ذكر حديث معاذ - ﵁ -، وقد مرّ، وهو (^٣) يشتمل على فوائد (^٤)، منها أن السلطان إذا أراد تقليد رجل عملًا فينبغي أن يمتحنه في بعض أعماله ليعرف هدايته وحذاقته في ذلك، ألا ترى أن الرسول صلوات الله عليه سأل معاذًا عن بعض أعماله فقال له بمَ تحكم (^٥) فقال معاذ بكتاب الله.
ومنها أن الكتاب لا يشتمل على جميع الحوادث ردًا على أهل الظاهر حيث قالوا: الكتاب محيط بكل الأحكام، واعتمدوا قول الله -﷿- ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ولكنا نحتج بحديث معاذ فإنه قال "فإن لم تجد في كتاب الله" والكتاب المبين عندنا اللوح المحفوظ.
ومنها أن جميع الأحكام لا توجد في السنّة، ألا تراه كيف قال "فإن لم تجد في سنة رسول الله"! وفيه دليل على فضيلة معاذ - ﵁ - حيث جوّز له الاجتهاد في زمن
_________________
(١) و(^٢) ما بين الرقمين سقط في م، وهنا تعبير س هكذا "فمضى برأي غيره ثم ظهر للقاضي رأي بخلاف ما قضى هل ينقض قضاؤه؟ اختلف أبو يوسف ومحمد فيما بينهما - إلخ".
(٢) أي قول محمَّد. ومن هنا إلى آخر الباب ساقط من س.
(٣) وفي س "بدأ الباب بحديث معاذ - ﵁ - وهو - إلخ".
(٤) وفي س منها أنه ينبغي للإمام إذا قلّد إنسان عملًا أن يختبره ببعض ما يكون من عمله ليعرف أيصلح لذلك العمل ويهتدي إليه أم لا، كما فعل رسول الله - ﷺ - فإنه اختبر معاذًا حيث قال له بم تقضي يا معاذ الحديث".
[ ٢٢ ]
رسول الله - ﷺ -، وهذا فصل مختلف فيه بين أهل العلم، وفيه أقاويل ثلاثة (^١): الأول أنه لا يجوز الاجتهاد في عصر الرسول ﵊ مطلقًا، لأنّه أمكن معرفة الحكم من جهته وذاك نص فيكون الاجتهاد واقعًا في محل النص: وهو مردود، والثاني أنه يجوز الاجتهاد لمن بعد عن حضرة الرسول - ﷺ -، ولا يجوز لمن كان بحضرته وقربه، والثالث جوازه مطلقًا، وعليه اعتمادنا، ودليله حديث معاذ فإنه جوز له الاجتهاد مطلقًا والدليل عليه ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال لأبي بكر وعمر -﵄- قولًا: "فإني فيما لم يوح إلي مثلكما" [فدل أن للصحابي أن يجتهد في زمن رسول الله - ﷺ -] (^٢)، وهذا الفصل ربما بُني على فصل آخر يختلف فيه، وهو أن الرسول ﵊ هل هو يحكم بالإجتهاد أم لا، قال بعضهم: لا، لأنه قادر على تعريفه من جهة الوحي؛ وقال بعضهم: ما لم يوح إليه فيه فهو متعبد فيه بشرائع من قبله على الحد الذي عرف في أصول الفقه، وقال بعضهم: كان يحكم بالاجتهاد مطلقًا لكن بعد انقطاع طمعه في زوال الوحي في تلك الحادثة على اعتبار العادة فإذا كان تأنّى وانتظر ثم أيس عن الوحي حكم بالاجتهاد وصار ذلك شريعة له، فإذا جاء نص بعده بخلافه كان نَسْخًا (^٣) لذلك الحكم لا بيانًا أنه لم يكن فلا ينقض ما أمضى به، لكن يستأنف الحكم في المستقبل على حسب ما يوجبه النص، وفي الحديث أنّ رسول الله - ﷺ - قال "الحمد للُه الذي وفق رسول رسوله (^٤) " عدّ الرسول - ﷺ - صلاح معاذ نعمة من الله تعالى في حقه حتى شكر الله تعالى عليه، وهو تنبيه (^٥) على أنّ السلطان ينبغي أن يعد صلاح عماله نعمة عليه، وكذا صلاح الزوجة وصلاح المملوك والولد كل ذلك نعمة من الله -﷿- فيجب مقابلتها بالشكر (^٦).
ثم ذكر حديث معاذ أيضًا وزاد فيه "بسنّة رسول الله وما قضى به الصالحون" قوله "الصالحون" قيل: مراده الأنبياء والرسل، وذلك شرع من قبلنا، وقيل: أبو بكر وعمر
_________________
(١) وفي س "وهذا فصل اختلف فيه العلماء أن الصحابي هل له أن يجتهد في زمن رسول الله - ﷺ -، اختلفوا فيه على ثلاثة أوجه - إلخ".
(٢) بين المربعين زيادة من س.
(٣) زيد في س "ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا".
(٤) زادت س "بما يرضى به رسوله".
(٥) وفي س "وهذا دليل" (على) من س.
(٦) وتعبير س في هذه المسألة أحسن مما في ص، م: "وكذا ينبغي للزوج أن يعد صلاح الزوجة من نعم الله تعالى فيشتغل بالشكر على ذلك الصلاح، وكذا المولى يعد صلاح المملوك، والوالد يعد صلاح الولد من نعم الله تعالى".
[ ٢٣ ]
-﵄-، قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: إذا ذكر الصالحون فَحيّهَلا بعمر (^١) والله أعلم.
وذكر (عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه كتب إلى شريح إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلهينك) وفي بعض النسخ يلغَينك (عنه الرجال) أي لا يمنعك من القضاء خشية محتشم (^٢)، ثم قال: (فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - ﷺ - فانظر إلى ما اجتمع عليه الناس) لأن إجماع الأمة حجة، ثم قال (فإن جاء أمرَ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولم يتكلّم به أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن نجتهد وتتقدم فتقدّم) يعني إن شئت أن تجتهد فاجتهد رجاء أن توفق للصواب فيكون لك أجران (وإن شئت أن تتأخر فتأخر) يعني إن شئت أن تمتنع من الاجتهاد فامتنع مخافة أن تقصر في طريقه فتخطئ الحق، قال (ولا أرى التأخر إلَّا خيرًا لك) أي أسلم لدينك (^٣)، قالوا هذا في زمانهم لأنه كان في المجتهدين كثرة فإذا امتنع الواحد عن الاجتهاد لم يضع حكم الله -﷿-، فأما في زماننا ففي المجتهدين قلة فلو امتنع عن الاجتهاد يؤدي إلى ضياع حكم من أحكام الله -﷿- فلم يجز الامتناع.
ثم ذكر بعد هذا حديث لشريح أيضًا وهو مثل الأول لكن (^٤) فيه زيادة لفظ (قال رسول الله - ﷺ - (^٥) "فإن لم يستبن لك في كتاب الله ولا في سنة رسول الله فاجتهد برأيك ولا تألُ") أي لا تقصر في الاجتهاد وطلب الصواب (^٦).
ثم ذكر (عن عطاء بن السائب عن أبي البختري أن عمر - ﵁ - استقضى رجلًا على الشام يقال له حابس بن سعد الطائي على قضاء حمص فقال له: يا حابس كيف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله؛ قال فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله! قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي وأستشير جلسائي! فقال
_________________
(١) وفي س (ثم أعاد حديث معاذ وفيه زيادة شيء ليس في الحديث الأول، فإنه قال رسول الله - ﷺ -: فإن جاء أمر، ليس في كتاب الله تعالى ولم يقض به نبيّه ولم يقض به الصالحون: الحديث، تكلموا أنه المراد بقوله: الصالحون؟ منهم من قال: الأنبياء والرسل، ومنهم من قال: أبو بكر وعمر فإنه روي عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر".
(٢) وفي س "أي لا يمنعنك عن القضاء حشمة محتشم".
(٣) وفي س "أسلم لك لدينك".
(٤) لفظًا لكن سقط في م، وفي س مكانه "و".
(٥) وفي س "فإنه قال عمر - إلخ" ولم يرفعه.
(٦) من ص، س؛ وكان في م "برأي".
[ ٢٤ ]
عمر - ﵁ -: أصبت وأحسنت؛ ثم لقيه عمر - ﵁ - بعد ذلك فقال له: ما منعك أن تسير إلى عملك؟ قال: يا أمير المؤمنين! إني رأيت رؤيا هالتني، قال: وما هي؟ قال: رأيت كأنّ الشمس والقمر يقتتلان؛ قال ابن الفضيل: قال حابس: رأيت كأنّ الشمس أقبلت من المشرق في جمع كثير وكأنّ القمر أقبل من المغرب في جمع كثير حتى التقيا فاقتتلا جميعًا (^١) قال: فمع أيها كنت أنت؟ قال: مع القمر، فقرأ عمر - ﵁ - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ كنتَ مع القمر في مغرب الشمس، أردد إلينا عهدنا؛ قال عطاء: فبلغني أنه قتل بصفين مع معاوية) أفاد الحديث فوائد، منها أن من تقلد عملًا فلا ينبغي أن يتأخر عن المسير إليهِ ألا ترى كيف أنكر عليه عمر - ﵁ - تأخره وهذا لأنه بقبول العمل تقلّد أمانة والتزم حقًا فيجب عليه القيام بذلك، وهذا إنما يكون بتقديم المسير إلى عمله. ومن فوائده جواز التفاؤل، وأنه لا يعد من الطيرة التي جاء النهي عنها، فأن حابسًا تفاءل بالرؤيا فتأخر عن المسير إلى عمله، وعمر - ﵁ - تفاءل بذلك فعزله عن القضاء. ومن فوائده أن عمر - ﵁ - كان ذا حظ من علم التعبير، وأبو بكر - ﵁ - كان مقدمًا عليه فيه فإنّه روي أن رسول الله - ﷺ - قال له: رأيتُ كأني أسوق غنمًا سُودًا يتبعها عَفر؟ فقال أبو بكر - ﵁ - يتبعك العرب تتبعها العجم (^٢)! فقال رسول الله - ﷺ -: هكذا عبّر لي الملك. ومن فوائده أن معاوية كان ذا حظ على اعتبار رؤيا الرجل فإنه قال "كنت مع القمر" والقمر آية من آيات الله -﷿- كالشمس، لكن الشمس أضوأ، فهو كان ذا حظ من الملك دون الخلافة، والحق كان مع علي - ﵁ - في نوبته لكن معاوية كان متأوّلًا فيما فعل ولكن أخطأ التأويل فإن رسول الله - ﷺ - قال له "إذا ملكت أمتي فأحسن إليهم" فتأوّل ذلك بالخلافة، ولم يكن كما تأول فإنّ الخلافة انتهت بموت علي - ﵁ - لما جاء في الحديث "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم هي ملك وإمارة" ولهذا قال رسول الله - ﷺ - لمعاوية "إذا ملكت أمتي فأحسن إليهم" سمى ذلك ملكًا لا خلافة، وإذا كان متأوّلًا فيجب كف اللسان عنه تحرزًا عن مواقع الهلكة والله أعلم.
ثم ذكر بعد هذا (حديث عمر - ﵁ - أنه كتب كتابًا إلى أبي موسى الأشعري - ﵁ - وقد ذكر محمَّد هذا الحديث في أول أدب القاضي وذكره (^٣) الخصاف هاهنا، وقد اختلف بعض ألفاظه لكن المعاني لم تختلف فيها (^٤)، ويسمى هذا الكتاب "كتاب
_________________
(١) زيادة من س.
(٢) وفي س "يتبعك العرب ثم العجم".
(٣) وفي س "أورده".
(٤) لفظ "فيها" ساقط في ص، وفي س "لكن المعاني غير متفاوتة".
[ ٢٥ ]
سياسة القضاء" قال فيه (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد) قيل: أول من تكلم (^١) بها داود صلوات الله عليه، والله -﷿- يقول في حقه ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قيل والله أعلم: فصل الخطاب كلمة "أما بعد" وإنما أراد هاهنا بقوله "أما بعد" يعني بعد ما سمعت فرغ قلبك لما أقول لك، قال (^٢) (فإن القضاء فريضة محكمة وسنّة متبعة) معناه الفصل بين الخصمين بحق فريضة محكمة كانت وبقيت لم يرد عليها تبديل ولا تغيير (^٣)، وسنة متبعة يعني سنّة غير مهجورة، ثم قال (فافهم إذا دلي (^٤) إليك) وفي بعض الروايات إذا أدلى (^٥) (الخصمان) معناه استحضر فهمك وفرغ خاطرك إذا رافع إليك الخصوم وألقى كل واحد منهم حجته لتسمع كلًا منهما (^٦) فتتوصل به إلى القضاء بحق، ثم قال (فإنه لا ينفع تكلم (^٧) بحق (^٨) لا نفاذ له) معناه أن كل واحد من الخصمين ربما يتكلم بما يكون حجة عليه إما مبطلًا لدعواه أو ملزمًا إياه، وذلك حق جرى على لسانه، فإذا لم تسمعه لم يمكنك تنفيذه فلم يكن التكلم به نافعًا وهو التكلم بحق ثم قال (أسِّ بين الناس) أي سَوّ بين الخصمين وليس هو من التسوية لأنّه لو كان كذلك لقال "سو"، إنما هو من التأسي والتأسي بمعنى التسوية، يقال: فلان يتأسّى بفلان: أي هما سواء في هذه المصيبة، قال بعض نساء العرب وقد قتل أخوها (^٩):
تذكر في طلوع الشمس صخرًا … واذكره بكل مغيب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي … النفس عنه بالتأسي
وأراد به المساواة.
ثم قال (في وجهك) أي في نظرك والتفاتك لأنّه متى آثر أحدهما بزيادة نظر ضعف قلب خصمه فربما يذهب ويترك حقه فيكون الضياع مضافًا إلى القاضي، قال (ومجلسك) (^١٠) أي سوّ بينهم في الجلوس في مجلسك قال (^١١) (وعدلك) والعدل ما قاله
_________________
(١) وفي س "وهذه كلمة فصل الخطاب وأول من تكلم - إلخ".
(٢) زيادة من س.
(٣) وفي س "كان ثابتًا في شريعة من قبلنا وبقى في شريعتنا لم يرد عليه النسخ والتبديل".
(٤) وفي س "أولى".
(٥) و(^٦) بين الرقمين ليس في س.
(٦) وفي س "كلامهما".
(٧) زيد هنا في م "فإنّه" وليس بـ"ص".
(٨) وفي س "الدليل عليه قول الخنساء ولولا كثرة الباكين - إلخ".
(٩) وفي س "ثم قال وفي مجلسك".
(١٠) وفي س "أراد به التسوية بينهما في الجلوس، ثم قال - إلخ".
[ ٢٦ ]
أبو بكر - ﵁ - بديهة، وقد سئل عنه على المنبر (^١) فقال العدل أن تأتي إلى أخيك ما مثله (^٢) من نفسه يرضيك. وعد هذا من فصاحة أبي بكر - ﵁ - حيث أجاب بهذه الصفة على البديهة، ثم قال (حتى لا يطمع شريف في حيفك) يعني في ميلك، قال الله -﷿- ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (ولا ييأس ضعيف من عدلك) وذكر محمَّد في كتاب (^٣) أدب القاضي "ولا يخاف ضعيف جورك وهما سواء" ثم قال (البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر) وهو حديث مرفوع وهو من جملة جوامع الكلم فإنه تكلم بكلمتين استنبط الفقهاء منهما ما يبلغ دفاتر وإلى كل واحد منهما إشارة في كتاب الله -﷿-، أما الأول فقول الله -﷿- ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ والثاني قول الله -﷿- ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ثم قال (والصلح جائز بين الناس) وذكر محمَّد "بين المسلمين" والأول أعم ثم قال (إلَّا صلحًا حرم حلالًا أو حلل حرامًا) وتأويله عندنا: حرم حلالًا لعينه وذلك ما إذا صالحت المرأة زوجها أن لا يطأ ضرتها أو أحل حرامًا لعينه وهو صلح على شرب خمر أو أكل ميتة ونحوهما، وأما ما سوى ذلك فإنه جائز عندنا، ثم قال (ولا يمنعك من قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك) أن راجع فيه الحق فإن الحق قديم ولا يبطل الحق، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل وهذا لأن القاضي لا يزيد درجته على درجة عمر [- ﵁ -] (^٤) وهو كان ينقض بعض قضاياه إذا ظهر له نص بخلافه، وكذا كان عبد الله بن مسعود - ﵁ - في بعض فتاويه (^٥)، لكن هذا إذا حكم بالاجتهاد ثم ظهر له نص بخلافه، أما إذا تغير رأيه بالاجتهاد فإنه لا ينقض (^٦) ما أقضاه قبل ذلك لأنّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ثم، قال (الفهم الفهم) تكرار التأكيد والأصل في الكتاب العزيز والله -﷿- يقول (^٧) ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ومعناه: الزم الفهم وفرغ قلبك (^٨)، ثم قال (فيما يختلج في صدرك مما ليس في قرآن ولا سنة) يعني افهم ما يتردد (^٩) في صدرك وفي بعض النسخ "ما يتلجلج في صدرك" يعني افهم ما ترددك
_________________
(١) وفي س "وتفسير العدل ما نقل عن أبي بكر - ﵁ - أنه سئل عن العدل على المنبر فأجاب على البديهة.
(٢) وفي س "بمثل ما" آية ٥٠ من سورة النور.
(٣) لفظ "كتاب" سقط في م.
(٤) بين المربعين زيادة من س.
(٥) وفي س "رجع عن بعض فتواه".
(٦) كذا في ص، م؛ ولعله "ما أمضاه" وفي س "أما إذا ظهر بالاجتهاد ولا ينقض".
(٧) وفي س "هذا تكرار لما قال في الابتداء تأكيدًا، فإن التكرار أصل التأكيد، قال الله تعالى".
(٨) وفي س "كذا هاهنا كرر للتأكيد، يعني فرغ خاطرك وقلبك لتفهم ما طلب منك".
(٩) من م، وفي ص "تردد".
[ ٢٧ ]
في صدرك ويضطرب في خاطرك لتكون مقدمًا (^١) على القضاء عن بصيرة من غير تردد، ثم قال (اعرف الأشباه والأمثال (^٢) فقس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق) وهذا لما تقدم أن الحوادث لا يحصرها حد والنصوص محصورة فلابد أن تعرف القياس لترد غير المنصوص إلى المنصوص ثم قال (واجعل لمن يطلب حقًا غائبًا أو شاهدًا أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر (^٣) بينة أخذ بحقه وإلا استحللت عليه القضية) يعني إذا استمهلك أحد الخصمين لإحضار بينة أو لإبانة دفع فأمهله أو اجعل له مدة معلومة، فإن جاء بذلك في تلك المدة وإلا قضيت عليه، ثم أشار إلى المعنى فيه فقال (فإنه أبلغ في العذر وأجلى للعمى) "أما أبلغ في العذر" لأن المدعي لا يمكنه بعد ذلك أن يقول: كان لي بينة فلم يمكنّي إحضارها وكذا المدعى عليه لا يمكنه أن يقول: كان لي دفع فعجل علي القاضي (^٤) فلم يمكني إحضاره، "وأجلى للعمى" لأن القضاء بعد ذلك يكون عن بصيرة لا عن ريبة واشتباه (^٥)، ثم قال بعد ذلك (المسلمون عدول بعضهم على بعض) ظاهره حجة لأبي حنيفة - ﵁ - في جواز القضاء بظاهر العدالة وعندهما لا يجوز قيل هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان لأن أبا حنيفة - ﵁ - أفتى في القرن الثالث [وقد عدّلهم رسول الله - ﷺ - ووصفهم بالخيرية] (^٦)، وهما أفتيا في زمانهما وكان تغير الناس فيه، ثم استثنى في الحديث (إلَّا مجلودًا في حد) (^٧) ظاهره (^٨) حجة لنا على الشافعي رحمة الله عليه في المحدود في القذف فإنه استثنى المحدود من غير فصل بين ما قبل التوبة وبعدها (^٩)، ثم قال (أو مجربًا عليه شهادة زور) (^١٠) وإنما كان كذلك لأنّ الشهادة خبر محتمل [صار حجة لرجحان جانب الصدق فيه، فإذا عرف بشهادة الزور ترجح] (^١١) جانب الكذب فلا تكون
_________________
(١) وفي س وفي بعض النسخ: يتخلج في صدرك، وفي بعضها: يتخالج، وفي بعضها: يتلجلج مما ليس في قرآن ولا سنة، يعني أفهم في ما تردد في صدرك لتكون مقدمًا - إلخ".
(٢) ذكر هنا الشرح في س مكان الشرح الآتي".
(٣) هنا ذكر في س الشرح الآتي، بعد القوس، ثم ذكر فيها المتن الباقي وزيد بعده "يعني وجبت عليه القضية".
(٤) من م، وفي ص "القضاء" وفي س يخص هذا الشرح، وعبارته "فإن القاضي لو استعجل بقول الخصم كان لي بينه، أو بقول: كان لي دفع ولكن القاضي لم يمهلني".
(٥) من س.
(٦) وفي س "الذي شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالصدق ووصفهم بالخيرية".
(٧) وفي س "إلا محدودًا في حد قذف".
(٨) في س "ظاهر الحديث".
(٩) وفي س "وما بعد التوبة".
(١٠) كذا في ص، م، وفي س "بشهادة زور".
(١١) وفي س "وإنما يكون حجة باعتبار جانب الصدق فمتى".
[ ٢٨ ]
شهادته حجة، ثم قال (أو ظنينًا في ولاء أو قرابة) الظنين هو المتهم، وقد قال رسول الله - ﷺ - "لا شهادة لمتهم" والظنين في الولاء هاهنا هو التابع بأهل البيت الذي (^١) يعد نفعهم نفعًا له وضررهم ضررًا له، والظنين في القرابة مرتفع الشهادة له (^٢) من وجه باعتبار القرابة كالوالد والولد (^٣) ثم قال (فإنّ الله -﷿- تولّى منكم السرائر) يعني توحّد بعلم الغيب فلم يكن القاضي مكلفًا علم ما في الباطن لأنه خارج عن وسعه، ثم قال (ودرأ عنكم البينات والإيمان) يريد أسقط الوبال في الآخرة (^٤) واللائمة في الدنيا إذا اعتمد ثم البينات في العمل (^٥)، ثم قال (إياك والغضب والقلق) (^٦) وفي رواية "الغلق" (^٧) أما الغضب فلأنه مذموم، روي أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - فقال: دلّني على ما ينفعني في الدنيا والآخرة! فقال له - ﷺ - "لا تغضب"، ومتى تعلق نفعهما بتركه تعلق ضررهما بفعله (^٨)، ولأن الغضب يمنعه من حسن التأمل الذي به يتوصل إلى القضاء بحق، وكذلك القلق لأنّه الاضطراب، (^٩) والغلق هو الضجر وضيق الصدر (^١٠)، وهذا إذا كان في محل الاجتهاد، فأما إذا كان هناك نص ظاهر فلا بأس بالقضاء مع الزجر لأنه لا يحتاج إلى التأمّل، ثم قال (والتأمّل بالناس) يعني كثرة الازدحام (^١١) عنده والاجتماع على بابه لا ينبغي أن يتأذى بذلك لأنه التزم (^١٢) فصل الخصومات فيما بينهم فلابد من حضورهم (^١٣)، قال (والتنكر عند، الخصوم) أي لا تعبس وجهك ولا ترفع صوتك لأن من الناس من إذا رأى ذلك تحامى الحضور عندهم فيؤدي إلى ضياع حقه ثم قال (فإنّ القضاء في مواطن الحق يوجب الله تعالى به الحق (^١٤). ويحسن به الذخر) لأن القضاء من أشرف العبادات وهذا هو صفة العبادة (^١٥)، ثم قال (ومن خلصت نيته
_________________
(١) لفظ "الذي" سقط من م.
(٢) لفظ "له" سقط من م.
(٣) وفي س "والمراد من الظنين في الولاء إذا كان قانعًا لأهل البيت يعد نفعهم نفع نفسه وضررهم ضرر نفسهم، والمراد من الظنين في القرابة إذا كانت الشهادة للمشهود له تصير شهادة لنفسه معنى كما في الوالدين والمولودين".
(٤) و(^٥) وفي س مكان ما بين الرقمين "والذم في الدين بالبينات والإيمان".
(٥) و(^٧) ليس في س.
(٦) من س.
(٧) وفي س "فإذا كان النفع في الدنيا والآخرة في ترك الغضب كان الضرر في الدنيا والآخرة في الغضب".
(٨) و(^١١) ما بين الرقمين ساقط من س.
(٩) كذا في ص، م؛ وفي س "يعني أن يتأذى بكثرة الازدحام والاجتماع على بابه".
(١٠) وفي س "لأنه بتقلد القضاء التزم - إلخ".
(١١) كذا في ص، م؛ وفي س "الأجر" وهو الصواب.
(١٢) وفي س "لأن القضاء عبادة وهو أفضل من نفل العبادة".
[ ٢٩ ]
في الحق) ذكر خلوص النية لأن القضاء عبادة والإخلاص في العبادات مطلوب، فإن الباري جلت قدرته يقول (^١) ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (^٢) ثم قال (وأبقى (^٣) على نفسه زانه الله تعالى) وذلك لما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إذا أصلح العبد سريرته أصلح الله -﷿- علانيته"؛ ولأنه عامل لله -﷿- (^٤) فيزينه (^٥)، ثم قال (ومن تزين للناس بما يعلم الله تعالى أنه ليس في قلبه شانه الله تعالى) لأنه منافق متهاون، ثم قال (فما ظنك بثواب الله (^٦) -﷿- مع عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام) أراد بذلك أن القاضي إنما يقضي بغير حق لينال شيئًا من الدنيا وما عند الله -﷿- من الثواب أفضل وأبقى وذكر (حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: إنه (^٧) قد أتى علينا زمان) وفي بعض النسخ "حين" (لسنا نقضي ولسنا هناك) وفي أدب القاضي لمحمد ﵀ "لسنا نُسئل ولسنا هناك" وهذا منه إشارة إلى زمن رسول الله - ﷺ -، فإنه كان يُرْجع في الحوادث إذ ذاك إلى رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر -﵄-، وما كان يرجع إلى عبد الله - ﵁ - ثم تعلم عبد الله واجتهد حتى صار مذكورًا يرجع إليه في الحوادث، فإنه لما قدم الكوفة اجتمع حوله (^٨) أربعة آلاف نفر، فلما قدم علي بن أبي طالب - ﵁ - الكوفة تلقاه ابن مسعود - ﵁ - في جميع أصحابه، فقال له علي، - ﵁ -: "لقد ملأت هذه البلدة فقهًا وعلمًا، ثم قال (ثم كان من قدر الله تعالى أن بلغنا (^٩) من الأمر ما ترون) هذا يحتمل أن يكون بيانًا للشكر، فإن الله -﷿- أنعم (^١٠) عليه حيث بلغه مبلغًا يصلح للفتوى والقضاء، ويحتمل أن يكون بيانًا لتراجع الزمان (^١١) حيث احتيج إلى مثلي (^١٢) ثم قال (فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم) وفي بعض الروايات: فمن ابتلى منكم بقضاء بعد اليوم
_________________
(١) والشرح في س "يروي ومن خلصت نيته ولو على نفسه لأن القضاء عبادة فيكون الإخلاص فيه شرطًا، قال الله تعالى - إلخ".
(٢) آية ٥ من سورة البيّنة.
(٣) وفي س "واتقى".
(٤) وفي س "لأنّه عامل لله تعالى".
(٥) ليس في س.
(٦) وكان في الأصل "بثواب" غير الله "والصواب ما في س "بثواب الله".
(٧) لفظ "إنه" ساقط من س.
(٨) وفي م "عليه".
(٩) وفي م "يبلغنا" كذا.
(١٠) وفي س "أنعم عليه بهذا فإنه بلغ مبلغًا".
(١١) و(^١٢) وفي س "فإنه راجع الزمان حتى وجب الرجوع إلى مثنى".
[ ٣٠ ]
(فليقض (^١) بما جاء في كتاب الله -﷿-، فإن أتاه بما ليس (^٢) في كتاب الله فليقض بما قضاه به نبيه صلوات الله عليه، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه فليقض بما قضى به الصالحون، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه ولا يقولن أحدكم "إني أرى" و"إني أخاف") يعني لا يمتنع عن الاجتهاد لظن يعرض له أو خوف أن يخطئ، لأنّ ما يخاف من ترك الاجتهاد أكثر مما يخاف من الخطأ في الاجتهاد (^٣)، ثم قال (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة) بينهما في محل النص والاشتباه في غير محل النص (^٤)، ثم قال (فدع ما يُريبك إلى ما لا يريبك) يعني ما لا يطمئن قلبك إليه إلى ما يطمئن إليه، قال رسول الله - ﷺ -: "الصدق طمأنينة والكذب ريبة".
وذكر عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده ابن مسعود (^٥) نحوه وزاد فيه (فإن أتاه أمر، لا يعرفه فليقر فيه (^٦) ولا يستحي (^٧) عن قوله "لا أعرفه، وفي رواية فليفر) أي يفر من النار (^٨) بتركه الحكم فيما لا يعلمه.
ثم ذكر بعد ذلك (عن ابن عباس -﵄- أنه كان إذا سئل عن الأمر فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن فكان (^٩) عن رسول الله - ﷺ - أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر -﵄-، فإن لم يكن قال فيه برأيه) وإنما فعل ذلك لأنه كان في زمن أبي بكر وعمر -﵄- شابًا والواجب على الشاب توقير الشيخ وتعظيمه.
ثم ذكر بعد ذلك (عن أم سلمة -﵂- قالت (^١٠) قال رسول الله - ﷺ -: "إنما
_________________
(١) و(^٢) وفي س "بما في كتاب الله تعالى فإن أتاه ما ليس".
(٢) وتعبير س في شرح هذا الحرف هكذا: "يعني ينبغي أن لا يدع الاجتهاد مخافة أن يغلط، فإن الشر في ترك الاجتهاد فوق الشر في الاجتهاد".
(٣) كذا في ص، م؛ وفي س: وبينهما أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، قوله "الحلال بين" إذا كان ثابتًا بالنص فيكون الحكم فيه ظاهرًا، واضحًا، وقوله "دع ما يريبك" يعني دع ما لا يطمئن - إلخ" فعلم أن ما في النسختين" "بينهما" هو "بيانهما" رسم بغير ألف - والله أعلم".
(٤) وكان في ص، م "عن جده عن ابن مسعود" والصواب ما في س "عن أبيه عن عبد الله" لأن عبد الله هو جد القاسم، فزيادة "عن" كان من سهو الناسخ".
(٥) وفي س "مه".
(٦) وزيد في س "يعني فليقر بالجهل ولا يستحي".
(٧) وفي س "وفي بعض النسخ فليفر يعني من النار ولا يستحي بأن لا يجازف فيستوجب النار".
(٨) وفي س "وكان".
(٩) وفي س "عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنه سمع أم سلمة -﵂- تقول".
[ ٣١ ]
أقضي بينكم (^١) فيما لم ينزل علي فيه برأي) هذا دليل على أنه ﵊ كان يحكم بالاجتهاد، على خلاف ما قاله بعض الناس، لكن كان إن أصاب فبها ونعمت وإن (^٢) أخطأ لا يقر عليه فإذا اجتهد وحكم ولم يتصل بذلك نكير علم كونه حقًا، فإذا (^٣) جاء تغيير بعد ذلك بمدة كان ناسخًا للأول، وهو نسخ السنة بالكتاب وذلك جائز، عندنا (^٤).
وذكر (عن الشعبي قال: كان رسول الله - ﷺ - يقضي بالقضاء ثم ينزل القرآن بغير الذي قضى فلا يرد قضاؤه ويستأنف) وذلك لما ذكرنا أن التغيير بعد التقرير نسخ، والنسخ يؤثر في المستقبل ولا يؤثر في الماضي (^٥). والله أعلم. وذكر (عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه استقضى شريحًا فقال له: كيف تقضي في أموال الناس؟ قال: بالبيّنات والشهداء قال عمر - ﵁ -: أحرزت نفسك وأهلكت أموال الناس) وقوله "أحرزت نفسك" إشارة إلى أنه من تمسك بطريق الرسول لا يكون عليه العتب في الدنيا والوبال في الآخرة وقوله "أهلكت أموال الناس" إشارة إلى فساد أحوال الناس، فإن غير العدل قد يعدل في الظاهر والعدل قد يجرح فإذا فسد أحوال الناس فمن اعتمد الشهادة فقد أهلك أموال الناس (^٦).
(قال أحمد بن عمرو) صاحب الكتاب ﵀ (وإذا ابتُلي الرجل بالقضاء ودخل فيه فليتق الله وحده لا شريك له) لأن نيل المقاصد دينًا ودنيا بالتقوى (^٧) قال الله -﷿- ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ إلى قوله ﴿مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ثم قال (ويؤثر طاعة ربه ويعمل لمعاده) لأن فعل القاضي يصلح سببًا لنيل ثواب الآخرة ويصلح سببًا لحطام الدنيا (^٨)، فينبغي أن يقصد به نيل الثواب، فإن ما عند الله -﷿- خير وأبقى وعن علي - ﵁ - أنه قال: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من تراب تبقى، فالعاقل يميل إلى تراب يبقى، كيف وإنه على العكس ثم قال (ويقصد الحق بجهده فيما يقلده) لأنه مأمور بالقضاء بالحق فيجب أن يجتهد ليصيبه ثم قال (ويتخذ كاتبًا ورعًا مسلمًا له معرفة بالفقه) لأن القاضي لا يجد بدًا من الكتابة
_________________
(١) زيادة من س.
(٢) وفي م "فإن".
(٣) و(^٤) وفي س "فمتى قضى بالاجتهاد وأقر عليه صار ذلك شريعة له، فإن نزل القرآن بخلافه صار ناسخًا للسنة فإن نسخ السنة بالكتاب جائز".
(٤) وفي س "يظهر في المستقبل لا في الماضى".
(٥) بين المربعين زيادة من س.
(٦) وفي س "لأن الإنسان إنما ينال ما يطلب من الدنيا والآخرة بتقوى الله".
(٧) وفي س "سببًا لنيل متاع الدنيا".
[ ٣٢ ]
ولا يقدر عليها بنفسه في كل ما يحتاج إليه فيتخذ لذلك كاتبًا، ثم شرط ما شرط (^١) لأنّ الكتابة من أعمال القضاء فيشترط في القيم بها ما يشترط في القيم بالقضاء (^٢)، ثم قال (ويتخذ أعوانًا يكونون بين يديه) وهذا لوجهين، أحدهما أن مجلس القضاء يجب أن يكون مهيبًا، فلو لم يكن له أعوانًا ربما يستخف به (^٣) فيذهب حشمة مجلس القضاء وهيبته، ولهذا لا ينبغي (^٤) للقاضي أن يمشي في الأسواق وحده تحرّزًا عن ذهاب هيبته؛ والثاني أنه يحتاج إلى إحضار الخصوم وذلك منه بنفسه سبب، لسقوط حرمته، وهم لا يحضرون بأنفسهم فلابدّ من أعوان لذلك (^٥)، ثم قال (فإذا أراد أخذ الرقاع وجه كاتبه قبل ذلك إلى المسجد فأخذ رقاع الناس) قال (^٦) ﵀ وكان المتقدمون من المشايخ قبل الخصاف يعتمدون على السبق في تقديم الخصوم بعضهم على بعض، فمن كان أسبق قدم فصل خصومته، والخصاف ﵀ اعتمد على الرقاع، لأنّ الاعتماد على السبق يؤدّي إلى المنازعة، لأن كل واحد منهم يدّعي السبق فيحتاج القاضي إلى فصل هذه الخصومة فيما بينهم أيضًا، فكان الاعتماد على الرقاع أولى؛ وله أصل في الشرع، فإن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها سافر بها؛ ولأنه أنفى للتهمة (^٧) فيفعله، وهذا لأن للقاضي ولاية البداية بسماع خصومة أيهم شاء، وكان (^٨) له الإقراع نفيًا للتهمة؛ كما في قسمة التركة لما كان له البداية بتعيين نصيب أيهم شاء كان له أن يقرع نفيًا للتهمة، كذا هاهنا.
وصورة الرقاع أن يكتب في كل رقعة اسم المدعي واسم أبيه واسم خصمه، (^٩) فإن كانت الرقاع كثيرة ينظر القاضي، فإن كان يمكنه من حيث الظن والحزر أن يفصل بين الكل في يوم واحد أقرع بين جميع الرقاع، فيجعل كل رقعة في طين قدر بندقة ويبندقها ويخلطها ويجعلها تحت شيء، ثم يأمر إنسانًا يدخل يده فيخرج واحدة واحدة، فيقوم من خرجت
_________________
(١) وفي س "ثم شرط أن يكون ورعًا مسلمًا".
(٢) وفي س "فيشترط في الكاتب ما يشترط في القاضي".
(٣) و(^٤) وفي س "فيذهب بمهابته، ألا ترى أنه لا ينبغي - إلخ".
(٤) وفي س "ولا يمكنه ذلك بنفسه وهم لا يحضرون بأنفسهم فيتخذ أعوان ليحضروا الخصوم مجلس القضاء".
(٥) أي الإمام حسام الدين الصدر الشهيد شارح الكتاب ﵀.
(٦) وفي س "وهذا لأن القاضي لو ابتدأ بخصومة واحد منهم كان له ذلك لكنه يتهم بالميل فيقرع نفيًا للتهمة".
(٧) كذا في ص، م، والصواب "فكان"؛ وفي س "وهذا لأن كل ما للقاضي أن يفعل بنفسه كان له أن يقرع نفيًا للتهمة، ألا ترى أن القاضي إذا قسم التركة فإنه يقرع، لأن له أن يعين نصيب كل واحد بدون القرعة بينهم، فكان له أن يقرع نفيًا للتهمة - إلخ".
(٨) وفي س "اسم المدعي واسم المدعى عليه".
[ ٣٣ ]
رقعته أولًا ثم ثانيًا إلى آخر الترتيب. وإن كان القاضي لا يقدر على فصل الكل في يوم واحد أخذ الكاتب الرقاع كما ذكرنا ثم فرقها على الأيام في كل يوم خمسين أو أكثر أو أقل على قدر طاقة القاضي للجلوس لهم والصبر عليهم، وجعل ذلك ضبائر وكتب لكل إضبارة رقعة صغيرة (^١) يكتب فيها اسم رجل من تلك الإضبارة مشهور (^٢)، ثم يجعل كل رقعة في بندقة كما وصفنا ثم يقرع بين الضبائر فيجعل للإضبارة الأولى يوم السبت والثانية يوم الأحد على هذا الترتيب، ويعلم كل واحد منهم أن اسمه في إضبارة كذا مع فلان الذي هو أشهرهم، ويثبت اسم ذلك الأشهر على الإضبارة أيضًا ليقع التمييز وليعرف كل خصم متى يومه فيحضر في ذلك اليوم كيلا يكثر تردادهم على باب القاضي. وفي هذه الحالة -أعني حالة كثرة الرقاع-، يحتاج إلى الإقراع مرتين، مرة بين الإضبارات، ومرة بين الأسامي التي في كل إضبارة، كما يفعله الإِمام في باب المغانم فإنه يعدل أنصباء العرفاء ويقرع فيما بينهم ثم يعدل أنصباء الرايات ويقرع فيما بينهم: الأول على سبيل الجملة والثاني على سبيل الأفراد، كذلك ما ذكرنا من الضبائر والأسامي.
قال الشيخ الإِمام شمس الأئمة أبو بكر محمَّد بن أبي سهل السرخسي ﵀: ما اعتمده الخصاف من الرقاع حسن، ولكن ما اعتمده المشايخ قبله من اعتبار السبق أحسن، لأنه ربما يكون في الخصومات ما يحتاج فيه إلى النظر والمشورة فإذا اعتمد القرعة وأعلم الخصوم نوبتهم أنها في اليوم الفلاني فحضروا قد لا يقدر على فصل جميع تلك الخصومات في ذلك اليوم، لما قلنا إنه يحتاج إلى النظر والتأمل، فيكون ذلك خلفًا فيجب التحرّز عنه بالعمل، وذلك بالعمل على السبق وما قالوه من أن اعتبار السبق يؤدي إلى منازعة قد يمكن دفعه بأن يبعث القاضي أمينًا في المسجد فيحفظ ترتيب حضور الخصوم (^٣).
قال الخصاف ﵀ (ويقول: من خرج اسمه أولًا فله يوم السبت، والاسم الثاني يوم الأحد، والاسم الثالث (^٤) اليوم الذي يجلس فيه القاضي بعد يوم الأحد، فإن كان يجلس يوم الاثنين قال لهم: يوم الاثنين، وإن كان ممن لا يجلس يوم الاثنين قال لهم: الاسم
_________________
(١) و(^٢) وفي س "فيها اسم أشهرهم".
(٢) وفي عبارة السعيدية في تعبير مقولة الإِمام شمس الأئمة هكذا: "ما اعتمده الخصاف عليه حسن، وما اعتمد المتقدمون من المشائخ قبل الخصاف أحسن، لأنه متى اعتمد القرعة وأعلم الخصوم توبتهم يوم السبت أو يوم الأحد وإنما يمكنه فصل الخصومات إذا كانت الحجج واضحة أو كان الفصل بالإيمان، فأما إذا كان على وجه يحتاج القاضي في تلك الخصومات إلى المشاورة والنظر والاجتهاد لا يأتي على الكل في ذلك اليوم فيصير مخلفًا للوعد، فيجب التحرز عن هذا بالاعتماد على السبق".
(٣) وفي س "ثم قال في الكتاب إضبارة الأول يوم السبت إلخ. والثاني يوم الأحد والثالث - إلخ".
[ ٣٤ ]
الثالث يوم الثلاثاء) وهذا لأنه لابد من يوم يستريح فيه القاضي تحرزًا عن الملال ولينظر في أمور نفسه ويقوم بمصالح أهله، وكان الرسم في زمن أبي حنيفة - ﵁ - يوم البطالة يوم السبت وكان المدرس لا يدرس يوم السبت، وفي زمن الخصاف كان يوم البطالة مترددًا بين الاثنين والثلاثاء فمن القضاة من يختار يوم الثلاثاء ومنهم من يختار يوم الاثنين. فلهذا لم يجزم القول في يوم البطالة (^١).
قال ﵀: وفي زماننا الرسم للبطالة يوم الثلاثاء، لأن القضاء (^٢) من جنس أعمال السلطان وعمال السلطان (^٣) لا يشتغلون بالأعمال يوم الثلاثاء (^٤)، قالوا: لأنه يوم دم قتل قابيل فيه هابيل، فعلى هذا يجعل الاسم الثالث يوم الاثنين يوم (^٥) الاسم الرابع يوم الأربعاء ثم الخميس (^٦) على الترتيب المذكور ويتفرع على هذا أن القاضي إذا كان يرزق من بيت المال هل يستحق الكفاية في يوم البطالة، قال مشايخ بلخ: لا يستحق ويحط من رزقه بقدره، ومشايخ ديارنا يعني ما وراء النهر، يفتون بأنّه يستحق، قال: وهو الأصح، لأنه في يوم البطالة يستريح فيتقوّى على فصل الخصومات فكانت منفعة ذلك راجعة إلى المسلمين فيستحق عليهم الرزق، ألا تراه (^٧) كيف يستحق ما يحتاج إليه في الليل وإن كان لا يشتغل فيه بفصل الخصومات! ونظيره رجل أوصى برقاب نخيله لإنسان وبالثمرة لآخر وكانت (^٨) النخيل تثمر سنة وتحول سنة (^٩) فنفقة ذلك وما يحتاج إليه من السقي في السنين جميعًا على الموصى له بالثمرة، لأنها متى أحالت في سنة كثرت ثمرتها في الأخرى فكانت المنفعة (^١٠) عائدة إلى الموصى له بالثمرة فتكون النفقة (^١١) عليه. ثم إذا فرغ القاضي من الإضبارات وعرف يوم كل إضبارة أمر مناديًا ينادي إضبارة (^١٢) فلان اليوم الفلاني، وفلان اليوم الفلاني،
_________________
(١) وفي م "زمن البطالة"؛ وفي س "فلهذا أمر بالنظر والرسم في زماننا - إلخ".
(٢) وفي س "لأن عمل القضاء".
(٣) و(^٤) ما بين الرقمين ساقط من م.
(٤) كذا، ولعل الواو أو "ثم" سقط هنا من الأصل أي: ثم يوم الاسم الرابع - إلخ".
(٥) وفي س "ويقولون إنه يوم دم، لأن قابيل قتل هابيل في هذا اليوم، فقال للخصوم: إن يوم البطالة يوم الثلاثة ثم يوم الأربعاء ثم يوم الخميس - إلخ".
(٦) وفي س "ألا ترى".
(٧) وفي س "ونظيره ما قال في الوصايا. إذا أوصى برقاب النخل لإنسان وبالثمار لإنسان وكان - إلخ" والظاهر أن الباء من "برقاب" سقطت أو هي منصوب بنزع الخافض منهما فزدناها من س.
(٨) وفي س "ولا تثمر سنة أخرى".
(٩) وفي س "لأنها متى خابت سنة أكثرت الثمار في السنة الأخرى فيكون منفعة ذلك - إلخ".
(١٠) وفي س "المؤونة".
(١١) من س، م؛ وفي س "لإضبارة". ومحل العبارة هذه من قوله "ثم إذا فرغ من س قبل ذلك بعد قوله "بندقة".
[ ٣٥ ]
ليعرفوا وقت الحضور، ولا ينادي للنساء ويبعث عجوزة أمينة تخبرهن بذلك.
قال (وإذا اجتمع على باب القاضي أرباب شهود وأرباب أيمان من الغرباء والنساء (^١) وغيرهم فرأى القاضي أن يقدم أرباب الشهود في أول المجلس فله ذلك) لأنا أمرنا بإكرام الشهود وتوقيرهم، قال رسول الله - ﷺ -: "اكرموا الشهود فإنّ الله -﷿- يحيي بهم الحقوق"، وتركهم على باب القاضي ليس من الإكرام في شيء (وإن رأى تقديم أرباب الأيمان فله ذلك أيضًا) لأن فصل الخصومة باليمين أيسر لأنه يحتاج في الشهادة إلى تعديل الشهود والنظر في لفظ الشهادة وذلك ربما يطول فيفصل خصومات الأيمان ثم يبقى مع أرباب الشهود (وإن رأى تقديم الغرباء في أول كل مجلس فله ذلك) لأنّ قلب الغريب معلق بأهله ووطنه، فلو كثر ترداده ربما يمل فيذهب ويترك حقه ضائعًا فيكون الضياع مضافًا إلى فعل القاضي، ولكن هذا إذا لم يكثر الغرباء، فأما إذا كثروا فأنه يعتمد السبق (^٢) أو القرعة على حسب ما ذكرنا (ثم القاضي إذا رأى (^٣) التقديم لأجل الغربة لا يصدقه في قوله: "إني غريب عازم على الرجوع" بل يسأله البينة على أنه غريب عازم على الرجوع) هكذا روي عن محمَّد ﵀، وإنما كان كذلك لأنه يدّعي أمرًا يتقدم به على غيره فلابدّ فيه من البيّنة، لكن لا يشترط العدالة في هذه البيّنة ويكتفي فيه بشهادة المستور (^٤)، ومن أصحابنا من قال: يسأله مع من يريد السفر، ثم يسأل الرفقة أنهم متى يخرجون وأن فلانًا هل يخرج معكم وهل استعدّ للسفر؟ فإن أخبروا بذلك عمل عليه. وهذا لا يختص بهذا الفصل بل هو كذلك في حكم يُبْتَنَى على السفر، حتى أن المستأجر إذا أراد السفر وطلب فسخ الإجارة لأجل ذلك فالطريق في معرفته ما ذكرنا فإن أخبروا به تحقق العذر فجاز الفسخ، وإلا فلا (^٥).
_________________
(١) وفي س "والغرباء والنساء".
(٢) وفي س "ولكن هذا إذا لم يكن بالغرباء كثرة، أما إذا كان يعتمد في ذلك السبق - إلخ".
(٣) وفي س "فإن رأى".
(٤) وكان في م "ويكتفي في شهادة المستور" وفي الأصل ص "ويكتفي بشهادة المستور" وفي س "وشهادة المستور تكفي".
(٥) وعبارة الشرح في س: وهذا ليس في هذا الفصل خاصة بل في الإجارة كذلك، فإن الإجارة تفسخ بسبب العذر من جهة المستأجرين السفر ونحوه، وبمجرد قوله "إني أريد السفر" لا يثبت العذر ولا يفسخ به الإجارة، ولكن يسأل القاضي مع من يريد الخروج ثم يسأل رفقته أنهم متى يخرجون وأن فلانًا هل يخرج معهم وهل استعدّ للسفر؟ فإن قالوا "نعم" حينئذٍ يتحقق العذر فينسخ الإجارة، فكذا هاهنا، وفي أخذ الكفيل كذلك، على ما يأتي بيانه في الباب التاسع والعشرين.
[ ٣٦ ]
قال (وإن رأى أن يقدم النساء على الكل فله ذلك) لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن، وأمورهن مبنية على الستر مهما أمكن، وتعجيل فصل خصومتهن أقرب إلى الستر ليرجعن سريعًا (وإن رأى أن يجعل لهن نوبة في يوم على حدةٍ فحسن) (^١) لأنه أستر لهنّ وأحرى أن (^٢) لا يعرف المرأة، ولكن هذا إذا كانت الخصومة بين النسوان، أما إذا كانت الخصومة لرجل على امرأة ولامرأة على رجل لا يمكن إفرادهن فيجري ذلك على ما ذكرنا (^٣).
قال (وإذا (^٤) رأى القاضي أن يضم مع الكاتب رجلًا ثقة مأمونًا عند أخذ الرقاع فعل ذلك) لأنه أحوط، فيفعله كما يفعله (^٥) في التزكية والواحد كاف والاثنان أحوط فكذا هنا (^٦).
قال (فإذا أتوه بالرقاع وقد فرقوها على عدد الأيام كتب القاضي ذلك في تذكرته ليتذكر ذلك عند الحاجة، فلا يقدم من سبيله التأخر ولا يؤخر من سبيله المتقدم، ويجعل ذلك في قمطرة) وهو خريطة (وختم عليه بخاتمه) تحرزًا عن الخيانة (^٧) والله أعلم بالصواب.