ذكر عن ابن عبَّاس -﵂- قال قضي رسول الله - ﷺ - باليمين علي المدّعي عليه) معناه شرعها في حقه وهذا منه - ﵁ - إشارة إلى أحد شيئين إما إلى الحديث المشهور وهو ما رواه ابن عبَّاس -﵄-، وعبد الله بنُ عمرو بنُ العاص -﵄- عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال البينة على المدعي واليمين على من أنكر أو يكون إشارة إلى القصة المعروفة وهو ما روي أن كنديًا خاصم حضرميًا إلى رسول الله - ﷺ - فقال [الكندي (^٨) بينتك
_________________
(١) زيادة من ص.
(٢) وفي س قوله البادي أظلم يعني لطمك حيث أفشيت سرك إليه وما ينبغي لك أن تفشي سرك إلى غيرك وقد كنت ضربته لأنه أفشى سرك فلطمك لأنك أفشيت سرك أولًا والبادي أظلم.
(٣) وفي س أي انصحهما.
(٤) وفي س ذكر عن عبد الله بنُ المبارك.
(٥) وفي ص في مسجد الجامع بالإضافة وفي س بعد قوله في منزله أراد به أحد الخصمين أما إذا كان الخصمان معًا لا بأس بأن يدخلا عليه.
(٦) وفي س يكره للقاضي من هذا.
(٧) وفي س بعد قوله مكسرة لخصمه فإما إذا لم يكن له خصومة فلا بأس بأن يأذن له القاضي في الدخول عليه للسلام أو لحاجة تعرض.
(٨) يحيى بن يعمر بضم الميم وفتحها القيسي الجدلي بفتح الجيم العدواني البصري روى عن أبي ذر وأبي هريرة وعلي وعمار وعائشة وابن عبَّاس -﵃- وعنه ابن بريدة وعكرمة وقَتَادة وسليمان التيمي روى له الستة وثقه أَبو حاتم والنَّسائي مات قبل التسعين بخراسان من الخلاصة وغيرها.
[ ١٠٦ ]
أو يحلف فكان قول ابن عباس -﵄- قضى رسول الله - ﷺ - بذلك إشارة إلى أحد هذين (^١).
ذكر (عن عبد الله بنُ مسعود - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ - من حلف على يمين [وهو فيها فاجر] (^٢) يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تعالى تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية) هذه اليمين تسمى غموسًا وتسمى يمين صبر وتسمى فاجرة وسميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في [المأثم] (^٣) والنار وسميت يمين صبر من أحد معنيين أحدهما أن الصبر هو المنع فكأنها منعت صاحبها عن دخول الجنَّةَ والثاني أن الصبر هو الحبس فكأنها حبست صاحبها على العذاب ومنها المصبورة للهدف وسميت فاجرة لأن الحالف بسببها يصير فاجرًا وإلَّا فاليمين نفسها لا تكون فاجرة وأما الآية فالصحيح عندنا أنَّها نزلت في حق اليهود والمنافقين الذين كانوا يستحلون أموال المسلمين بالإيمان والآية لا تتناول المسلم لأن من مات على الإيمان من أهل الكبائر فالله -﷿- يعذبه على ذنبه ثم يدخله الجنَّةَ بإيمانه إن شاء وإن شاء عفا عنه والدليل على هذا ما روي عن الأشعث بنُ قيس - ﵁ - فإنه لما سمع حديث ابن مسعود (^٤) قال في والله نزلت كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ - ألك بينة فقلت لا فقال لليهودي احلف قال قلت يا رسول الله إذا يحلف فيذهب بمالي فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية (^٥).
وذكر بعد ذلك (عن الأشعث بنُ قيس) وكان كنديًا (قال (^٦) كان بين رجل منا وبين رجل من الحضرميين يقال له الخفشيش (^٧) خصومة في أرض فاختصما إلى النبي - ﷺ - فقال ﵊ بيّنتك أو تحلف قال إن شان أرضي أعظم من ذاك أن لا يحلف عليها فقال النبي - ﷺ - إن يمين المسلم من وراء ما هو أعظم من ذلك فلما ذهب يحلف قال رسول الله - ﷺ - من حلف كاذبًا أدخله الله النار قال فقال الرجل أصلح بيني وبينه) قوله يمين المسلم من
_________________
(١) بين المربعين زيادة من ص والشرح هذا في س بالمعنى.
(٢) بين المربعين زيادة من س.
(٣) زيادة من س.
(٤) وفي س حين سمع قول ابن مسعود - ﵁ - من حلف على يمين وهو فيها فاجر قال في والله الحديث.
(٥) زاد في س فائدة الحديث أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
(٦) وفي س ذكر عن عامر الشعبي قال قال الأشعث بنُ قيس قال الحديث.
(٧) وفي ص الخفشيش وفي س الخشيش.
[ ١٠٧ ]
وراء ما هو أعظم من ذلك يعني أن ما يلحقه من الإثم ويصيبه من الوبال بالحلف كاذبًا أعظم من فوت المدعي حقيرًا كان أو خطيرًا وأفاد الحديث إنه ينبغي للقاضي عند تحليف الخصم أن يذكر الوعيد في اليمين الكاذبة ربما يخاف الخصم فلا يحلف ألا تراه كيف امتنع عن اليمين حين سمع الوعيد من رسول الله - ﷺ - ذكر (عن كردوس (^١) الثعلبي عن الأشعث بنُ قيس - ﵁ - قال اختصم رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي - ﷺ - فقال الحضرمي يا رسول الله أرضي في يد هذا اغتصبها أَبوه فقال [الكندي] (^٢) أرضي في يدي ورثتها عن أبي فقال رسول الله - ﷺ - ألك بينة يا أخا حضرموت فقال لا يا رسول الله ولكن خذ لي يمينه ما يعلم إنها أرضي اغتصبها أَبوه فتهيأ الكندي ليحلف فقال رسول الله - ﷺ - من اقتطع مالًا بيمينه لقي الله تعالى وهو أجذم فلما سمع الكندي كف عن اليمين وأعطاه الأرض) قوله اجذم فيه قولان أحدهما قال بعضهم مقطوع اليد لأن الأجذم في اللغة هو مقطوع اليد وقال بعضهم وهو الأصح معناه مقطوع الحجة في الإقدام على اليمين الباطلة وهذا مثل الخبر الآخر عنه - ﷺ - من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم أي مقطوع الحجة في الترك بعد الحفظ (^٣) وقد أفاد الحديث أنَّه ينبغي للقاضي أن يذكر الوعيد عند التحليف ليخافه المدّعى عليه فيمتنع عن اليمين ذكر (عن طلحة بنُ عبد الله بنُ عوف (^٤) قال أمر النبي - ﷺ - مناديًا فنادى (^٥) حتَّى بلغ الثنية لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين وإن اليمين على المدعي عليه) الثنية اسم موضع يبعد من عمرانات المدينة فكان المنادي رفع صوته حتَّى بلغ إلى ذلك الموضع وفيه أن شهادة الخصم لا تقبل لأنه متهم فإن الخصم يتهم على خصمه بالكذب والظنين بالظاء وهو المتهم وبيان حقيقة التهمة وموضعها قد مرّ [شرحه في كتاب عمر إلى موسى الأشعري -﵄-] (^٦) في الباب الخامس من هذا الكتاب وقوله وإن اليمين
_________________
(١) وفي الخلاصة كردوس بنُ العباس أو ابن هانئ الثعلبي بمثلثة عن ابن مسعود وأبي موسى وعنه أَبو وائل وزياد بنُ علاقة وثقه ابن حبان له عندهم حديثان قلت روى له البخاري في الأدب وأَبو داود والنَّسائي وفي س التغلبي بالتاء المثناة فوق والغين المعجمة وكذلك ذكره في تهذيب التهذيب عن ابن معين وقال فيه روى عن أشعث وحنيفة والمغيرة وأبي مسعود وعائشة -﵃-.
(٢) بين المربعين زيادة من س.
(٣) لفظ س للحديث ولشرحه من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم مقطوع اليد والأصح مقطوع الحجة يعني لا حجة له عند الله تعالى في تعلم القرآن ثم ترك القراءة حتَّى نسيه.
(٤) وفي الخلاصة طلحة بنُ عبد الله بنُ عوف الزُّهْريّ أَبو عبد الله المدني قاضيهما المعروف بطلحة الندى عن عمه عبد الرحمن بنُ عوف وعثمان وابن عبَّاس وعنه الزُّهْري وأَبو الزناد وثقه ابن معين والنَّسائي وابن سعيد زاد مات سنة سبع وتسعين وقال ابن عدي سنة تسع قلت روى له الستة إلَّا مسلمًا.
(٥) وفي س ينادي.
(٦) بين المربعين زيادة من س.
[ ١٠٨ ]
على المدعى عليه أفاد أن جنس كل الإيمان حجة المدعى عليهم لأن الألف واللام لاستغراق الجنس فصار الحديث حجة لنا على الشَّافعي رحمه الله تعالى في مسألة القضاء بشاهد ويمين. ذكر (الأعمَش عن الحسان أبي الأشرس (^١) عن شريح أنَّه أتاه رجل فقال إن هذا باعني جارية ملتوية العنق فقال شريح بينتك أنَّه باعك بهذه وإلّا فيمينه بالله ما باعك داء) أفاد الحديث أن العيب كان قائمًا عند الدعوى حتَّى سمع شريح دعوى المشتري لأنه لو لم يكن قائمًا لا يسمع دعواه وأفاد الحديث القول فيما يحدث مثله من العيوب قول البائع لأنه منكر حقيقة وأفاد أنَّه يستحلف البائع لأنه تقرر في الشرع أن كل من كان القول قوله كان ذلك مع يمينه على ما عرف في غير موضع وقوله ما باعك داء أي مبيعًا فيه داء لأن نفس الداء لا يباع (^٢) كما يكتب في الصكوك بيع المسلم من المسلم أي البيع الذي يعتاده المسلم من المسلم لا غش فيه ولا خيانة. [ذكر (عن عمران بنُ حصين -﵄- أنه قال أمر رسول الله - ﷺ - بشاهدين على المدعي واليمين على المدعى عليه) ولم يرد به أن الشاهد واليمين على المدعى عليه وإنَّما المراد به تقسيم الحجة يعني البينة في جانب المدعي واليمين في جانب المدعى عليه ما ورد به الحديث المعروف مفسرًا (^٣) (قال أحمد بنُ عمرو الخصاف إذا تقدم الرجلان إلى القاضي فينبغي للقاضي أن يقبل على المدعي) وهو صاحب الرقعة (فيسأله عن دعواه وقد ذكرنا أن هذا فصل مختلف (^٤) فيه بين المشايخ إنه هل يبتدئ القاضي بالسؤال أم لا وقد مر ذلك في الباب السابع من هذا الكتاب واختيار صاحب هذا الكتاب أن القاضي يسأله (ثم) هل (يسأل المدعى عليه) فيقول ماذا يقول فهو على الاختلاف واختيار صاحب هذا الكتاب أن القاضي يسأله عن الجواب (فإن أقر (^٥) يثبت ذلك في رقعته ويجعله في ديوانه) لأنه ربما يحتاج إليه في أثناء القضاء (إن أنكر) هل (يقبل على المدعي فيقول له قد أنكر ما ادّعيت) هذا أيضًا على الاختلاف المتقدم واختيار صاحب
_________________
(١) وفي س حسان بنُ أبي الأشرس وكلاهما صحيح قال في الخلاصة حسان بنُ أبي الأشرس الكاهلي مولاهم أَبو الأشرس عن سعيد بنُ جبير وعنه منصور والأعمش وثقه النسائي اهـ.
(٢) وفي س ما باعك داء والمراد منه الجارية وبها داء أي عيب بها لأن الداء لا يباع وهذا كما يكتب في الصك إلخ قلت وكان في الأصل ذا اسم الإشارة وليس بصواب وفي س عند ختم المتن وبها داء فلفظ بها شرح أو زاده الناسخ والله أعلم.
(٣) وكان في الأصلين فضلا مختلفًا بالنصب وليس بصواب وفي س وهذه مسألة اختلف المشائخ فيها ورأى صاحب الكتاب أنَّه يسأل اهـ.
(٤) وفي س فإذا أقر يثبت ذلك في رقعته.
(٥) وفي س وإن أنكر أثبت إنكاره في الرقعة وجعل في ديوانه فإذا أنكر هل يسأل المدعي ويقول قد أنكر ما ادعيت اهـ.
[ ١٠٩ ]
الكتاب أنَّه يقبل عليه ويسأله (فإن قال المدّعي استحلفه فيبغي للقاضي (^١) أن يسأله فيقول ألك بيّنة فإن قال نعم لي بينة حاضرة [قال أَبو حنيفة - ﵁ - لا أحلفه وقال أَبو يوسف ومحمد رحمهما الله] (^٢) يحلفه) فكانت المسألة على الاختلاف فالقاضي بعد ذلك بالخيار إن شاء مال إلى قول أبي حنيفة - ﵁ - وإن شاء مال إلى قولهما فخلفه كما في التوكيل بغير رضى الخصم (^٣) عند أبي حنيفة ﵀ لا يلزم وعندهما يلزم فالقاضي بالخيار إن شاء مال إلى قول أبي حنيفة - ﵁ - فأخذ به وإن شاء مال إلى قولهما فأخذ به (قال وإن قال لا بيّنة لي (^٤) أصلًا أو قال لا بيّنة لي حاضرة أو رأى القاضي تحليفه مع قول المدّعي لي بينة قال له إن المدعي يريد يمينك فإذا قال أنا أحلف قال له قل والله (^٥) الذي لا إله إلَّا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطالب الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية ما لفلان ابن فلان هذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا ولا شيء منه) قال ﵀ إذا أراد القاضي تحليف المدعى عليه غلظ عليه في اليمين إن شاء وإن شاء لم يغلظ فإن اختار التغليظ ينبغي أن ينظر للمدعي عليه حتَّى لا يتكرر يمينه لأنه إذا قال والله الرحمن الرحيم كان حالفًا يمينًا واحدة وإذا قال والله والرحمن الرحيم كان حالفًا ثلاثة أيمان والمستحق عليه يمين واحدة فلا يجوز أخذه بزيادة على ما يستحق عليه ثم الكلام في أصل التغليظ وفي وصفه أما أصل التغليظ فيعرف بمعرفة أصل اليمين فمتى عرفت أصل اليمين فما زاد على ذلك فهو تغليظ وأصل اليمين قوله والله ما له علي ما يدعيه وهو كذا ولا شيء منه فما زاد على هذا (^٦) من ذكر أوصاف الله -﷿- فهو تغليظ وأما صفة التغليظ فما ذكره صاحب الكتاب من الألفاظ التي حكيناها والقضاة في صفة التغليظ بالخيار يزيدون ما
_________________
(١) وزاد في س شرح قوله حاضرة يريد به في المصر لا في مجلس القاضي ولكن استحلفه اهـ.
(٢) وفي س وقال أَبو حنيفة لا يجبيه ولا يستحلفه وقال أَبو يوسف يجيب ويستحلفه وقول محمد مضطرب اهـ.
(٣) زاد في س بعد قوله رضي الخصم إذا وكل وليس به عيب المرض والسفر فالقاضي يجتهد وقد مرت هذه الفصول في الباب السابع.
(٤) وفي س بعد قوله لا بينة لي أو قال شهودي غيب فإنه يحلفه القاضي وإذا حلفه القاضي في كل موضع حلفه إن شاء غلظ في اليمين وإن شاء لم يغلظ لكن ينبغي أن يتأمل حتَّى لا يكرر عليه اليمين فإنه متى حلفه بالله الرحمن الرحيم كان يمينًا وإذا حلفه بالله والرحمن والرحيم تكون ثلاثة أيمان والمستحق عليه يمين واحد وصفة التغليظ ما ذكره صاحب الكتاب أن يقول له قل بالله الذي إلخ قلت بعض هذا ذكره في نسختنا بعد المتن ففي الشرح تقديم وتأخير.
(٥) وكان في الأصل المدني هو الله والصواب والله كما في الأصل الاصفي أو بالله في الأصل السعيدي.
(٦) وفي ص على هذا.
[ ١١٠ ]