ذكر (عن أبي هريرة - ﵁ - قال لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي في الحكم) هكذا رواه أبو هريرة مقيدًا بالحكم، وقد روى مطلقًا أنه لعن الراشي والمرتشي، وفي روايةً لُعن الراشي والمرتشي والرائش" وهو الذي يسوي الأمر بينهما (^٩). قال: والرشوة
_________________
(١) هذا القول في س متصل بشرح أثر القاسم، والشرح ذكرناه من قبل.
(٢) وفي س "للمسلمين".
(٣) كذا في الأصلين، ولعله "بعمله" ولم تذكره س وإنما فيها في شرح هذا المتن "وقاسه على عمالة العامل في الصدقات.
(٤) وفي س في شرح الحديث: "وإنما أراد بهذا مما تحت يده فينتفع به مقدار ما كان قاضيًا، فإذا عزل رد ذلك إلى بيت المال".
(٥) وفي "وقد رأيت".
(٦) و(^٧) ليس في س.
(٧) وذكرت س الشرح مع الزيادة والنقصان هكذا: (روي عن أبي بكر - ﵁ - أنه كان يأخذ كل يوم ثلاثة دراهم، وروي في رواية أنه كان له من بيت المال كل يوم درهمان وثلثان وروي عن عمر - ﵁ - أنه كان له من بيت المال الفرض رزق له ولأهله، ولم يرو في الخبر مقداره، فهذا كله يدل على أنه لا بأس للقاضي أن يرتزق من بيت المال مقدار كفايته وكفاية أهله ومن يمونهم، وكفاية أعوانه حتى لا تشره نفسه إلى أموال الناس اهـ وقد مر بعض هذا قبل ذلك في شرح رواية هشام عن محمد في الأصل، ولم تذكر س عثمان - ﵁ -.
(٨) وفي س "فالراشي المعطي، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يمشي بينهما.
[ ٨٣ ]
مأخوذة من الرشا وهو الحبل الذي يستقى به كان الناضح (^١) لا يصل إلى الماء إلا بالرشا كذا الراشي يتوصل بالرشوة إلى مقصوده الحرام. ثم الرشوة على أربعة أوجه: يأخذها لتكف عن الظلم، ورشوة لإصلاح أمره عند السلطان، ورشوة ليقلّده قضاء، ورشوة ليقضي له بقضاء بحق أو بغير حق: ففي الوجه الأول الأخذ حرام لأنه أخذ على أمرٍ واجب عليه قبل الأخذ فإن الكف عن الظلم واجب، وأما للدفع فحلال إن كان فيه وقاية لنفسه وعرضه فإن الأموال لذلك تراد (^٢)، وأما في الوجه الثاني فالأخذ حرام لأنه وقع على أمرٍ واجب عليه قبل الأخذ فإن إعانة المسلمين بقدر الإمكان واجبة على كل مسلم، والحيلة لحل الأخذ هنا أن يستأجر الراشي المرتشي يومًا ليقوم بعمله بأجرة معلومة ثم يصرف منافعه إلى أي عمل شاء فأما الدفع في هذا الوجه مع هذه الحيلة لا يشكل حله، وأما بدون هذه الحيلة اختلف المشايخ منهم من قال حرام لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - وسنذكره بعد هذا، ولأنّه تمكين الحرام تسبيب له فيكون حرامًا، والصحيح أن الدفع حلال هنا، وإن كان الأخذ حرامًا كما في الوجه الأول لاجتماعهما في الداعي إلى الحل وهو وقاية نفسه وإقامة مصلحته، وهذا إذا أخذ الرشوة قبل أن يصلح أمره عند السلطان فإذا أصلح أمره فدفع إليه مالًا فالدفع حلال بلا إشكال، لأنه أحسن إليه فله أن يجازيه بمثله (^٣)، فأما الأخذ هل يحل؟ قال بعضهم: لا يحل لأنه قام بأمر واجب عليه وهو إعانة المسلم والصحيح أنه يحل (^٤) وقد أشار إليه في (^٥) كتاب الصلاة فإنه قال "لا ينبغي للإمام ولا المؤذن أن يأخذ أجرًا عليه فإن فرغا فجمع لهما شيء من المال فما أحسن هذا" اجعله
_________________
(١) كذا في الأصلين، ولعله "كما أن الناضح" وفي س "فإن الناضح لا يتوصل إلى استقاء الماء إلا به، فكذا الإنسان لا يتوصل إلى مقصوده الحرام إلا بها".
(٢) إلى هنا في س مذكور بالمعنى، وزادت بعد ذلك "كذا إذا طمع في ماله فرشاه ببعض ماله لا يحل الأخذ، وحل الإعطاء، لأنه جعل بعض المال وقاية لسائر الأموال، ولو سعى إنسان بينهما فدفع إليه بعض المال ليوصله إلى الظالم لا بأس أن يفعل ذلك الإنسان فيسعى بينهما".
(٣) وفي س لأنه أنعم عليه بالنجاة عن الظلم، وقال النبي ﵊ "من أزلفت إليه نعمة فليشكرها من غير فصل".
(٤) وزادت السعيدية نوع زيادة فقالت: "منهم من قال يحل، وهو الصحيح لأن هذا بر وصلة، وقاسوا هذه المسألة بما ذكر محمد ﵀ في كتاب الصلاة إلخ".
(٥) وكان في الأصلين "من" والصواب، في س وله، لفظ الإمام الحلواني عن س هكذا: حاكٍ عن أستاذه القاضي الإمام ﵀ قال: ينظر إن كان فعلًا لو استأجره على ذلك استحق الأجر بأن أعطاه لتبليغ الرسالة بأن بعثه رسولًا إلى الظالم، فلما بلغ الرسالة أعطاه شيئًا وأهدى إليه شيئًا يحل له الأخذ وإلا فلا".
[ ٨٤ ]
أحسن مطلقًا دل على حل الأخذ، وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو محمد عبد العريز بن أحمد الحلواني ﵀ حكاية عن أستاذه القاضي الإمام: هذا على تفصيل إن كان ذلك الذي أمره به عملًا يقبل الإستئجار، فإذا قام به ثم أعطاه شيئًا من المال حل أخذه، نحو إن عمله رسالة إلى السلطان لأنه أمكن أن يجعل إجارة، وما عدا ذلك فلا يحل فيه الأخذ.
وأما الوجه الثالث من الرشوة فالدفع فيه حرام والأخذ حرام أما الأخذ فلأنه رشوة وأما الدفع فلأنه ارتكاب تسبيب إلى الحرام من غير ضرورة فإنه يتوصل إلى القضاء بدون الرشوة.
وأما الوجه الرابع وهو الرشوة ليقضي له بقضاء فحرام فيه الدفع والأخذ جميعًا سواء كان القضاء بحق أو بغير حق، نص عليه الخصاف في آخر هذا الباب؛ أما إذا كان القضاء بغير حق فالأخذ حرام لوجهين: أحدهما أنه رشوة، والثاني أنه تسبيب لفعل الحرام وهو الظلم، وإن كان القضاء بحق فالحرمة للوجه الأول لا غير، والدفع حرام فيهما لأنه تمكين من الحرام من غير ضرورة. ثم قضاء القاضي فيما ارتشى فيه وسجله فيه باطل، سواء كان بحق أو بغير حق، نص عليه في آخر الباب، وسنذكر هذا في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
(أما قضاؤه في غير تلك الحادثة) هل ينفذ؟ اختلفوا فيه، والأصح عندنا قال (إنه ينفذ) (^١) لأنه بالارتشاء لا ينعزل، لكن يستحق العزل، وقد مضى طرف من هذا في أول الكتاب، وسيأتي تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وذكر عن الحسن بن عثمان الزهري (^٢) قال: كنت مع عمي أبي سلمة بن عبد الرحمن بالإسكندرية عند عبد العزيز بن مروان، فدخل عليه فعرف له فضله وشرفه، وكان البواب بعد ذلك مسيئًا إليه، فقال: يا ابن أخي إن منزلتي من صاحبي لحسنة وإني لأرى هذا يسيء لي، قال فقلت له: لو أعطيته شيئًا! قال: كيف أعطيه وقد لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي أو قال: الراشي والمرتشي في النار! [لا أدري أي ذلك قال] (^٣) جعل إعطاء البواب شيئًا من المال رشوة، وعن هذا قال أصحابنا: لا ينبغي للقاضي (^٤) أن يتخذ بوابًا يمنع الناس من دخول
_________________
(١) وفي س "والصحيح من المذهب عندنا أنه ينفذ" فلفظ "قال" ليس في س بل هو فيهما، ولا بأس به، ذكره الشارح تنبيهًا على أنه من المتن.
(٢) لم أجده في أولاد عبد الرحمن بن عوف في الكتب المتداولة.
(٣) بين المربعين زيادة من س.
(٤) ولفظ س في شرح الحديث: "وعلى هذا الحديث قالوا لا ينبغي للقاضي أن يتخذ بوابًا يمنع الناس من دخول المسجد حتى يأخذ قطعة، لأن ذلك رشوة يأخذ بتمكين القاضي فيكون ذلك بمنزلة رشوة أخذها =
[ ٨٥ ]
المسجد إلّا بقطعة ذهب يأخذها، لأن دخول المسجد مندوب إليه فلا يجوز المنع منه، ومتى حرّم المنع حرّم الأخذ لتركه، لكن إن احتسب رجل في ذلك وجعل نفسه بوابًا ليرتب الناس مراتبهم ويأذن لهم على حسب منازلهم فلا بأس به، فإن لم يجد من يحتسب بذلك فكفاية البواب من بيت المال، كما أنّ كفاية القاضي منه.
ذكر (عن علقمة ومسروق عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، أنهما سألاه عن "السحت" فقال: الرشوة! قالا: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر) (^١) وتأويل قوله "ذاك الكفر" من وجهين عندنا: أحدهما أنه تهديد ووعيد لا تحقيق، والثاني: تحقيق لكن بالاستحلال (^٢).
وعن (^٣) عبد الله بن مسعود - ﵁ - أيضًا (قال: الرشوة في الحكم كفر إنما السحت أن يهدي الرجل إلى الرجل هدية كما يعينه على حاجته عند السلطان) وهذا يؤكد قول أولئك المشايخ الذين قالوا في الوجه الثاني من وجوه الرشوة أن الدفع حرام، لكن تأويل ذلك عندنا إذا كان ذلك على أمر لا يحل بحال (^٤) كالظلم لغيره ونحوه. ثم الهدايا على ثلاثة أوجه: هدية يحل دفعها ولا يحل أخذها، وهدية يحل فيها الدفع والأخذ جميعًا، وهدية يحرم فيها الدفع والأخذ جميعًا؛ أما الوجه الأول: فإذا هدده بظلم فخافه فأهدى إليه هدية ليكف عنه فالدفع حلال وقاية لنفسه والأخذ حرام على ما تقدم، والثاني الهدية للتودد والتحبب قال رسول الله - ﷺ -: "تهادوا تحابوا"، والثالث ما ذكره عبد الله بن مسعود - ﵁ - وهو أن يهدي له هدية حتى يصلح أمره عند السلطان (^٥) لكن على التأويل الذي ذكرناه وهو أن يطلب منه إصلاح أمر لا يحل بحال والله أعلم.
ذكر (عن مسروق قال: القاضي إذا أخذ الهدية فقد أخذ السحت (^٦)، وإذا أخذ الرشوة
_________________
(١) = القاضي، لكن ينبغي أن يتخذ بوابًا يحتسب في ذلك ويأمر الناس بالدخول على القاضي في نوبتهم، وإن لم يجد أحدًا يحتسب يعطى كفايته كما يعطى كفاية القاضي من بيت المال".
(٢) وفي س "فقالا في الحكم؟ قال: ذلك كفر".
(٣) ولفظ س في شرح هذا الحديث: "وتأويله من وجهين أحدهما أنه أراد به التهديد لا التحقيق، والثاني أنه أراد به التحقيق فإنما قال ذلك في المستحل وإذا استحل ذلك يكفر".
(٤) وفي س "وذكر عن أبي الأحوص قال قال عبد الله - ﵁ -" الحديث، وليس فيها "أيضًا".
(٥) وقوله لكن تأويل ذلك إلخ "ذكرت س بعد الوجه الثالث بالمعنى وقالت في آخره لا يحل بحال من الأحوال".
(٦) وفي س "أن يهدي إلى غيره لما يعنيه عند السلطان على حاجته وهذا حجة لقول أولئك المشائخ".
(٧) وفي س "لا يحل أكل السحت".
[ ٨٦ ]
بلغت (^١) به الكفر) قد ذكرنا قبل هذا في الباب الرابع عشر حكم الهدية وأنه ممن يقبلها وعلى أي صفة يقبلها فلا نعيده هاهنا (^٢)، وقوله في الرشوة "بلغت به الكفر" تأويله من الوجهين الذين ذكرناهما في حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
ذكر عن معاذ بن العلاء عن أبيه عن جده (^٣) قال: خطب علي - ﵁ - وبيده قارورة قال: ما أصبت بها منذ دخلتها إلا هذه القارورة أهداها دهقان) أشار بذلك إلى أنه ينبغي للوالي أن يتحرز كل التحرز عن ذلك حيث بين أنه لم يقبل إلّا الشيء القليل النزر، وهكذا ينبغي أن يكون سبيل كل والٍ (^٤).
ذكر (عن يوسف قال: أهدى الأصبهيد (^٥) إلى عبد الحميد أربعين ألفًا أو أقل فكتب إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: إن كان يهدي إليك (^٦) وأنت بالجزيرة فاقبلها منه، وإلّا فاحسبها له من خراجه) (^٧) يريد بذلك أنك إن عزلت فرجعت إلى أهلك بالجزيرة فأهدى إليك فاقبله، وإن كان يهدي إليك حالة عملك فلا تقبلها، فإن قبلتها فاحسبها له من خراجه؛ فعلى هذا القاضي بعد العزل يقبل الهدية لأنها حينئذٍ تكون للتودد والتحبب لا لأجل العمل.
_________________
(١) وفي س "فقد بلغت".
(٢) ولفظ س في شرح الحديث: "أما الهدية فلما ذكرنا في آخر الباب السابع أنه لا يباح له القبول إلا ممن ذكرنا على الصفة التي ذكرنا، فإذا لم يكن ممن ذكرنا ولا على الصفة التي ذكرنا كان سحتًا، وأما الرشوة فتأويل ما قال في الوجهين إلخ" قلت "فلا يصح قوله" قد ذكرنا قبل هذا في الباب الرابع عشر "لأنه لم يأت بعد، وإنما ذكره في آخر الباب السابع كما في س، وكذلك يذكره في الباب الرابع عشر أيضًا، فالعبارة ينبغي أن تكون هكذا: قد ذكرنا قبل هذا في الباب السابع وذكرناه في الباب الرابع عشر أو ما في معناه فسقطت بعض العبارة بعد الباب قبل الرابع والله أعلم. بحث هدية يأخذها العمال. وهذا هو الباب الرابع عشر ذكره فيه.
(٣) كذا في الأصلين، ولم تذكر س "معاذ بن العلاء إلخ" بل فيها وذكر عن علي أنه خطب، قلت: هو أخو أبي عمرو بن العلاء بن عمار المزني البصري المقري من رواة الترمذي، وروى له البخاري تعليقًا، قال في تهذيب التهذيب: أبو غسان أخو أبي عمرو روى عن أبيه ونافع وسعيد بن جبير، روى عنه القطان والأصمعي ويحيى بن كثير ووكيع وأبو عاصم، وذكره ابن حبان في الثقات وفي لسان الميزان في ترجمة عمار عن أنس، وفي ثقات ابن حبان عمار المزني عن أنس، وعنه حميد الطويل إلخ قلت فهو هذا جد معاذ ولم أجد أباه علاء بن عمار في الكتب المتداولة الموجودة عندي".
(٤) وفي س "فعلى كل من اشتغل بشيء من أعمال المسلمين أن يكون بهذه الصفة".
(٥) وفي س بتقديم الهاء على الباء، وفي المغرب: دراهم اصبهيذية نوع من دراهم العراق؛ قلت: فلعلها نسبت إلى هذا فالصحيح على ما في النسختين، ولا أدري من هو؟ والله أعلم.
(٦) وفي س "لك".
(٧) وفي س "فاحسبها من خراجه".
[ ٨٧ ]
ذكر (رجاء بن أبي سلمة (^١) قال: قال الحسن بن رستم لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين! ما لك لا تقبل الهدية وقد كان رسول الله - ﷺ - يقبلها؟ قال عمر: إنها كانت على عهد رسول الله ﵌ هدية، وإنها اليوم رشوة) ولكلامه هذا وجهان: أحدهما أن المهدي في زمن رسول الله - ﷺ - ما كان يلتمس ما لا يحل له من المهدى إليه ولا كان يقصد بهديته سوى التودد والتحبب، فأما في زماننا فقد فسد الناس حتى صار المهدي يطلب ما لا يحل لأجل الهدية فصارت رشوة، والوجه الثاني سنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى (^٢).
ذكر بعد هذا (عن خيثمة (^٣) قال قال عمر - ﵁ -: بابان من السحت يأكلهما الناس، الرشا ومهر الزانية) أما الرشا فلما ذكرنا، وأما مهر الزانية فلما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه نهى عن مهر البغي وهي الزانية، من البغا وهو الزنا، ولأن الزنا حرام، فأخذ العوض عنه يكون حرامًا.
ذكر بعد هذا (عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: هدايا الأمراء غلول) ووجهه أن عِزة الأمراء بقوة الجنود وبقوة المسلمين، فما يصل إليها من الأموال يكون مشتركًا بين الكل، فإذا خص الأمير نفسه كان ذلك خيانة وغلولًا، بخلاف هدايا رسول الله - ﷺ - فإنها على خلاف هذا لأن تعزز رسول الله - ﷺ - ما كان بقوة الجنود والناس، إنما كان بقوة نفسه، فلم يكن ذلك غلولًا، وهذا هو الوجه الثاني لكلام عمر بن عبد العزيز على ما تقدم (^٤).
ذكر (عن يحيى بن سعيد قال: لما بعث رسول الله - ﷺ - ابن رواحة إلى أهل خيبر أهدوا
_________________
(١) كذا في الأصلين، والظاهر "ذكر عن رجاء" فسقط "عن" من الأصلين، وفي س: "ذكر عن الحسن بن رستم أنه قال لعمر بن عبد العزيز الحديث". في الخلاصة: رجاء بن أبي سلمة مهران، البصري أبو المقدام الفلسطيني عن عمر بن عبد العزيز والزهري، وعنه الحمادان وحمزة بن ربيعة، وثقه ابن معين وغيره، قال حمزة: مات سنة إحدى وستين ومائة. قلت: هو من رجال النسائي وابن ماجه وأبي داود.
(٢) ولفظ س في شرح الأثر. "أشار عمر - ﵁ - إلى أن الزمان قد فسد، والمهدي يلتمس ما لا يحل له في الشريعة، فلو قبل كان رشوة، وهذا لا يتصور في زمن رسول الله - ﷺ - فكانت هدية".
(٣) لعله خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي الكوفي الذي روى عن أبيه وعلي وأبي هريرة وعائشة وجماعة، وعنه إبراهيم والحكم وعمرو بن مرة وطلحة بن مصرف، روى له الستة، مات سنة ثمانين من الخلاصة ملخصًا.
(٤) عبارة س في شرح الحديث: "وإنما كان لأن تعزز الأمير ومنعته بالجند وبالمسلمين لا بنفسه فكانت الهدية لجماعة المسلمين بمنزلة الغنيمة، فإذا استبد به كان ذلك منه خيانة، بخلاف هدايا رسول الله - ﷺ - لأن تعززه ومنعته كان بنفسه لا بالمسلمين فصارت الهدية لنفسه لا للمسلمين".
[ ٨٨ ]
إليه فرده فقال: هي سحت) (^١) لم يذكر تمام الحديث هاهنا، وقد ذكره محمد في المزارعة وبين كيفية ذلك، وهذا لما ذكرنا أن ما كان هدية على عهد رسول الله - ﷺ - صار رشوة لفساد الناس (^٢).
ذكر (عن يحيى بن سعيد أيضًا قال: كتب عمر إلى أهل العراق: إن لنا هدايا دهاقيننا) الدهاقين هم رؤوس العجم (^٣) من أهل الذمة ممن كان عليهم الخراج والجِزا (^٤) وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتوسعون في قبول هَداياهم لأنهم كانوا يهدون للتودد والتحبب لا لطلب أمر حرام واعتادوا ذلك، وكانوا يستوحشون برد هداياهم فلذلك توسع الصحابة رضوان الله عليهم في قبول هداياهم، ثم هم مختلفون [أعني الصحابة] منهم من كان يقبل هداياهم ولا يحسبها لهم من الخراج، وعمر وعلي -﵄- كذلك فعلا، ومنهم من كان يقبلها ويحسبها لهم من الخراج وعمر بن عبد العزيز كان يفعل ذلك، وكان الأصل في تسويغ الخراج هذا فإنه لا أصل له سواه (^٥).
ثم ذكر (^٦) (أنه قدم معاذ بن جبل - ﵁ - من اليمن برقيق في زمن أبي بكر الصديق - ﵁ - قال له عمر: ادفعهم إلى أبي بكر! فقال له معاذ: ولم أدفعهم إليه رقيقي؟ فانصرف إلى منزله ولم يدفعهم، فنام ليلته، ثم أصبح من الغد فدفعهم إلى أبي بكر، فقال له عمر ما بدا لك؟ فقال: رأيتني فيما يرى النائم كأني أرى نارًا أهوي فيها فأخذت بحجزتي فمنعتني من دخولها فظننت أنهم الرقيق؛ فقال له أبو بكر: هم لك! فلما
_________________
(١) وفي س "هو سحت".
(٢) ذكرت س شرح الحديث بهذ اللفظ: "لم يذكر صاحب الكتاب تمام الحديث، ومحمد بن الحسن ﵀ ذكر تمامه في أول كتاب المزارعة نذكر تأويله إذا انتهينا إليه في شرح المختصر ا. هـ" قلت: المراد بالمختصر المختصر الكافي للحاكم الشهيد أبي الفضل محمد المروزي، علم من هذا أن للشارح شرحًا عليه كما ذكره أيضًا في مواضع من شرح النفقات.
(٣) وفي س "رؤساء العجم".
(٤) وفي س "والجزية".
(٥) وفي س من قوله "لأنهم كانوا يهدون" العبارة هكذا: "وهذا لأن الهدية كانت عادتهم وكانوا لا يلتمسون شيئًا وإنما كانوا يهدون على وجه التودد والتحبب، وكانوا يستوحشون برد هدايهم، فلا يتمكن فيه معنى الرشوة، فلهذا كانوا يقبلون، ثم كانوا مختلفين فيما يتفهم منهم من يقبل الهدية منهم ولا يحتسب ذلك من الخراج، ومنهم من يقبل ويحتسب ذلك لهم من الخراج، فعمر وعلي -﵄- كانا ممن يقبل ولا يحتسب ذلك من الخراج، وعمر بن عبد العزيز كان ممن يقبل ويحتسب ذلك من الخراج، وأصل توسيع الخراج هذا".
(٦) وفي س "ذكر عن سفيان قال قدم الحديث".
[ ٨٩ ]
انصرف إلى أهله قام يصلي فرآهم يصلون خلفه، فقال: لمن تصلون؟ فقالوا لله! قال: فاذهبوا (^١) فأنتم لله) اشتمل الحديث على أشياء، منها أن عمر ومعاذًا كل واحد منهما قال ما قاله عن تأويل، أما عمر فإنه يقول: إن قوتك وعزتك إنما كانت بقوة أبي بكر وهو الإمام وبقوةِ المسلمين، فما أصبت من الأموال يكون لبيت مال المسلمين، ومعاذ يقول: هذه هدية أهديت إليّ فأنا الذي أصبت هذا المال فيكون لي، فكل منهما اعتمد تأويلًا وبنى على دليل (^٢) ومنها قول أبي بكر "هم لك" خص معاذًا بذلك لمكانة فضله، وللإمام أن يخص بعض أهل العلم بشيء من بيت المال لمكانة فضله وعلمه. [ومنها أن معاذًا رآهم يصلون فأحسن إليهم بالإعتاق، لأن رسول الله - ﷺ - أوصى بالإحسان إلى المصلين] (^٣) ومنها أنه حررهم بقوله "فأنتم لله" ولم يذكر محمد هذا اللفظ في كتاب العتاق (^٤)، وذكر في النوادر أن على قول أبي حنيفة - ﵁ - لا يقع به الحرية لأنه يحتمل أشياء (^٥) وعند أبي يوسف ومحمد يقع، فكان الحديث حجة لهما على أبي حنيفة والله أعلم (^٦).
ذكر بعد هذا (عن أبي جميل الساعدي - ﵁ - قال: استعمل رسول الله - ﷺ - ابن اللتبية على صدقات بني سليم، فلما رجع (^٧) قال: هذا لكم، وهذا لي أهدي إلي، فقام رسول الله - ﷺ - وخطب الناس فحمد الله -﷿- وأثنى عليه ثم قال: "ما بال رجال نوليهم أمورًا مما ولانا الله -﷿- فيجيء أحدهم فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليّ! أفلا يجلس (^٨) في بيت أبيه وأمه حتى يأتيه هديته إن كان صادقًا - وفي رواية أخرى: هلا يجلس عند حفش أمه لينظر أهدي إليه أم لا") أفاد الحديث أنه لا ينبغي للوالي أن يقبل الهدية لما ذكرنا، فإن قبلها فهي لبيت المال، لأن تعززه وقوته إنما كانت بالمسلمين والجنود، فما أصابه يكون لهم (^٩)، وأفاد أن رسول الله - ﷺ - كان إذا ساءه أمر، من بعض أصحابه لا يجاهره
_________________
(١) كذا في الأصل وس، وليس في م، وعدم منه هو الصواب.
(٢) وذكرت س كل هذا بالمعنى وزادت بعد ذلك: "وفي رواية: رأيت كأني في مفازة أضل فيها وأنت تدعوني إلى العمران".
(٣) قوله "ومنها" إلى قوله "مصلين" ساقط من س.
(٤) وفي س "ولم يذكر محمد في كتاب العتاق أن من قال لمملوكه أنت لله هل يعتق".
(٥) وفي س لأن هذا الكلام يحتمل "أنت عبد الله" والرقيق عبيد الله، ويحتمل أنه أراد به التحرير والمحتمل لا يكون حجة.
(٦) ولم تذكره س، وكان في الأصلين "لأنه أعلم" مصحف - والله أعلم بالصواب.
(٧) وفي س "فلما جاء".
(٨) رواه البخاري وغيره، وفي الصحيح "فجعله جلس".
(٩) وهذا في س مذكور بالمعنى، وزادت "فكانت بمنزلة الغنيمة، والغنيمة توضع في بيت المال".
[ ٩٠ ]
بالرد [ولا يشافهه بالإنكار] (^١) بل يقول له في الخطبة على وجه الإجمال، فيحصل ما هو المقصود (^٢).
وذكر (عن علي بن ربيعة (^٣) أن عليًا - ﵁ - استعمل رجلًا من بني أسد يقال له ضبيعة بن زهير، فلما جاء قال: يا أمير المؤمنين! أهدي إليّ في عملي سمن فأتيتك به، فإن كان حلالًا أكلته وإلّا فقد أتيتك به (^٤)! فقبضها علي وقال: لو حبستها كانت غلولًا) (^٥) وهذا يفيد ما أفاده الأول.
وذكر (عن رجاء بن أبي المقدام (^٦) قال: نزل عمر بن عبد العزيز منزلًا بالشام، فأهدي له تفاح، فأمر برده، فقال له عمرو بن قيس: يا أمير المؤمنين! أما علمت أن رسول الله - ﷺ - كان يأكل الهدية؟ قال ويحك يا عمرو! إن الهدية كانت لرسول الله - ﷺ - هدية، وإنها اليوم لنا رشوة؛ قال فقام رجل من أهل بيته يقال له هشام وكان يعرفه عمر بصلاح فقال: يا أمير المؤمنين لو أمرت به يقوم (^٧) فأعطيتهم ثمنه وأكلته! فأمر به يقوم (^٧) فأعطاهم ثمنه) أما قول عمر كانت لرسول الله - ﷺ - هدية وهي لنا اليوم رشوةً فقد مر تأويله، أما قول هشام لعمر ما قال يحتمل وجهين، أحدهما أنه قال ذلك لأنه أقرب إلى إحسان العشيرة (^٨) وإجمال المعاملة، لأنّ المهدي يتأذى برد هديته، والثاني يحتمل أنه عرف اشتهاء عمر بن عبد العزيز للتفاح لكنه (^٩) لم يأكله تحرزًا عن الشبهة، فإذا أعطاهم ثمنه وأكله حصل المقصود واندفع معنى الرشوة.
ذكر (أن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أخذ في أرض الحبشة فرشاهم حتى خلوا سبيله) دل الحديث على أنه كان من المهاجرين إلى أرض الحبشة، ودل على أنه إذا خاف
_________________
(١) وفي س "ولا يواجه أحدًا بالسوء".
(٢) وفي س فيعرف ذلك الإنسان المقصود "وهذا أقرب إلى الستر وحسن المعاشرة".
(٣) علي بن ربيعة بن نضلة الوالي أبو المغيرة الكوفي، عن علي وسلمان وعنه الحكم وأبو إسحاق موثق له في (خ م) فرد حديث - خلاصة. قلت: هو من رواة الصحاح الستة.
(٤) وفي س "أكلتها وإلا فقد أتيتك بها".
(٥) وفي س "كان غلولًا".
(٦) كذا في الأصلين، ولم تذكره س بل فيها "وفكر من عمر إلخ" وهو رجاء بن أبي سلمة، وأبو المقدام كنيته، فلفظ الابن "غلظ، وقد مرت ترجمته قبل ذلك في هذا الباب، والصواب عن رجاء أبي المقدام.
(٧) وفي س "فقوم" في الحرفين.
(٨) وفي س "إلى حسن العشرة" ولم تذكر ما بعده وإجمال المعاملة".
(٩) وفي س لكن رده لمعنى الرشوة فأحب أن يعطيه الثمن حتى يأكلها عمر ولا يأكل ما هو بمعنى الرشوة".
[ ٩١ ]
الظلم فجائز أن يرشو من يخافه دفعا لظلمه كما فعله عبد الله - ﵁ - (^١).
وذكر (عن أيوب (^٢) قال: أخذ سارق بمكة فرشاهم طاوس دينارًا حتى خلوا سبيله) وله تأويلان: أحدهما أنه أخذ بتهمة السرقة لا بحقيقة السرقة [لأنه لو كان حقيقة السرقة لما حل لأحد تخليصه بوجه ما لكنه أخذ بتهمة السرقة] (^٣) فطاوس خاف أن يقطع فدفع الظلم عنه وصان الآخذين عن الظلم أيضًا والثاني يحتمل أنه أخذ بخصومة أخرى غير السرقة وكان مظلومًا فيها فطاوس دفع الظلم عنه بالرشوة، وذكر اسم السارق كان لتعريف المأخوذ لا لمكان أن الأخذ كان بسبب السرقة.
وذكر (عن عطاء والشعبي وإبراهيم (^٤) قالوا: لا بأس بالرشوة إذا خاف الرجل على نفسه الظلم).
وذكر (عن جابر بن زيد (^٥) والشعبي وعطاء قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم) أفاد أنه إذا خاف الظلم في المستقبل فله أن يرشو من يخافه ليأمن عن ظلمه وإن كان لم يهدّده للحال ولم يخوفه (^٦)، وكما يجوز ذلك لصيانة نفسه كذلك يجوز لصيانة ماله، حتى لو طمع ظالم في جميع ماله فصانعه على طائفة دفعها إليه ليكف عن الباقي فهو جائز.
وذكر (عن جابر بن زيد قال: لم نجد في زمان عبد الله بن زياد أنفع لنا من الرشا، وفي بعض الروايات: لم نجد في ذلك الزمان، وفي بعضها: في زمان بني أمية) أفاد أنه إذا خاف الظلم جاز له دفع الرشوة. (^٧)
وذكر (عن مجاهد قال: اجعل مالك جنة دون دينك، ولا تجعل دينك جنة دون مالك) [في الحديث، دليل على أنه لا بأس بالرشوة لدفع الظلم عن نفسه إذا خاف الظلم على
_________________
(١) ولفظ س في شرح الحديث: "وفيه دليل على أن من ابتلي بشيء ظلمًا لا بأس بأن يرشو ليخلي سبيله".
(٢) هو أيوب بن كيسان أبي تميمة السختياني البصري أخذ الأئمة الأعلام، من رواة الصحاح.
(٣) وفي س "لأن السرقة إذا ثبتت وظهرت لا يجوز لأحد أن يرشو ليسقط عنه الحد"؛ ولم تذكر بعد ذلك إلى الثاني.
(٤) وهذا الحديث في س عن جابر بن زيد وعطاء وحجاج، وليس فيها الذي بعده.
(٥) هو أبو الشعثاء البصري، أحد الأئمة.
(٦) وهذا الشرح في س للحديث المتقدم، وسقط منها ما بعده قوله "وكما يجوز إلخ" والحديث هذا ساقط منها كما ذكرته قبل ذلك.
(٧) وفي س "وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بالرشوة لدفع الظلم عن نفسه وماله".
[ ٩٢ ]
نفسه أو على دينه، وكان رسول الله - ﷺ - يعطي المال من كان يخاف من لسانه وكان يعطي الشعراء، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة تدل الكل على أن الإنسان إذا بذل مالًا لرجل يخاف من ظلمه أو لسانه أو لشاعر فلا بأس به] (^١) والله أعلم.
ذكر (عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بعثني عمر - ﵁ - في حاجة إلى بعض ولده أن أدعوه له (^٢) ونهاني أن أخبره لأي شيء يدعوه، فدعوته، فسألني عما يدعوه لأجله، فأبيت أن أخبره فقال: أخبرني على أن أرشوك هذه الدجاجة وهذا الديك! فقلت: على أن لا تخبر عمر! فقال: نعم، فرشاني، فأخبرته، فلما رجعت إلى عمر قال: أخبرته؟ فوالله ما استطعت أن أقول: لا، فقلت نعم! ففال: أرشاك؟ فقلت نعم، قال: ما رشاك؟ قلت: ديكًا ودجاجة هنديين! قال: فأخذ بيساره يدي وأخذ الدِرّة بيمينه، قال: فجعل يضربني، وجعلت أنزوي حتى أوجعني ضربًا وجعل يقول لي: إنك لجربُز إنك لجُربُز) (^٣) أفاد الحديث أن أخذ الرشوة حرام، وإنما ضربه عمر لوجهين: أحدهما أنه أساء أدبه حيث أخبر بما نهاه عن الإخبار به (^٤)، والثاني أخذه الرشوة وهو حرام، وقوله: "لجربز" يروى هكذا، ويروى "إنك لجريء" أي اجترأت على الله -﷿- بفعل الحرام وهو أخذ الرشوة وأما قوله "لجربز) فهو معرب "عن كَرُبز" وهو شديد الحيلة وهو كان كذلك حيث كان ينزوي ليدفع ألم الضرب (^٥).
ذكر (عن الشعبي قال: لأن أعطي درهمًا في النائبة أحب إليّ من أن أعطي خمسة دراهم يعني في الصدقة) لأن النائبة إدراك فكاك الأسير، وهو أفضل من الصدقة لأنه استبقاء من أشرف على الهلاك (^٦).
_________________
(١) وسقط من الأصلين شرح الحديث، دل عليه قوله "والله أعلم"، وما بين القوسين زيد من س.
(٢) وفي س "بعثني عمر إلى بعض ولده لأدعوه له".
(٣) الجربز بضم الجيم والباء وسكون الراء المهملة وفي آخره زاي معجمة قال في المحيط: الخداع الخبيث، معرب "كَربز" بالفارسية أي بالكاف الفارسي، وفي الغياث: كَربز بضم الكاف الفارسي والتاء مكار ومحتال، لأن أصله كان "كَركَ بز" يعني ذئب معز فخفف، يعني معز بصورته ذئب بسيرته اهـ هذا ترجمة ذكره بالفارسية، وكان في الأصلين "جزبز" وهو غلط والصواب ما في س "كربز".
(٤) وفي س "نهاه أن يخبره فأخبره".
(٥) وفي س "حيث تنزي كيلا يعيبك الوجع من الضرب".
(٦) وفي س "يعني التصدق بها إنما أراد بالنائية فكاك الأسير، وفكاك الأسير أفضل من التصدق على المساكين، لأن الأسير مشرف على الهلاك فكان الفكاك إحياء له" قلت: وفي س نائبة بتقديم الباء ولا وجه له والله أعلم.
[ ٩٣ ]
(قال أبو بكر) صاحب الكتاب (ولو أن رجلًا ابتلى بسلطان جار (^١) عليه في نفسه أو في ولده أو في أحد من أهله أو ماله فصانعه بشيءُ ورشاه على أن يدفع ذلك الجور رجونا أن يكون آثمًا في ذلك) أما جواز دفع الرشوة لدفع الظلم فقد تقدم ذكره، وأما قول صاحب الكتاب "رجونا" إنما علقه بالرجاء (^٢) لأن الدفع له جهتان: جهة التمكن من الحرام، وجهة قصد دفع الظلم، وهو جائز باعتبار إحداهما غير جائز باعتبار الأخرى، فلذلك علّقه بالرجاء.
(ولو ارتشى القاضي والحكم الذي ارتشي فيه حق واجب للراشي أو غير واجب فالأخذ والدفع حرام فيهما) (^٣) فرق بين الدفع هاهنا وبينه: إذا كان لدفع الظلم فإنه يجوز، والفرق (^٤) أن هناك حصل المقصود من الرشوة وهو اندفاع الظلم، لأنه يكف عنه متى أخذ الرشوة، وأما في القضاء لم يحصل المقصود لأن القاضي إذا حكم له بذلك فحكمه باطل لا يحل لمن عرفه من القضاة، وثبت عنده ذلك أن ينفذه، والأصل في الرشوة الحرمة لأنها تمكين من الحرام، لكن سقط اعتبار الحرمة حال حصول المقصود الذي لا يحصل إلّا بها وهو اندفاع الظلم، ففي موضع لم يحصل المقصود بقي على أصل الحرمة، وإنما قلنا: إن القضاء فيما ارتشي فيه باطل لا ينفذ، لأنه يصير مستأجرًا على القضاء فيكون ما أتى به من القضاء غير داخل تحت ولايته، لأن الداخل تحت ولايته قضاء لا أجر عليه، (^٥) فإذا أتى بقضاء أخذ عليه أجرًا كان قضاءً لا عن ولاية فلا ينفذ، ولأنه يجب أن يكون نائبًا عن الله -﷿- في القضاء، فإذا أخذ على ذلك أجرًا كان نائبًا من المستأجر لا عن الله فلم يكن آتيًا بما يؤمر إليه من هذا الوجه أيضًا.
_________________
(١) وفي س "جائر".
(٢) وفي س علقه بالرجاء لأن القبض حرام، والإعطاء تمكين من القبض، والتمكين من الحرام حرام، إلا أن قصد المعطي من هذا دفع الظلم عن نفسه أو عن ماله، فمن ذلك الوجه يكون حرامًا ومن هذا الوجه لا فعلقه بالرجاء.
(٣) وفي س "إذا أرشى القاضي ليقضي له بالحق حيث لا يحل للقاضي أن يقبض ولا للمعطي أن يعطي".
(٤) وعبارة س في الفرق إلى آخر شرح هذا المتن هكذا "والفرق أن السلطان الجائر إذا رشا ينال ما هو المقصود بدفع الرشوة وهو دفع الظلم عن نفسه أو عن ماله فلا يأثم المعطي أما في القاضي لا ينال لأن المقصود منه أن يصير المدعي ملكًا له ومقاله وهذا إنما يحصل إذا نفذ القضاء وقضاء المرتشي فيما ارتشى باطل حتى لا يحل لأحد من القضاة أن اتضح هذا عنده أن ينفذ ذلك الحكم، ولكنه يرده ويبطله، فلهذا أثم المعطي ثم إنما لم ينفذ قضاء المرتشي فيما ارتشى فلأنه لما أرشاه المدعي فقد استأجره، والقضاء بحق فرض عليه، والاستئجار على إقامة ما هو فرض عليه لا يجوز كالاستئجار على الأذان والإمامة".
(٥) وفي م "القضاء أجرًا".
[ ٩٤ ]
هذا إذا رشا القاضي (فإن رشا ولد القاضي أو كاتبه (^١) أو أحدًا في ناحية (^٢) القاضي على أن عمل له في إنفاذ الحكم وما يطالب به حق والقاضي لا يعلم بذلك فالإعطاء والأخذ حرام) لما ذكرنا (لكن القضاء جائز نافذ) لا يرد لأنّ القاضي لم يعلم فلم يكن آتيًا بغير ما فوّض إليه، فإن علم القاضي بذلك فهو بمنزلة ما لو ارتشى القاضي لنفسه (^٣). ذكر بعد هذا "الهدية للقاضي" وقد تقدم ذلك (^٤) والله أعلم.