ذكر (عن نافع أن عمر - ﵁ - كتب (^٣) إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام أن: انظروا رجالًا من أهل العلم من الصالحين ممن (^٤) قبلكم فاستعملوهم على القضاء ووسعوا عليهم (^٥) من الرزق) وهذا لأن القاضي محبوس بحق المسلمين فيجب كفايته في مال المسلمين، وذلك من بيت المال لأن الحبس سبب استحقاق الكفاية (^٦) كحبس المرأة بحق
_________________
(١) قوله "يعني القضاء" كذا في الأصلين، ولم تذكر س هذا الشرح ولعل الصواب "يعني على القضاء" فسقط "على" النسختين و"يعني قاضيًا" والله أعلم.
(٢) ولفظ س في شرح هذا الحديث هكذا: أما القضاء على الغضب والضجر والحلم عن الخصوم قد ذكرناه فيما تقدم، وقوله لا خير في قضاء إلا بفهم لأن إذا لم يفهم يقضي عن جهل وقوله "لا خير في فهم إلا بحكم" لأنه وإن فهم المحق من المبطل لا يمكنه إيصال الحق إلى المستحق إلّا بالحكم، وقوله "لا خير في حكم إلا بفصل" يريد به أن الخصومة إنما ينتهي نهايتها بالتسليم فما لم يسلم الحق إلى المستحق لا يقع الفصل وقوله "لا خير في فصل إلا بعدل" يريد به إذا كان محقًا في ذلك الحكم والتسليم.
(٣) وفي س "وذكر عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كتب".
(٤) وفي س "من" وفي م "فمن".
(٥) وفي س "وأوسعوا عليهم"
(٦) وفي س وفيه دليل على أن للقاضي أن يأخذ كفايته من بيت المال، ألا ترى أنه قال "وأوسعوا عليهم من الرزق" والدليل عليه ما روي عن أبي بكر - ﵁ - لما استخلف كان يأخذ الرزق من بيت المال، وعمر - ﵁ - لما استخلف كان يأخذ الرزق من بيت المال وعثمان - ﵁ - كان صاحب ثروة ويسار فكان يحتسب ولا يأخذ، وعلي - ﵁ - كان يأخذ، ولأنه محبوس بحق العامة، والحبس من أسباب النفقة، ولا يكون هذا أجرًا على القضاء لكن إنما يأخذ كفايته لأنه محبوس بحق، العامة فكان عاجزًا عن الكسب، ولو لم يأخذ كفايته لنفسه وعياله ومن يمونهم من أهله وأعوانه احتاج إلى أن يأخذ من أموال الناس فيأخذ الرشوة، وذلك حرام اهـ. قلت: وليس فيها ما ذكر هنا في الأصل بعد ذلك من نظير المرأة والمضارب.
[ ٨٠ ]
الزوج، والمضارب إذا سافر في مال المضاربة يستحق النفقة لهذا المعنى، لكن شرط الأجر (^١) لا يجوز، لأن القضاء طاعة، وأخذ الأجر على الطاعة حرام.
وذكر (عن زيد - ﵁ - أنه كان (^٢) يأخذ على القضاء أجرًا) ولم يرد به الأجر حقيقة، لأنا قد ذكرنا أنه لا يجوز، إنما أراد به الكفاية، لكن سماه أجرًا لتصوره بصورة الأجر [لأن "الأجر" مال يستحقه الأجير عوضًا عن عمله وصورة ذلك موجودة في رزق القاضي فسماه أجرًا لهذا] (^٣).
ثم ذكر (عن ابن أبي ليلى (^٤) قال: بلغني أن عليًا - ﵁ - رزق شريحًا خمسمائة درهم) يعني في كل شهر، لأنه كان كثير العيال فلا يكفيه أقل من ذلك.
ثم ذكر (عن الزهري قال: رزق رسول الله - ﷺ - عتاب بن أسيد - ﵁ - حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة، قال إسحاق بن الربيع قاضي المدائن (^٥): لا أدري ذهبًا أو فضة) قال ﵀ فإن كان ذهبًا فهو مال كثير، لأنّ الأوقية أربعون مثقالًا، وإنما رزقه (^٦) هذا القدر لأنّه استعمله واليًا وقاضيًا فكثر أعوانه وزادت مؤنته فلذلك زاد رزقه (^٦). ثم تكلّموا في أنه من أي مال رزق عتاب بن أسيد؟ ولم يكن في زمن رسول الله - ﷺ - بيت مال إنما حدث ذلك ووضعت الأموال في زمن عمر - ﵁ - (^٧)! قال بعضهم: رزقه من الفيء، (^٨)، وقال بعضهم: من مال أخذه من نصارى بني نجران، [وقال بعضهم: من مجوس هجر، وقال بعضهم: من يهود زهر، ويجوز رزق القاضي من الأخرجة والجزا] (^٩).
_________________
(١) كذا في الأصلين، والظاهر "بشرط الأجر" - والله أعلم.
(٢) وفي س "ذكر عن نافع قال: كان زيد بن ثابت - ﵁ -"
(٣) وفي س "فإنه يستحق ذلك لعمل يقيمه فأشبه الأجر".
(٤) وكان في الأصلين "عن أبي ليلى" والصواب ما في س.
(٥) وإسحاق هذا لعله في سند الحديث عند الخصاف، والشارح قطع أسناد أحاديث الكتاب اختصارًا واكتفاء على المتن، أو ذكر قوله تفسير أو هو من إشارة والله أعلم.
(٦) مكان ما بين الرقمين في س "لأنه ولاه مكة واستقضاه بها فكان قاضيًا وواليًا في الحديث دليل على أنه ينبغي أن يزرق القاضي من بيت المال ما يكفيه وأهله ومن يمونه ومن يكون من أعوانه"
(٧) وفي س ولم يكن يومئذ الدواوين وبيت المال، فإن الدواوين وبيت المال إنما ظهر في زمن عمر - ﵁ -.
(٨) زادت س "مما أفاء الله تعالى".
(٩) وفي س "أو من الجزية التي أخذها من مجوس هجر ويهود هوازن، فإن القاضي يرزق له من الجزية والأخرجة". قلت: وهوازن ليس له وجه وفي الأصفية "وهي"!.
[ ٨١ ]
وذكر (عن ابن سيرين أن عمر - ﵁ - (^١) رزق أبا موسى - ﵁ - ستة آلاف في السنة وهو على البصرة (^٢)، وأعطى عثمان بن أبي العاص أرضًا بالمدينة في عمالته) ويجوز عندنا للقاضي والإمام أن يقطعا (^٣) أراضي بيت المال لبعض العمال عوضًا عن عمله، يزرعها وينتفع بها، فإذا ترك العمل ردها (^٤).
وذكر (عن الشعبي عن مسروق أنه كان على القضاء ولا يأخذ رزقًا، وكان شريحًا يأخذ).
وذكر (عن القاسم عن عمر - ﵁ - (^٥) قال: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا ولا صاحب مغنمهم) (^٦) أما القاضي فلأن القضاء طاعة، وأخذ الأجر على الطاعة لا يجوز، وأما صاحب المغنم فهو الوالي ولا يجوز له أخذ الأجر على عمله بمنزلة القاضي لكنه يأخذ مما تحت يده وبقدر كفايته (^٧)، كالقاضي يطلب من الوالي كفايته لأن كل واحد منهما عامل لكافة (^٨) المسلمين.
ثم ذكر (عن هشام عن محمد أنه كان لا يرى بأسًا أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت مال المسلمين) (^٩) وهذا لما ذكرناه من المعنى، وينبغي أن يأخذ ما يكفيه لنفسه ولعياله وأعوانه، لأنه لو لم يفعل ذلك ربما تشره (^١٠) نفسه إلى أموال الناس فيرتشي.
_________________
(١) وسقط من س. قوله رزق أبا موسى إلى البصرة.
(٢) الشرح هذا في س بالمعنى.
(٣) وفي م "يقطعوا".
(٤) لم تذكر س هذا الأثر وإنما ذكرته في شرح رواية هشام على سبيل الحكاية.
(٥) وفي س "والقاسم ذكر عن عمر - ﵁ -".
(٦) وفي س "أجر بالشرط ولا صاحب مغنم".
(٧) وعبارة س في شرح هذا الأثر "أراد به أن لا يأخذ بالشرط وأراد بصاحب مغنم الوالي، وكما لا ينبغي للقاضي أن يأخذ على القضاء أجرًا لا ينبغي للوالي أيضًا لأنه عامل المسلمين كالقاضي، لكن لا بأس له أن يأخذ مقدار كفايته من غير شرط".
(٨) في م "لكفاية" كذا.
(٩) هذه الرواية مقدمة على الرواية الأولى في س وفيها "من بيت المال" وفيها من شرح الرواية "لأن القضاة من السلف قد ارتزقوا من بيت المال فلا بأس أن يرتزق في زماننا، وإن استعف وتنزه فذلك أفضل له، لأن القضاة من السلف منهم من ارتزق فمنهم شريح، ومنهم من استعف وتنزه فمنهم مسروق" وليس فيها معنى الشرح الذي ذكر في المتن (ي) أي رسم أو صورة وفي الحقيقة هي الكفاية.
(١٠) شره شرهًا وشراهة إلى الطعام وعليه: اشتد ميله إليه فهو شره وشرهان.
[ ٨٢ ]
قال (^١) صاحب الكتاب أبو بكر أحمد بن عمرو الخصاف (ولا بأس أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال لأنه عامل من عمال (^٢) المسلمين في مصالحهم) وقد جعل الله -﷿- لعامل الصدقة سهمًا لعاملية (^٣) أثبت له الرزق وشبهه بعامل الصدقات لأنّ كل واحد منهما يقوم بما يعود نفعه على المسلمين. قال صاحب الكتاب (ولما جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال "من استعملناه منكم على عمل فمن لم يكن له امرأة فليتزوج امرأة، ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادمًا، ومن لم يكن له مسكن فليتخذ مسكنًا) كل هذا جائز فعله للقاضي من المال الذي تحت يده ليحصل له كفاية عن غيره فإذا عزل ردّ المسكن والخادم لأنه كان له بحكم عمله فإذا ترك العمل رده (^٤) قال صاحب الكتاب (وقد رأينا (^٥) أبا بكر وعمر -﵄- فرضا لأنفسهما من بيت المال ما يغنيهما، (^٦) وعلى هذا أمر الأمة والناس) (^٧) قيل إن أبا بكر فرض لنفسه ثلاثة دراهم في كل يوم، وقيل درهمين وثلثي درهم، وعمر فرض لنفسه ما يكفيه، وأما عثمان فكان ذا ثروة لا يحتاج إلى مال بيت المال والله أعلم بالصواب (^٨).