ذكر صاحب الكتاب (عن الحسن كان يقال "لأجر حكم عدل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة أو قال: ستين سنة") وكان من عادة الحسن أنه إذا روى عن واحد يقول "حدثني" وإذا روى عن جماعة يقول "كان يقال" ويكون ذلك رواية عن جماعة، قيل إن الحسن ابتلي بالقضاء، ومن ابتلي بشيء يذكر محاسنه، وإنما قال ذلك لما ذكرنا أنه كان بنو إسرائيل متى فرغ الرجل منهم نفسه للعبادة ستين سنة يرجى له النبوة ويعظم شأنه، وفي زماننا وقع اليأس عن النبوة فجعل الرسول ﵊ فضيلة القضاء بحق وعدلٍ مواز بالعبادة ستين سنة، بل أفضل لما ذكرنا عن الحسن ولما ذكرنا أن القضاء بحق أفضل من الجهاد والجهاد أفضل من التخلي لنقل العبادة، فما كان مقدمًا على الجهاد يكون أفضل بطريق الأولى (^٦).
_________________
(١) وفي س "وكل إلى نفسه".
(٢) و(^٣) وفي س "لأن من سأل القضاء".
(٣) وفي س بعد قوله "بنفسه" إلى آخر الباب العبارة هكذا: "فلا يلهم الرشد ويحرم التوفيق، فمحال أن يشتغل المرء بالتماس ما لو ناله وكل إلى نفسه، وأما من أكره على القضاء فقد اعتصم بحبل الله تعالى وتوكل على الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فيلهم الرشد ويوفق للصواب، كما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: إن الملك لينطق على لسان عمر - يعني يوفقه للصواب".
(٤) آية رقم ٣ من سورة الطلاق.
(٥) كذا في ص ٢ م ٢. والصواب "بالطريق الأولى". وفي س "ولأن قد ذكرنا من قبل أن القضاء يحق أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى، والجهاد في سبيل الله أفضل من التخلّي لنفل العبادة، فلأن يكون القضاء يحق أفضل للتخلي لنفل العبادة أولى".
[ ١١ ]
ثم قال الحسن (نعم إنه يُدخل من عدله في ذلك اليوم على كل أهل بيت من المسلمين خيرًا) (^١) وهذا صحيح (^٢) لأن بالعدل يُمطَرون وبالجور يُقحَطونَ فتكون منفعة العدل عائدة على جميع المسلمين.
ثم ذكر (عن أبي عبيدة قال: إن الحكم العدل ليسكن (^٣) الأصوات عن الله -﷿-، وإن الحكم الجائر ليكثر منه الشكاة (^٤) إلى الله -﷿- وهذا صحيح (^٥) لأنه متى قضى بالعدل رجع الخصمان غير شاكين، أما المحكوم له فلا إشكال، وكذا المحكوم عليه لا يشكو لعلمه أن الشكاية لا تنفعه لأنها بغير حق؛ وإن كان القضاء بجور رجعا شاكيين، أما المحكوم عليه فلا إشكال، وكذا المحكوم له لأنه يعلم أنه وقع في الحرام ولا يأمن أن يبتلى بحاكم جائر يحكم عليه كما حكم له هذا بالجور فيوجد الشكاية منهما.
ثم ذكر (عن الحسن أيضًا قال: إن الله -﷿- أخذ على الحكام ثلاثًا: أن لا يتبعوا الهوى) وهذا ليس من قبيل ما يعلمه الحسن (^٦) من تلقاء نفسه فإنما قاله سماعًا عن رسول الله - ﷺ - أو رآه في كتب الأمم الماضية فإنه كان ينظر فيها ويخبر بذلك، وفي الحديث دليل أن نفس الهوى ليس بحرام، إنما اتباعه حرام لأنه هو المأخوذ، وهذا لأن المرأه إنما يكلف الإمتناع عما يمكنه الإمتناع عنه، ووقوع الهوى في قلب الحاكم إذا جثا الخصمان في مجلسه غير ممكن دفعه فلا يدخل تحت التكليف، والحديث موافق للكتاب، قال الله (^٧) -﷿- ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، قال: وأن تخشوه ولا تخشوا الناس؛ وهو موافق للكتاب وهو قوله -﷿- ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال رسول الله - ﷺ - "من خاف الله تعالى خافه كل شي (^٨) ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء (^٩) "؛ وهذا لأنه متى خاف الناس أسخط الله -﷿-
_________________
(١) حرف "ثم" من س.
(٢) و(^٣) بين الرقمين في س "وإنما كان ذلك".
(٣) في س "يسكن".
(٤) في س "يكثر الشكاية".
(٥) وفي س "وهذا ليس إلى الحسين علمه".
(٦) و(^٨) مكان ما بين الرقمين وفي س "فيه دليل على أن المنهى اتباع الهوى لا نفس الهوى، وهذا لأن الإنسان يخاطب بالامتناع عما في وسعه، ونفس الهدى ليس في وسعه الامتناع عنه، فإنه إذا حتى الخصمان بين يديه لابد وأن يقع في قلبه إنه ينبغي أن يكون المال لهذا أو لهذا لكن هذا لا يمكن التحرز عنه فلا يخاطب بالامتناع عنه، إنما يخاطب بما في وسعه وهو الامتناع من اتباع الهوى، قال الله تعالى - إلخ".
(٧) وفي السعيدية "خاف منه كل شيء".
[ ١٢ ]
لأنه لا يمكنه الجمع بين رضا الله -﷿- وخوف الناس، ومتى خاف الله -﷿- حصل رضا الله تعالى ورضا الناس ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أراد به الرشوة قال الله -﷿- ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قيل: والله أعلم السحت هو الرشوة، وهذا لأنه يأخذ الرشوة إما ليقضي بالجور، أو ليكف عن الظلم، الأول حرام، والثاني واجب عليه بدون أخذ الرشوة، فكانت الرشوة حرامًا على كل حال.
قال صاحب الكتاب (وقد جاء في كراهية القضاء وفي الدخول فيه من الأحاديث غير هذا، وقد (^١) دخل في القضاء قوم صالحون، واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه أمثل وأصلح وأسلم في الدين والدنيا لما ذكرنا من الفقه في صدر الكتاب (^١) قال ﵀ (هذا إذا كان في البلدة قوم يصلحون للقضاء غيره، أما إذا لم يكن هناك من يصلح للقضاء سواه فإنه يأثم بالإمتناع عن القضاء) لأنه تعين له ليحفظ أحكام الله -﷿- (ثم إذا كان في البلدة جماعة يصلحون للقضاء فامتنعوا جميعًا وإن كان السلطان يتولّى فصل الأحكام بنفسه فلا بأس لهم بالإمتناع) لأنه لا يضيع أحكام الله تعالى (فإن كان السلطان ليس ممن يتولى الأحكام بنفسه أثم الجميع بالإمتناع) لأن امتناعهم أدى إلى ضياع أحكام الله -﷿- (ولو امتنعوا حتى ولي الجاهل فإنّهم يأثمون) لأن امتناعهم كان سببًا لذلك (^٢) والله أعلم.