ذكر (عن محمد بن سيرين أن شريحًا كان يسلم على الخصوم إذا جاؤوا) هذا (^٦) لأن السلام سنة فلا تمتنع عليه إقامتها بتقلد القضاء، كالصلاة على الجنازة وعيادة المرضى.
(قال أحمد بن عمرو) صاحب الكتاب (وإذا دخل القاضي المسجد فلا بأس بأن يسلم على الخصوم) يريد به سلامًا عامًا، قال ﵀ وهذا فصل اختلف فيه المشايخ، قال بعضهم: إن لم يسلم عليهم وسعه ذلك (^٧) لأنه أحفظ لمهابته وأقرب إلى حشمته، وعن هذا جرى الرسم أن الولاة والأمراء إذا دخلوا على الرعية لا يسلمون عليهم (^٨) لأنه أهيب وأعظم، (^٩) وإلى هذا القول مال صاحب الكتاب فإنه قال "لا بأس بأن يسلم على الخصوم" ولفظة "لا بأس" إنما يستعمل فيما الأولى تركه أو فيما ليس الأولى فعله، وقال بعضهم: لا
_________________
(١) وفي س "فإن رشا الطالب ولد القاضي أو كاتب القاضي".
(٢) وفي س "بعد قوله واحدًا إلى آخر المتن من ناحية القاضي على أن يعينه عند القاضي ليقضي له وهو حق له فقضى القاضي وهو لا يعلم ذلك فالطالب آثم بما صنع والقابض معاتب وهو حرام".
(٣) لفظ س في شرح قوله فأخذ ما يأتي: "لأن القاضي لم يصر مستأجرًا على القضاء لأنه لم يأخذ الرشوة فنفذ قضاؤه بخلاف ما تقدم".
(٤) وفي س "قال: ولا ينبغي للقاضي أن يقبل من أحد هدية إلا من رجل كان يهاديه قبل أن يلي الحكم، وقد مر هذا الفضل في آخر الباب السابع". قلت: وهذا الذي أشار إليه في المتن هنا بقوله "ذكر بعد هذا إلخ" وهذا هو الذي أشار إليه في أول الباب، وكذلك أشارت إليه على ما نقل بهامش، الكتاب قبل ذلك.
(٥) لفظ الباب ساقط من النسختين ثابت في س فزيد منها.
(٦) اسم "هذا" ليس في م وس.
(٧) وفي س "إن سلم عليهم فلا بأس له، وإن ترك وسلم ذلك".
(٨) وفي س ومن هذا قال بعض مشايخنا: جرى الرسم أن الناس متى دخلوا على الولاة والأمراء لا يسلمون عليهم، وهم لا يسلمون على الناس".
(٩) وفي س "لتبقى الهيبة وتكثر الحشمة، فإن ترك وتأول هذا فلا بأس به".
[ ٩٥ ]
يسعه ترك (^١) السلام، كما لا يسع غيره، وهو في حقه سنّة على الوجه الذي هو في حق غيره، وكذلك الأمير والوالي لأنّه سنّة على الإطلاق فلا يتغير بتقلد أمر من الأمور.
(فلو أن القاضي جلس مجلس الحكم فدخل عليه الخصوم (^٢) لا يسلم عليهم) لأنه جلس لفصل الخصومات لا للزيارة؛ وعلى هذا المذكر، له أن لا يسلم على القوم لأنه لم يجلس للزيارة، فإن سلما فلا بأس (وكذلك القوم لا يسلمون على القاضي) لأنّهم جاؤوا طالبين فصل الخصومات لا للزيارة. قال ﵀: وعلى (^٣) هذا قال بعض أصحابنا: جرى الرسم أن الرعية متى دخلوا على الأمير والوالي لا يسلمون؛ ألا إن هذا ظن خطأ، والصحيح هو الفرق بين القاضي والأمير، وأنهم يسلمون على الأمير دون القاضي، لأن القاضي لم يجلس للزيارة، ولهذا لا تمييز في الداخلين عليه ويجب عليه التسوية بينهم لأنه جلس لفصل الخصومات، وليس كذلك الأمير فإنه جلس للزيارة ولهذا جاز تمييز الداخليين عليه، فافترقا (^٤).
(فلو أنهم سلّموا عليه مع أنه لا ينبغي لهم ذلك هل يرد عليهم قال بعضهم يرد عليهم) لأن جواب الفرض فرض (وقال بعضهم له أن لا يرد عليهم وهو اختيار صاحب الكتاب فأنه قال (فلا بأس بأن يرد عليهم) وقد ذكرنا لفظة لا بأس لا يستعمل في واجب ولا مندوب وقال (^٥) بعضهم لأن جواب السلام إنما يستحق إذا كان في أوانه وهذا ليس في أوانه فلا يستحق جوابه كالمسلم على المصلي لا يستحق الجواب قال الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل وعن هذا قالوا المدرس إذا كان مشغولًا بالتدريس فدخل إنسان فسلّم عليه فله أن لا يرد عليه لأنه جلس للتعليم لا للزيارة والتسليم وإن ردّ فلا بأس به (^٦) على ما ذكره صاحب الكتاب (قال ولا ينبغي للقاضي أن يكلم أحد الخصمين بشيء إلا بشيء مما هو فيه ولا ينظر إلى أحدهما دون الآخر) فإن في ذلك مكسرة لخصمه فربما يذهب فيضيع حقه
_________________
(١) وفي س "لا يسعه الترك، لأنه سنة فلا يسعه ترك السنة بسبب تقلد العمل".
(٢) وفي س هذا هو الكلام وقت الدخول فأما إذا جلس ناحية من المسجد للفصل والحكم.
(٣) في الأصل "عن".
(٤) هذا القول من قوله قال ﵀ في س مذكور بمعنى ما هاهنا.
(٥) وكان في الأصل ولهذا لأن جواب السلام فرض ولا يصح هذا القول والصحيح ما في ص وهذا قال بعضهم إلخ - وفي س لأن الردّ جواب والسلام إنما يستحق الجواب إذا كان في أوانه وأما إذا كان في غير أوانه لا ألا ترى أنه لو سلم على المصلي إلخ.
(٦) وزادت س بعد ذلك مسألة المذكر إذا جلس للذكر وقد مرت في نسختنا هذه قبل ذلك.
[ ٩٦ ]
ويكون ذلك مضافًا إلى فعل القاضي وهو ناظر للمسلمين والتضييع لا يليق بحال الناظر (^١) والله أعلم.