ذكر (عن فرات بن أحنف عن أبيه (^٣) أن رجلًا رفع إلى شريح قصة فقال إنّا لا نقرأ الكتب) وهذا فصل مختلف فيه بين العلماء منهم من قال لا ينبغي للقاضي أن ينظر في القصص (^٤) لأنه يكسر قلب خصمه ويضعفه لأن القصة يبالغ فيها ويذكر ما لم يكن وكل ما كان سببًا لضعف قلب أحد الخصمين لا ينبغي للقاضي أن يفعله وشريح ممن كان يرى هذا القول وقال بعضهم لا بأس للقاضي أن ينظر في القصص وهو مذهبنا لكن في غير مجلس القضاء بأن كان في داره أو في موضع آخر غير مجلس القضاء فأما إذا كان جالسًا مجلس القضاء فلا ينبغي أن يفعل ذلك لأنه يشغله عما جلس لأجله وإنما قلنا ذلك لأن الخلفاء الراشدين والأمراء المهديين كانوا ينظرون في القصص وهذا لأنه قد يكون المرء أعجميًا لا يعرف القاضي لسانه وقد يكون حييًا لا يقدر على بيان مقصوده وهكذا كان المذهب لشريح وما روي عنه كان محمولًا على أنه كان جالسًا مجلس القضاء وهكذا المذهب عندنا على ما ذكرناه (^٥) ذكر (عن ابن سيرين قال كان شريح إذا سئل كيف أصبحت يقول أصبحت وشطر
_________________
(١) وعبارة س في شرح هذا القول هذه لأن القاضي إنما يصير قاضيًا إذا بلغ الموضع الذي قلد فيه القضاء ألا ترى أن الأول لا ينعزل ما لم يبلغ هو البلد الذي قلد فيه القضاء فكان هو في ذلك المكان بمنزلة واحد من الرعاية فلا يقبل البينة اهـ ولم تذكر قوله أما الواحد من الرعية إلخ.
(٢) لفظ الباب ساقط من النسختين موجود في س.
(٣) فرات بن أحنف عن أبيه ضعفه النسائي وغيره وهو من غلاة الشيعة قال ابن نمير كان من أولئك الذين يقولون علي في السحاب حدث عنه عبد الواحد بن زياد انتهى وقال أبو حاتم الرازي كوفي صالح الحديث وقال العجلي ثقة وقال عباس عن يحيى ثقة وقال أبو داود ضعيف تكلم فيه سفيان وذكره ابن شاهين في الثقات وذكره ابن حبان في الضعفاء فقال كان غاليًا في التشيع لا تحل الرواية عنه ولا الإحتجاج به كذا في لسان الميزان - ومثله في تعجيل المنفعة وأما أبوه فهو أبو بحر أحنف بن مسرح الهلالي الكوفي وقال وكيع عيسى رأى أنس بن مالك وروى عن شريح وعبد الله بن بشر الهلالي وربعي بن حراش وعنه ابنه فرات والمسعودي وشعبة قال ابن معين ثقة وقال أبو حاتم أدرك الجاهلية وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال روى عن ابن مسعود - كذا في تعجيل المنفعة نقل بالاختصار مع تقديم وتأخير.
(٤) وفي س يأخذ في القصة أفردت القصة في شرح الحديث لما ذكرتها وكذلك ذكرت الأخذ مكان النظر والشرح مذكور فيها بالمعنى.
(٥) وفي س وشريح إنما لم يأخذ لأنه جلس مجلس القضاء لما تبين في الحديث الثاني.
[ ٩٩ ]
الناس علي غضبان وفي رواية غضاب) (^١) وأراد بالناس الخصوم وبالشطر القريب من الشطر لا حقيقة الشطر وهو النصف لأن من الخصوم من يميل إلى الصلح فيقومان شاكرين راضيين ومنهم من يكون متدينًا ورعًا إن قضى عليه ينقاد ويستسلم ولا يغضب لكن الغالب ممن يقضى (^٢) عليه أنه يغضب على القاضي (^٣) ذكر (عن الشعبي وابن سيرين أن شريحًا كان يجيز الاعتراف في القصص وفي رواية أخرى إنه كان لا يجيز الاعتراف في القصص) وهذا فصل مختلف فيه (^٤) فمذهب شريح أنه يكون اعتراف الخصم في القصة اعترافًا فكان إذا رفعت إليه قصة قال لرافعها هذه قصتك فإذا قال نعم قال أنت كتبتها فإذا قال نعم قال والأمر على ما فيها فإذا قال نعم نظر فإن كان فيها اعترافًا (^٥) أجازه حتى لو أنكر الخصم بعد ذلك لا يسمع إنكاره ولكن المذهب عندنا أنه لا يكون اعترافًا حتى لو أقر في القصة ثم أنكر قبل إنكاره لجواز أن الكاتب كتبه والخصم لا يعلم به ولجواز أن الخصم كتبه سهوًا أو غفلة من غير تأمل ولجواز أنه كتبه لكن القاضي يقرأ القصة عليه ويعرفه ما فيها ويسأله عن ذلك فإن قال هو كذلك كان هذا إقرارًا منه حينئذٍ كسائرِ الأقارير وإلّا فلا ثم قد ذكرنا أن المروي عن شريح في ذلك روايتان فعلى الرواية الثانية أنه كان لا يجيز الاعتراف في القصص من ذهب إلى أن شريحًا كان يأخذ القصص وتأوّل الحديث الأول فحمله على أنه كان في مجلس القضاء لا يحتاج إلى تأويل الحديث الثالث لأنه يقول كان يأخذ القصص ولا يرى الاعتراف فيها كما هو مذهبنا على ما حكينا وإن كانت الرواية عن شريح هي الأولى وهي أنه كان يجيز الاعتراف فى القصص وهي الأصح عنه فمن أَجْرى الحديث الأول على ظاهره وقد كان لا يرى أخذ القصص فإنه يحتاج إلى التلفيق بين ذلك الحديث وبين هذة الرواية لأنه إذا كان لا يأخذ القصص فكيف يرى الاعتراف فيها وتأويله أنه كان لا يأخذ القصص إلّا من شخص خاص وهو من علم حياؤه وعجزه عن بيان مقصوده بين يديه وإذا أخذ القصة من هذا الوجه رأى اعترافه فيها اعترافًا وهذا مذهبه على هذا القول ما قاله أصحابنا ﵏ أن التوكيل بغير رضا الخصم لا يجوز على قول أبي حنيفة - ﵁ - وعلى قول صاحبيه يجوز قالوا فإن كان القاضي يتهم الموكل بالتدليس والتلبيس ينبغي أن يأخذ بمذهب أبي حنيفة - ﵁ - وإن كان الموكل
_________________
(١) وفي س ويروى وشطر الناس على غضاب.
(٢) وفي ص قضي.
(٣) وزادت س ول الحديث على التحذير عن الدخول في القضاء.
(٤) وكان في الأصلين اعترافًا والصواب اعتراف وفي س ذكر هذا بالمعنى.
(٥) الشرح هذا إلى آخر الباب ذكر في س بمعنى ما هاهنا.
[ ١٠٠ ]
رجلا حييًا أو ذا حشمة يتضع قدره بالحضور للخصومة فينبغي أن يأخذ بمذهب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله نظرًا للناس بقدر الإمكان والله أعلم.