ذكر (عن عبد الرحمن بن أبي سعيد (^٤) قال: رأيت عثمان بن عفان - ﵁ -
_________________
(١) وفي س "وذكر الطحاوي في مختصره خلافًا - إلخ".
(٢) وعبارة س في هذه المسألة وإلى آخر الباب: "ولا يقبل من الأجنبي إذا كان لا يهدى إليه قبل القضاء، وإن كان يهدى إليه قبل القاضي إن كانت له خصومة لا ينبغي أن يقبل، نصّ عليه الخصاف في آخر الباب الرابع عشر، وإن لم يكن له خصومة فإن كانت هذه الهدية مثل تلك الهدية أو أقل فإنه لا يقبلها لأنه لا يكون آكلًا بقضائه، وإن كانت أكثر ردّ الزيادة لأنه إنما زاد لأجل القضاء".
(٣) راجع المختصر المطبوع.
(٤) كذا في الأصلين، وفي س "عبد الرحمن بن سعد" وهو الصواب، وهو عبد الرحمن بن سعد المدني، مولى الأسود بن سفيان، ويقال مولى آل أبي سفيان، رأى عمر وعثمان، وروى عن أبيه ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبيّ بن كعب وعمر بن أبي سلمة المخزومي وعمرو بن خزيمة المزني، وعنه هشام بن عروة وابن أبي ذئب وأقرانهما روى له مسلم وأبو داود وابن ماجه، وذكره ابن حبان وغيره من الثقات. وأما "عبد الرحمن بن أبي سعيد" فهو أيضًا مدني، وأبوه أبو سعيد هو الخدري، روى عن أبيه عمارة بن حارثة الضمري وأبي حميد الساعدي وعنه ابناه ربيح وسعيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من أقرانه وسهيل بن أبي صالح وشريك وزيد بن أسلم وأمثالهم، روى له البخاري تعليقًا والخمسة، وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة - من تهذيب التهذيب ملخصًا، فعلم أنه ولد سنة ٣٥ فلم يلق سيدنا عثمان - ﵁ - لأنه ولد بعده، فالصحيح ما في س - والله أعلم.
[ ٧٢ ]
[جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان قال لهذا: ادع عليًّا! وقال لهذا: ادع طلحة والزبير] ونفرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -! فإذا جاؤوا فجلسوا قال لهما [يعني للخصمين] تكلّما! فإذا تكلّما أقبل عليهم فيقول: ماذا تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق قوله أمضاه عليهما (^١) ولا ينظر هو (^٢) بعد، فيقومان وقد سلما) أفاد الحديث فوائد، منها أنه لم يكن بين علي وعثمان إلّا جميل وخير خلافًا لما قاله بعض أهل الأهواء والبدع، ومنها أنه لا بأس بالقضاء في المسجد على ما مر قبل هذا، أو منها أنه لا بأس للقاضي بالاستفتاء من العلماء كما فعله عثمان - ﵁ - (^٣) ومنها أنه لا بأس بالمشورة، ألا تراه كيف كان يشاورهم (^٤)! وقوله "أمضاه عليهما" (^٥) لأنه صار إجماعًا منهم، والإجماع حجة ماضية، وقوله "ولا ينظر هو بعد" لأنه ظهر الحق ولاح العدل فلا يجوز تأخيره (^٦)، وقوله "فيقومان وقد سلما أي استسلما وانقادا للحق (^٧).
ثم ذكر (عن إسماعيل بن أبي خالد (^٨) قال: رأيت شريحًا جالسًا على القضاء في المسجد متعممًا بعمامة بيضاء قد ألقى طرفها بين كتفيه، عليه مطرف خز، ورأيت ناسًا من العلماء يجالسونه على القضاء منهم أبو عمر والشيباني والشعبي) أفاد الحديث فوائد، منها جلوس القاضي في المسجد على ما مر، ومنها أن السنّة للقاضي التعمم كما فعله شريح، وفي بعض المواضع جرت عادة القضاة بالتقلنس بقلنسوة كبيرة على هيئة مخصوصة، وكل ذلك لا بأس به (^٩).
_________________
(١) وفي س "قضى عليهما" كذا، وسيأتي عنها أيضًا لفظ "أمضاه عليهما".
(٢) وفي س "لا ينظرهم".
(٣) وفي س "ومنها أنه يجوز للقاضي أن يستفتي ويقضي بالفتوى".
(٤) وفي س "ومنها أن المشورة مستحسنة، ثم إنما يشاور إذا لم يكن وجه القضاء بيّنًا، أما إذا كان بيّنًا لا يحتاج إلى المشورة، وحديث عثمان - ﵁ - فمحمول على أن حكم الحادثة لم يكن بيّنًا".
(٥) وفي س "ثم قال: فإذا تكلّما يقبل عليهم، فإذا قالوا ما يوافق قوله أمضاه عليهما" قلت: فإذا الصواب في الرواية "أمضاه" دون "قضى" كما نقل ذلك قبل ذلك من س فلعلّه تحريف "أمضاه" - والله أعلم".
(٦) وفي س "لأن الحق قد ظهر والصواب قد تبيّن فلا يسعه التأخير، كما لا يسعه تأخير الفرائض".
(٧) وفي س "ثم قال: فيقول وقد سلما يعني استسلما وانقادا له".
(٨) إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأخمسي، أبو عبد الله الكوفي أحد الأعلام، كان أعلم الناس بالشعبي روى عن عبد الله بن أبي أوفى جحيفة وعمرو بن حريث، وعنه السفيانان وشعبة وغيرهم، روى له الستة، كان يسمى "الميزان"، قال العجل: ثقة، مات سنة ١٣٣ من الخلاصة.
(٩) وفي س وقد جرى الرسم في بعض الديار أن القاضي يتقلنس بقلنسوة، وذلك لا بأس به والعمامة أولى".
[ ٧٣ ]
ذكر (عن الأعمش قال [قال لي القاسم بن عبد الرحمن: لو أنك جئت فجلست إليّ] يعني في مجلس القضاء! قال: فجلست إليه، فاختصم إليه خصمان قال) الراوي (فأخذ الأعمش عليَّ (^١) فيه فقال: لأن قلت ذاك (^٢) لقد قال عبد الله - ﵁ -: إذا علم أحدكم فليقض وإلّا فليقر ولا يستحي) أفاد الحديث فوائد، منها أن القاضي إذا أراد أن يجلس معه الفقهاء فينبغي أن يسألهم ذلك من غير جبر عليه، ومنها أن الفقيه إذا جلس إلى القاضي فزلت قدمه فينبغي أن يقوّمه كما فعله الأعمش، لكنه جاهره بالرد لعلمه أن القاسم يغتنم ذلك منه ولا يكرهه، أما في زماننا هذا فلا ينبغي أن يجاهر القاضي بالرد عليه لأن ذلك يؤدي إلى الاستخفاف به والافتراء عليه وأن يزدري بين الخصوم، وقوله "لأن قلت ذلك لقد قال عبد الله" يحتمل أن يكون هذا قول الأعمش بأنه خاف (^٣) أن يخجل القاسم (^٤) من الرد عليه، وأنه لم يكن عالمًا فقال له "لا ينبغي أن يستحي" فقد قال عبد الله فيمن لم يعلم فليقر ولا يستحي، ويحتمل أن يكون ذلك قول القاسم للأعمش حين رد عليه (^٤) فيكون كأنه ظن أن الأعمش يراه قد يستحي عن ذلك فقال له القاسم هذه المقالة ليعرفه أني لم أستح من ردك لأني لا أعلم فأقر ولا أستحي (^٥) كما قال عبد الله، وهو الصحيح عندنا والله أعلم.
ذكر (عن إدريس (^٦) قال: رأيت محارب بن دثار [يقضي] والحكم وحماد أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ينظر إلى حماد مرة وإلى الحكم مرة والخصوم بين يديه) هذا الحديث يفيد ما أفاده ما تقدم ذكره من الأحاديث.
وذكر (عن معمر قال: كانوا يرون للأمير ما ليس للقاضي، الأمير يدني منه ويباعد منه، والقاضي ليس له ذلك - الحديث) يعني يسوي بين الناس في مجلسه وإنما كان كذلك لأن الأمير يحضره الناس للزيارة فله أن يُنزل الناس منازلهم ويوفي كل ذي فضل فضله، وأما
_________________
(١) وكان في الأصلين "عليه" والصواب "على" كما في س.
(٢) وفي س "ذلك".
(٣) من م، وفي الأصل "كأنه خاف" وفي س "بأن خشي منه القاسم".
(٤) ما بين الرقمين ليس في س.
(٥) وفي س بعد ذلك: "وأنا ابن عبد الرحمن أقرّ بالعجز ولا أستحيي".
(٦) وفي س "عن إدريس عن أبيه". وهو إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الزعافري، أبو عبد الله، وأخو داود، روى عن أبيه وعمرو بن مرة وأبي إسحاق السبيعي وطلحة بن مصرف وسماك بن حرب، وعنه ابنه عبد الله والثوري ووكيع وأمثالهم، روى له الستة. وأبوه يزيد أبو داود الأودي روى عن علي وأبي هريرة وعدي بن حاتم، روى له البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجه وهو الذي يروي عنه الإمام الأعظم أبو حنيفة كما في الآثار لمحمد بن الحسن، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان وفي الثقات - من تهذيب التهذيب ملخصًا. قلت: فإذن الصواب ما في س من زيادة قوله "عن أبيه".
[ ٧٤ ]
القاضي فالحضور عنده لأجل الخصومة، والتسوية بين الخصوم واجبة، فإذًا الحكم لا يدور على الإمارة والقضاء بل على المعنى الذي أشرنا إليه، حتى لو جلس الأمير لفصل الخصومات فعل ما يفعله القاضي، ولو جلس القاضي للزيارة يفعل ما يفعله (^١) الأمير (^٢).
ثم ذكر (عن ابن سيرين حديثًا مثل ذلك).
وذكر (عن علي - ﵁ - أنه نزل به ضيف فسأله علي [عن شيء قال]: ألك خصم؟ قال: نعم! قال: فتحوّل، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول "لا تضيفوا الخصم إلا مع الخصم") وهذا لأنه يتهم لأجل ذلك، والتحرز عن مواقف التهمة واجب.
(قال أبو حنيفة - ﵁ -: لا بأس أن يجلس القاضي معه من يثق بدينه وأمانته وفقهه) (^٣) أما التدين والأمانة فليؤمن معه وقوع الفساد، لأن مجلس القاضي يحضره النساء فمتى لم يكن الجليس أمينًا متدينًا لا يؤمن وقوع الفساد، وأما الفقه فليفد (^٤) جلوسه إلى القاضي (^٥) (ويكون قريبًا من القاضي بحيث يسمع كلامه وكلام من يحضره) فرق بين هذا وبين أعوان القاضي فإنهم يكونون على بُعد منه، وقد تقدم (^٦).
(ولا ينبغي له أن يشاورهم) يعني الفقهاء (بحضرة الخصوم في شيء مما يتقدم فيه) كيلا يعلم الخصم ما يدور بين القاضي وبين من يشاوره وما يعزم عليه رأيه (^٧) وقد ذكر قبل هذا عن عثمان - ﵁ - أنه شاور عليًا وطلحة والزبير -﵃- بمحضر من الخصوم (^٨)، وإنما كان كذلك لأن عثمان - ﵁ - كان يقضي في الصدر الأول الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالخيرية ووصفهم بالأمانة، (^٩) فكان تقدمهم إلى القاضي لاشتباه
_________________
(١) وفي الأصل "فعله".
(٢) والشرح هذا في س بالمعنى.
(٣) زاد في السعيدية بعد قوله وفقهه "في مجلس الحكم قريبًا منه حيث يسمعون كلامه وكلام من يحضر من الخصوم شرط ثلاثة أشياء: الديانة، والأمانة، والفقه" - وهو المتن الآتي بعد.
(٤) من م، وفي الأصل "فيفيد".
(٥) وفي س في شرح هذا القول هكذا: أما الديانة والأمانة فلأن مجلس القضاء تحضره امرأة شابة فلو لم يكن متدين أمينًا ربما يتمكن فيه فساد، وأما الفقه فلأن المقصود من المشورة إصابة الحق واستخراج الحكم وذلك إنما يتأتى بمشاورة الفقيه".
(٦) من قوله "فرق - إلخ" ليس هنا في س، والمتن هذا قدر فيها قبله كما نبهت عليه قبل ذلك.
(٧) بين المربعين من س.
(٨) وفي س "بمحضر من الخصوم".
(٩) وفي س مكان قوله "فكان تقدمهم" إلى آخر الشرح هذه العبارة: "وإنما تقع الخصومة فيما بينهم لاشتباه المحق من المبطل، فإنما يتقدّمان إلى القاضي ليتبيّن الحق من الباطل، فأما هذا الزمان فقد فسدوا واشتغلوا بالحيل =
[ ٧٥ ]
الأمر عليهم فإذا ظهر ذلك انقادوا له، أما في زماننا فقد فسد الزمان وخان الناس فلا يؤمن أن اتفقوا على ما يريد القاضي أن يقضي به فيحتالون لدفعه، فلذلك لا يشاور الفقهاء بحضرة الخصوم، ولكنه إذا أراد مشاورتهم ومناظرتهم فعل ذلك بعد ذهاب الخصوم من بين يديه لأنه أحوط.
(فإن كره القاضي أن يجلس معه غيره خوفًا من حصر يلحقه أو لأجل خصومتهم أو غير ذلك [لم يُجلس أحدًا] (^١)، جلس وحده إذا كان عالمًا بالقضاء) لأنهم قد يشغلونه عن القضاء، فله أن يجلس وحده (وإن لم يكن عالمًا به فالأولى له (^٢) مناظرة الفقهاء في أمره وما يرد عليه) لأنه أقرب إلى الصواب، قال (وإن يُجلس معه قومًا من أهل العفة أحب إلي) (^٣) لأنّه أبعد عن التهمة (^٤) والله أعلم.