن رسول الله - ﷺ -: "القضاة ثلاثة) وذكر الحديث وزاد فيه (وقاضٍ قضى بغير علم واستحيا (^٤) أن يسأل فهو في النار") وهذا لأن القاضي متى جهل الحكم وجب عليه أن يسأل الناس ولا يستحي، ويقول فيما لا يدري لا أدري"، كما روي عن عبد الله بن عمر -﵄- أنه سئل عن مسألة فقال: لا أدري! ثم قال في نفسه بخ بخ لابن عمر سئل فلم يدر فقال "لا أدري". وإذا كان السؤال واجبًا عليه فإذا لم يسأل فقد ترك الواجب فكان في النار.
وذكر (عن علي - ﵁ - أنه قال: "الحكام ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل اجتهد (^٥) فأخطأ فهو في النار ورجل ترك الحق عيانًا وهو يراه فهو في النار) ورجل حكم فاجتهد فأصاب فهو في الجنة (^٦). أفاد هذا الحديث ما أفادنا الحديث الأول، لكن فيه إشكال فإنّه قال "رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار" وقد صحّ مرفوعًا عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" فلابد من التوفيق بين الحديثين، ووجهه من وجهين، أحدهما أن المراد في الحديث المرفوع إذا كان من أهل الاجتهاد، والمراد في حديث علي - ﵁ - إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، وقد روي عن علي - ﵁ - أنه قال في تفسيره: هو الحروري اجتهد فأخطأ فهو في النار والحرورية قوم لا يستنون بسنّة رسول الله - ﷺ -، ولا يجاوز عملهم ما في كتاب الله -﷿- حتى لم يقولوا برجم الزاني المحصن (^٧) ولا بتقدير نصاب السرقة ونحو ذلك مما لم ينطق به الكتاب العزيز والوجه الثاني للتوفيق أن يكون المراد في الحديث المرفوع الاجتهاد في محل الاجتهاد، وفي حديث علي - ﵁ - الاجتهاد لا في محل الاجتهاد، وذلك بأن كان محل نص فإن الاجتهاد فيه غير مصوغ، والدليل عليه ما روي عن الحسن البصري - ﵁ - أنه دخل على إياس بن معاوية بعد ما قلّد القضاء فوجده باكيًا حزينًا فقال له الحسن: ما أصابك؟ قال: أتفكر في قول علي - ﵁ - حيث قال "إن اجتهد فأخطأ فهو في النار"!
_________________
(١) وفي س "وأقدم على النار عن بصيرة".
(٢) و(^٣) ليس في س.
(٣) وفي س "فاستحيا".
(٤) وفي س "رجل حكم فاجتهد".
(٥) بين المربعين زيادة من س، وسقط من ص، م.
(٦) وفي س "والحروريون قوم من الخوارج لا يأخذون بسنة رسول الله - ﷺ - ويقولون ما وجدنا في كتاب الله تعالى نعمل به، وما لم نجد في كتاب الله لا نعمل به، ولهذا لا يرون الرجم ونصاب السرقة".
[ ١٤ ]
فتلا عليه الحسن قول الله -﷿- ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (^١) بين الحسن أنهما اجتهدا وأصاب سليمان ثم مدحهما الله -﷿- فكان المراد من قول علي - ﵁ - من لم يكن من أهل الاجتهاد وفي محل ليس هو محل للاجتهاد والله أعلم.
ثم ذكر (عن قتادة (^٢) عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: لا ينبغي للقاضي أن يقضي حتى يتبين له الحق كما يتبيّن الليل من النهار؛ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال: صدق أبو موسى) وإنما قال ذلك لأن رسول الله - ﷺ - أخذ على الشاهد ذلك فإنّه قال "إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع (^٣) ومتى كان هذا مأخوذًا على الشاهد فعلى القاضي أولى، لأن القضاء في كونه حجة فوق الشهادة فإن الشهادة لا تكون حجة بنفسها بل بانضمام القضاء إليها، ولا كذلك القضاء فإنه حجة بنفسه، فاشتراط ما ذكرنا على الشاهد تنبيه على اشتراطه على القاضي بطريق الأولى (^٤). ولكن هذا في محل النص لأنّ النص دليل مقطوع به فيظهر به الحق كظهور الليل من النهار، فأما في محل الاجتهاد فلا يكون كذلك لأن الاجتهاد لا يوصل إلى الحق لا محالة، فإن المجتهد يخطئ ويصيب.
ثم ذكر (عن الشعبي قال له رجل: اقض بيننا بما آراك الله! فقال الشعبي: لست تراني قاضيًا) قوله "بما آراك الله (^٥)، بما علّمك الله وهداك، وأمرك الله تعالى أمره بالقضاء بالحق (^٦). وقول الشعبي "لست تراني قاضيًا فتكلّموا فيه من ثلاثة أوجه (^٧)، قال بعضهم: إنك تراني من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم لا مُحالة وهم الأنبياء، ولست كذلك فإنّي قاضٍ أُخطئ وأصيب، فأنت بهذا القول لا تراني قاضيًا بل نبيًا. وقال بعضهم معناه: لست تراني قاضيًا لك لأنك تطلب مني ما لا طريق لي إليه (^٨) وهو إصابة الحق لا محالة بالاجتهاد. وقيل معناه لست تراني قاضيًا بعد هذا فإني لا أجلس مجلس القضاء بعد
_________________
(١) آية رقم ٧٨ - ٧٩ من سورة الأنبياء.
(٢) وكان في الأصلين إلى قتادة والصواب قتادة على ما في السعيدية.
(٣) وفي س وداود ﵇ كان مجتهدًا وسليمان ﵇ اجتهد فأصاب وقد مدحهما الله تعالى بقوله ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فبين له الحسن بهذا إنما قال علي - ﵁ - فيمن لم يكن من أهل الاجتهاد أو اجتهد في غير محل الاجتهاد هذا هو التوفيق بين الحديثين.
(٤) و(^٥) بين الرقمين وفي س "وولاية القضاء فوق ولاية الشهادة، لأن القضاء ملزم بنفسه والشهادة غير ملزمة بنفسها حتى ينضم إليه القضاء، فإذا أخذ هذا على الشاهد كان على القاضي بطريق الأولى".
(٥) ما بين المربعين زيادة من س.
(٦) وفي س "تكلموا فيه على ثلاثة أوجه".
(٧) وفي س "إلى التوصل إليه".
[ ١٥ ]
هذا، لأني ما علمت أن الخصوم يطلبون مني ما ليس في وسعي وذلك إصابة الحق بالاجتهاد لا محالة (^١).
ثم ذكر (عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد (^٢) فأخطأ فله أجر واحد) وهذا دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب فإن أصاب فله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر إظهار الحق، وإن أخطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، لكن هذا إذا اجتهد في محل الاجتهاد بأن لم يكن هناك نص، فأما إذا كان المحل ليس بمحل الاجتهاد بأن كان هناك نص فأنه لا يثاب، وهو كالاجتهاد في القِبلة إن كان في محل الاجتهاد بأن لم يكن هناك علامات من محاريب وغير ذلك يجوز ويثاب أخطأ أو أصاب، فإن لم يكن محل الاجتهاد بأن كان هناك علامات من المحاريب وغير ذلك لا يثاب على الخطأ. وذكر بعد هذا حديث أبي هريرة وأنه يفيد مثل ما أفاد حديث عبد الله بن عمر.
ثم ذكر عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قضى بقضاء فقال له رجل: هذا والله الحق! فسكت عمر وعاد إلى القضاء فعاد الرجل إلى ذلك القول، فسكت عمر، وعاد إلى القضاء فعاد الرجل إلى ذلك القول، فقال عمر: ما يدريك؟ والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأ، ولكنه لا يأْلَ في هذا دليل أن المجتهد يخطئ ويصيب، وأفاد أيضًا أن من سمع كلامًا في غير محله لا ينبغي أن يرده في المرة الأولى، لأن المرة الواحدة قد تجري سهوًا أو غفلة، فإذا تكرر علم أنه عن قصد فيرد عليه وقول عمر - ﵁ - لا يَأْل يعني لا يقصر (^٣).
ثم ذكر (عن شريح أنه قضى بقضية فقال له رجل: والله! لقد قضيت عليّ بغير الحق، فقال له (^٤) شريح: والله ما أنا بالشاق الشعرة شعرتين) يعني لست من المجتهدين الذين، يصيبون الحق بالاجتهاد (^٥) لا محالة فإني لا أقدر عليه كما لا أقدر على شق الشعرة شعرتين، لكني اعتمد على قول الشهود وأعمل بالظاهر (^٦) فبعد ذلك لا يضرني قولك "قضيت عليّ بغير
_________________
(١) زادت س "وفائدة الحديث أن المجتهد يخطئ ويصيب".
(٢) وفي س "واجتهد".
(٣) من م فقط.
(٤) لفظ له ساقط من الأصفية والسعيدية.
(٥) وفي ص "باجتهاد" وفي س "باجتهادهم".
(٦) وفي س "ولكنى إنما علي أن أعتمد البيّنة وأقضي بها وأتيت بما أمرت به".
[ ١٦ ]
الحق "فيه دليل أن القاضي ينبغي أن يحلم عن الخصوم ويتحمل منهم مثل هذه الكلمات (^١) كما فعله شريح ولم يضجر ولم يغضب، وهكذا ينبغي للمفتي مع المستفتي (^٢).
ثم ذكر (عن ابن سيرين قال قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: إني قضيت في الحد (^٣) بقضايا مختلفة كل ذلك لا آلُ فيه عن الخير) أنّ المجتهد يخطئ ويصيب، وفيه دليل أيضًا فيه دليل على أن ما ثبت بالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد فإنّ عمر - ﵁ - لم ينقض شيئًا من قضاياه في الحد حين تغير اجتهاده والله أعلم.
قال (أبو بكر أحمد بن عمرو الخصاف) صاحب الكتاب ﵀ (ينبغي للقاضي أن يقضي بما في كتاب الله -﷿- من الأحكام التي لم تنسخ) لأنّ الكتاب إمام المتقين وإمام كل دليل (فإن لم يجده في الكتاب قضى بما جاء عن رسول الله - ﷺ -) فإنا أمرنا باتّباعه بقول الله -﷿- ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (فإن لم يجد نص جاء عن رسول الله - ﷺ - قضى فيه بما اجتمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين) لأنّ ذلك سبيل المؤمنين وواجب سلوكه، قال رسول الله - ﷺ -: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (^٤) بعدي عضّوا عليها بالنواجذ (فإن لم يجتمعوا على شيء لكنهم اختلفوا فيه والقاضي من أهل الاجتهاد رجح قول البعض على البعض فأخذ بما هو الأقرب إلى الصواب عنده) قال رسول الله - ﷺ - (^٥) أصحابي كالنجوم بأيهم (^٦) اقتديتم اهتديتم (فإن لم يجد عن الصحابة شيئًا أخذ بما اجتمع عليه التابعون ﵏) لأن إجماع أهل كل عصر حجة لأنّه سبيل المؤمنين (فإن اختلفوا والقاضي من أهل الاجتهاد رجح قول البعض وأخذ بالأليق بالصواب والأقرب إلى الحق، فإن لم يجد عن التابعين شيئًا وهو من أهل الاجتهاد قاس الحادثة على نظيرها وردها إلى ما يشابهها، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد في جميع ذلك استفتى وسأل وأخذ بما يفتى به، ولا يقضي بغير علم (^٧) ولا يستحي عن السؤال) فيدخل في موجب
_________________
(١) وفي س "وفيه دليل على أنه ينبغي للقاضي أن يحلم عن الخصوم ولا يضجر أن يسمع مثل هذا الكلام".
(٢) وفي س "وهكذا ينبغي للمفتي أن يحلم مع المستفتي في مثل هذا الخطاب ولا يضجر إذا سمع مثل هذا الكلام".
(٣) وفي س "في الحد" بالجيم وفي النسختين بالحاء، ولكل وجه والأظهر "الجد".
(٤) من س [إن المجتهد يخطئ ويصيب وفيه دليل أيضًا] أ. هـ.
(٥) وفي س "هذا إذا كان بينهم إجماعٌ فإن كان بينهم اختلاف فإن كان القاضي من أهل التمييز والنظر ميّز بين أقاويلهم ورجح قول البعض على البعض ونظر إلى أشبهها بالحق وأقربها إلى الصواب وأحسنها عنده وقضى به كما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال .. إلخ".
(٦) وفي س "فبأيهم".
(٧) زيادة من س.
[ ١٧ ]