افتتح صاحب الكتاب بحديث عائشة ﵂ عن رسول الله - ﷺ - (^٩) "يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يودّ أنه لم يكن قضى بين اثنين" ورد الحديث (^١٠) للتحذير عن طلب القضاء والدخول فيه، فإنّ الحديث ورد في حق العدل، فما ظنك بغير العدل (^١١)! وشدة الحساب تشمل كل القضاة إلَّا أن الله -﷿- ينجي العادل بعدله ويبقى الجائر في وبال ما صنع (^١٢).
_________________
(١) = الدخول فيه إلَّا مكرهًا، ألا ترى أن أبا حنيفة - ﵁ - دُعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى حتى ضرب في كل مرة .. إلخ".
(٢) وفي س "فلما كان في المرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي".
(٣) وفي س "نظر المغضب".
(٤) وفي س "وكذا دعي محمَّد إلى القضاء".
(٥) وفي س "والصحيح".
(٦) وفي س "فلما قلنا".
(٧) وفي س "وعسى يظن في الابتداء أنه يقضي بحق ثم لا يقضي في الانتهاء".
(٨) وفي س "والثاني أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى يعينه غيره وعسى لا يعينه، وإذا عرفنا هذه المقدمات جئنا إلى ما افتتح صاحب الكتاب به الكتاب".
(٩) وفي س "باب ما جاء في الدخول".
(١٠) وفي س "أنها قالت يجاء - الحديث" وليس فيها الرفع.
(١١) وفي س "أورد هذا الحديث".
(١٢) وفي س "بالجائر".
(١٣) وفي س "فكان شدة الحساب والعقاب يعم جميع القضاة إلَّا أن العادل ينجيه الله تعالى بعدله والجائر يبقى في وبال ما فعل".
[ ٦ ]
ثم ذكر بعد هذا (عن صعصعة بن صوحان قال: خطبنا علي - ﵁ - بذي قارٍ على ظربٍ وعليه عمامة سوداء) وذي قار اسم موضع بقرب مكة، "وظِرب" مكسورة الراء تل، وكان من عادة العرب اختيار التلال والجبال للخطبة ليكون أبلغ (^١) في الإسماع ولذا تحدث في زماننا المنابر (^٢)، وتعمم بعمامة سوداء اقتداء برسول الله - ﷺ -، فإنه يوم فتح مكة تعمّم بعمامة سوداء (^٣) وعصب عليها عصابة حمراء عاد الحديث (فقال: سمعت (^٤) رسول الله - ﷺ - يقول "ليس من وال ولا قاض إلَّا يؤتى (^٥) به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله -﷿- على الصراط ثم تنشر الملائكة سيرته) [أي صحيفة عمله مع رعيته ومع من تحت يديه أعدل أم جائر] (^٦) (فتقرأها على رؤوس الخلائق) [يعني بين الأشهاد كما قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (^٧)] (^٦) (فإن كان عدلًا نجاه الله -﷿- بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضوين من أعضائه مسيرة مئة سنة، ثم ينخرق به الصراط) [أي ينشق، وفي رواية: ينحرف الصراط، أي يميل، والأول أصح] (^٦) (فما يتلقى قعر جهنم إلَّا بوجهه وحد جبينه) تكلموا في قوله "يصير بين كل عضوين من أعضائه" من وجهين: قال بعضهم: يعظم أعضاؤه ويغلظ أجزاؤه، فلذلك تبعد مسافة ما بين الأعضاء كما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال "غلظ جلد الكافر في النار أربعون ذراعًا" وقال ﵊ "عظم ضرس الكافر في النار مثل أحُد" والمقصود أن يذوق من العذاب بحسبه، وقال بعضهم بل تتفرق أعضاؤه ويتقطع أجزاؤه. وتكلموا في قوله إلَّا بوجهه قال بعضهم (^٨): أول ما يعذب منه الوجه لأنه اختار القضاء بالجور للوجاهة في الدنيا فكان المختار للبداية في العذاب الوجه، وقال بعضهم: بل يلقى منكوسًا في جهنم ليكون في الدرك الأسفل من النار منها محل المنافقين لأنّ صنيعه شابهَ صنيعهم فإنه كان مظهرًا أنه يقضي بالعدل وهو جائر في الباطن؛ ورد هذا الحديث أيضًا للتحذير (^٩) عن طلب القضاء.
ثم ذكر (عن سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد عن مسروق قال: "ما من حكم
_________________
(١) وفي س "أشهر وأبلغ".
(٢) كذا في الأصلين، وفي س "ولهذا جرت العادة باتخاذ المنابر".
(٣) وفي س "فإنّ النبي - ﷺ - كان على رأسه يوم فتح مكة عمامة سوداء".
(٤) وفي س "ثم قال أيها الناس إني سمعت".
(٥) وفي س "إنه ليس من وال ولا قاض إلَّا ويؤتى".
(٦) زيادة من س.
(٧) آية رقم ٥١ من سورة غافر.
(٨) وفي س "وتكلّموا في معناه على وجهين منهم من قال".
(٩) وفي س "وفائدة الحديث التحذير".
[ ٧ ]
يحكم بين اثنين) (^١) وفي رواية ما من حاكم (إلا جيء به يوم القيامة وملك آخذ بهذه منه) وأشار سفيان بيده إلى قفاه (ينظر إلى الله -﷿- فإن أمره أن يلقيه ألقاه في مهواة سبعين خريفًا") أفاد الحديث دخول الحكم في وعيد القضاة (^٢)، وتكلّموا في معنى قوله "ينظر إلى الله -﷿-" والنظر مضاف إلى الملك، قال: بعضهم: أي ينتظر أمر الله -﷿- أنه بماذا يأمره ليمتثل، وقال بعضهم: بل المراد النظر الذي هو رؤية العين (^٣)، وقد تكلّم الناس في الرؤية أنها تكون لبني آدم [دون الملائكة] (^٤) أم لهم وللملائكة، وترك الخوض فيه أحوط والإعراض عنه أسلم؛ وقوله "سبعين خريفًا" لم يرد به حقيقة السبعين بل هو عبارة عن طول المدة في الجملة، فإنّ عادة العرب أنهم إذا أرادوا المبالغة في التكثير والتطويل أتوا بلفظ السبعين والأربعين، ذلك معروف بينهم، فكان هو المراد فيما روينا - والله أعلم.
ثم ذكر بعد هذا (عن مسروق أنه قال: لأن أقضي يومًا واحدًا بحق وعدل أحب إليّ من سنة أغزوها في سبيل الله) وكان مسروق (^٥) ابتلي بالقضاء فذكر محاسنه، كما هو العادة المستمرة أن من ابتلي بشيء يذكر محاسنه، وإنما قال ذلك لأن الجهاد أمر بالمعروف، وفي القضاء ذلك وإيصال الحق (^٦) إلى مستحقه ونصرة المظلوم وغير ذلك فكان نفعه أعم (^٧) من نفع الجهاد، وبقدر النفع تثبت الأفضلية.
ثم ذكر حديث (أبي هريرة - ﵁ - (^٨) قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين [وفي رواية من قلّد القضاء فكأنما ذبح بغير سكين]) (^٩) ورد
_________________
(١) وفي س "بين الناس".
(٢) وفي س "فهذا الحديث كالمرفوع إلى رسول الله - ﷺ -، لأنّ الوعيد في الآخرة لا يعرف بالرأي، إنما يعرف بالسماع من رسول الله - ﷺ - فصار كالمرفوع إلى رسول الله - ﷺ -، ففي الحديث دليل على أن الوعيد المذكور للقضاة يتناول الحكم أيضًا، وفائدة الحديثِ التحذيرُ عن طلب القضاء، فإنّه أشد ما يكون من الاستخفاف أن يكون غيره آخذ القضاء.
(٣) وفي س "بعد قوله "إلى الله -﷿-: من وجهين، منهم من يقول: لم يرد به حقيقة النظر وإنما أراد به أن ينظر أمر الله تعالى ليمتثل أمره، ومنهم من يقول: أراد به حقيقة النظر وهي الرؤية".
(٤) زيادة من س.
(٥) وكان في الأصلين "كان مسروقًا"؛ وفي س "ذكر مسروق محاسن القضاء لأنه ابتلى به، ومن ابتلى بشيء يذكر محاسن ذلك الشيء، هذا هو العادة، وإنما .. إلخ".
(٦) وفي س "وإظهار الحق".
(٧) أيد في س "وما يكون أعم نفعًا كان أفضل - إلخ".
(٨) كان في الأصلين "ابن حمزة" والصواب ما في س "ذكر عن أبي هريرة".
(٩) زيادة من س.
[ ٨ ]
الحديث محذرًا عن الدخول في القضاء، لأن الذبح بغير السكين أشد، ولأنّ الذبح بغير السكين لا يؤثر في الظاهر ويؤثّر في الباطن نحو الخنق والقتل بالحزن والغم، وكذا القضاء لا يؤثر في الظاهر هلاكًا فإنّه جاه (^١) في الظاهر ويؤثر في الباطن لأنه هلاك في الباطن أعني به القضاء بغير حق.
ثم ذكر عن (الحارث النضري (^٢) قال: كانت بنو إسرائيل إذا استقضي الرجل منهم أويس (^٣) له من النبوة) ورد الحديث أيضًا للتحذير لأن وقوع اليأس عن النبوة التي عظمت درجتها وعلت رتبتها مسقطة، وهذا لأنّ الواحد من بني إسرائيل كان إذا فرغ نفسه للعبادة ستين سنة (^٤) نبّئ ويوحى إليه فعظم شأنه، فمتى اشتغل بالقضاء انقطع الطمع فيه (^٤).
ثم ذكر حديث (أبي قلابة أنه دُعي إلى القضاء فهرب حتى أتى الشام، فوافق ذلك عزل صاحبها، فهرب حتى أتى اليمامة وقال: ما وجدت مثل القاضي إلَّا كمثل سابح في بحرٍ فكم عسى أن يسبح حتى يغرق) [وهذ لأنّ الغالب من حال السابح في البحر الهلاك والنجاة نادر، فكذا الغالب من حال الداخل في القضاء الهلاك، والنجاة نادر] (^٥) وكان هذا بلغ أبا حنيفة - ﵁ - حين قال (^٦) لأبي يوسف: أرأيت لو أمرتُ أن أعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه [وفائدة الحديث ما قلنا] (^٥).
ثم ذكر (عن الحكم بن أيوب أنه كتب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد بن عمر (^٧): إن الحكم بن أيوب قد كتب يذكرني في هؤلاء وما أملك (^٨) من الدنيا إلَّا حماري هذا ولو أرسل إليّ لركبته وهربت في الأرض) وفائدته أنه لا ينبغي للمرء أن يدخل في القضاء مختارًا.
ثم ذكر (عن شريح أنه قال إنما القضاء جَمْر (^٩)، فادفع الجمر (^٩) عنك بعودين يعني بشاهدين) وإنما قال ذلك لأن الخصمين متى جثيا بين يدي القاضى توجه الاحتراق عليه لأنه
_________________
(١) وفي س "حياة".
(٢) كذا في الأصلين، وفي س "البصري" والله أعلم من هو.
(٣) كذا في الأصول وهو "أيس" بناء للمفعول من الناس، فالواو في الكتابة زائدة.
(٤) مكان ما بين الرقمين في س "يرجى له النبوّة فإذا اشتغل بالقضاء انقطع طمعه فيها".
(٥) بين المربعين زيادة من س.
(٦) وفي س "فكان حديث أبي قلابة بلغ إلى أبي حنيفة حتى قال - إلخ".
(٧) وفي س "عمرو".
(٨) وفي س "ولا أملك".
(٩) وفي س "جمرة" في الموضعين.
[ ٩ ]
لا يعرف حقيقة الحال، فإن قضى بشهادة شاهدين دفع الاحتراق عن نفسه وإن خالف احترق في نفسه.
ثم ذكر حديث (أبي هريرة - ﵁ - (^١) والله لَيَرْمين الله القضاة يوم القيامة بشررٍ أعظم من هضاب حِسْمَى) "والشرر" هي النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ والمراد به النار، و"حسمى" اسم موضع، "والهضاب" تلال، جمع هضبة وهو اسم جبال صغار في حسمى وقيل "حِسمى" على ميزان "كسرى" وهو اسم جبل عظيم وهذا وإن قيل في تأويله أن المراد منه الجائر، لكنه بظاهره يتناول الكل (^٢).
ثم ذكر عن (عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلَّا من أمَّ العدل وقضى بالحق ولم يقض لهوىً ولا لقرابة ولا لرهبة ولا لرغبة، وجعل [كتاب الله تعالى مرآة بين عينيه) والمراد من] (^٣) الديان الحاكم، ولهذا كان من صفات الله -﷿- (^٤) فكأنه يقول: ويل لحاكم أهل الأرض من الله -﷿- وهو القادر الديان على التمام. وقوله: "إلَّا من أمَّ العدل" أي قصده وقضى بالحق، قال (^٥) "وجعل كتاب الله -﷿- مرآة بين عينيه".
ثم ذكر (عن عمران بن حصين - ﵁ - أنه قضى على رجل بقضية، فقال: والله! لقد قضيت علي بجور وما آلوت فيه) يعني ما قصرت قال الله تعالى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني لا يقصرون في إفساد أموركم) فقال وكيف ذلك؟ قال: شهد علي بزور فقال عمران: ما قضيت عليك فهو من مالي، ووالله لا أجلس مجلسي هذا أبدًا) وإنما ضمن ذلك الملك على طريق التبرع لأنه لم يكن واجبًا عليه، وإنما قال "لا أجلس مجلسي هذا أبدًا" لأن القاضي إنما يعتمد على قول الشاهد ويبالغ في التأمل ليخلص عن ورطة الوبال ثم قد يقع مثل (^٦) هذا الحادثة فكان الأحوط الامتناع أصلًا (^٧) والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) وفي س "وذكر عن سيمان بن جنيد قال حدثني من سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: والله - إلخ".
(٢) وفي س "لكن بظاهره يتناول القضاة العادل والجائر جميعًا، وفائدة الحديث ما قلنا".
(٣) بين المربعين زيادة من س.
(٤) وفي س "والمراد من ديان أهل الأرض: الحاكم، ومن ديان أهل السماء: هو الله تعالى".
(٥) زيد في الأصلين "من الحديث" وليس الزيادة في س.
(٦) كذا في الأصول، "في مثل".
(٧) وفي س "فالصواب هو الامتناع".
[ ١٠ ]