اليهودي بالله الذي لا إله إلّا هو (^١) الذي أنزل التوراة على موسى صلوات الله عليه) وذلك لما روى الشعبي أن رسول الله - ﷺ - حلف ابن صوريا الأعور بالله الذي لا إله إلّا هو الذي أنزل التوراة على موسى كيف تجدون حد الثيب في دينكم وذلك (^٢) لأن اليهودي يعتقد نبوة موسى ﵊ (^٣) ويعتقد حرمته فيغلظ عليه بذكره في اليمين (قال ويحلف النصراني بالله الذي لا إله إلّا هو الذي أنزل الإنجيل على عيسى صلوات الله عليه) (^٤) لما روي أن عطاء سئل عن اليهود والنصارى يحلفون (^٥) بالتوراة والإنجيل فقال يحلفون بالله وأن التوراة والإنجيل من كتب الله يعني "يحلفون بالتوراة والإنجيل (^٦) ابتداء كما لا يحلف المسلم بالقرآن لكن يحلفون بالله الذي أنزل التوراة أو بالله الذي أنزل الإنجيل فالأول لليهودي والثاني للنصراني.
فصل
وأما المجوسي فقد ذكر محمد ﵀ أنه يحلف بالله الذي خلق النار وقال صاحب الكتاب بعد ذكر اليهود والنصارى (وأما غيرهم من أهل الشرك فيحلفون بالله وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف (^٧) رحمة الله عليهما) وذلك لأن في التحليف تعظيم المقسم به ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولاته وأمرائه أن لا تحلفوا بغير الله تعالى وكذلك روي عن رسول الله - ﷺ - (^٨) أنه قال لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت من كان حالفًا (^٩) فليحلف بالله أو ليذر وروي عن الحسن (^١٠) أنه قال لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغير الله تعالى صادقًا وروي أن (^١١) عيسى صلوات الله عليه حلَّف بالله (^١٢) سارقًا فحلف أنه لم يسرق
_________________
(١) بين المربعين زيادة من ص.
(٢) وفي س حذرنا الثيب في كتابكم وهذا لأن اليهودي يقر بنبوة موسى ﵊ إلخ.
(٣) وفي ص وهذا مكان وذلك.
(٤) وفي ص يلتزم.
(٥) وفي س يستحلفون في كل الألفاظ الأربعة.
(٦) وفي ص ولا الإنجيل يلتزم هذا.
(٧) من قوله وهذا قول إلخ ساقط من س.
(٨) وفي س وألا ترى إلى ما روي عن النبى ﵊.
(٩) وفي س فمن كان متحكم حالف.
(١٠) وفي س وألا ترى إلى ما روي عن الحسن إلخ.
(١١) وفي س وألا ترى إلى ما روي عن إلخ.
(١٢) زيادة من س.
[ ١٥٢ ]
وكان عيسى عاينه يسرق (^١) فاشتد عيسى عليه فأنزل الله (^٢) -﷿- أني قد غفرت له بتوحيده إياي وإن كان كاذبًا كل هذا (^٣) دليل على أن في القسم تعظيم المقسم به ولا يجوز تعظيم النار وسائر ما هو غير الله -﷿- ذكر (عن رشدين (^٤) عن كعب بن سور أنه (^٥) كان إذا أراد استحلاف الذمي أمرهم بحمله إلى المذبح وأن يجعلوا التوراة في حجره والإنجيل على رأسه) فكأنه كان يغلظ عليهم بذلك والمذبح بيت القرابين وهم يعتقدون تعظيمه فغلظ عليهم به ولكن عندنا لا يغلظ بالمكان ولا يبعث ذمي إلى كنيسة ولا إلى بيعة ولا إلى بيت نار فسيتحلف فيه كما لا يبعث المسلم إلى المسجد لأن في ذلك تعظيم المكان وتعظيم غير الله -﷿- لا يجوز وليس كذلك (^٦) التوراة والإنجيل لأنه كلام الله تعالى وكلامه -﷿- ليس غيره فجاز تعظيمه والله أعلم (مسألة وإذا ادّعى على رجل ألف درهم فقال المدعى عليه له علي ألف درهم إلى سنة فقد أقر بالمال وادّعى الأجل فالقول (^٧) قول الطالب في الأجل (^٨) مع يمينه يحلفه (^٩) بالله ما هذا المال مؤجل على هذا إلى الوقت الذي ادّعاه) قال الخصاف (وهذا مذهب أصحابنا فإن حلف أخذ المال عاجلًا إلّا أن يقيم المدعى عليه بينة على الأجل وإن نكل ثبت الأجل بنكوله) وقال الشافعي ﵀ القول قول المقر (^١٠) ويثبت الأجل كما
_________________
(١) وفي س رآه سرق.
(٢) وفي س فلما اشتد على عيسى ﵊ أوحى الله إليه.
(٣) وفي س مكان قوله كل هذا إلخ فثبت أن فيه تعظيم المقسم به ولا يجوز تعظيم غيره فلا تذكر النار مع اسم الله تعالى كيلا يؤدي إلى تعظيمها أما التوراة والإنجيل كتاب الله تعالى وهو معظم فيجوز تعظيمه بذكر ذلك في اليمين وإما النار فلا لكن يحلف بالله تعالى وكذلك الوثني يحلف بالله تعالى فإن الكفرة يقرون بالله تعالى قال الله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
(٤) كذا في الأصلين وفي س ابن سيرين مكان رشدين ولعله الصواب لأن ابن سيرين بصري وكعب بن سور بن بكر الأزدي كان قاضي البصرة أدرك الجاهلية قيل تابعي وقيل هو من الصحابة وإما رشدين بن كريب فهو أيضًا أدرك الصحابة مدني والله أعلم ولم يذكر في س كعب بن سور.
(٥) ولفظ س إنه استحلف رجلًا من أهل الكتاب فقال انطلقوا به إلى المذبح فاجعلوا الإنجيل في حجره والتوراة على رأسه فاستحلفوه بالله.
(٦) من قوله وليس كذلك في س وقبل ذلك بمعناه ولم يذكر فيها هنا شيء من ذلك.
(٧) وفي س فيكون القول.
(٨) وفي س في ذلك مع يمينه وزاد فيها بعده لأن المال ثبت بتصادقهما إلا أن المطلوب يدعي الأجل على الطالب وهو منكر فيكون القول قوله قلت ومن قوله إلا إلخ يأتى هنا بعد ذلك.
(٩) من قوله يحلف ذكر في س بعد ذكر قول الشافعي وزاد بعد قوله ادعى إن أراد المدعى عليه يمينه على ذلك.
(١٠) وفي س المطلوب مكان المقر.
[ ١٥٣ ]
لو أقر بضمان ألف مؤجلة القول قوله بالإجماع كذلك هاهنا وهي مسألة الجامع الصغير (^١) مذكورة في باب الضمان (مسألة قال ولو ادّعى على آخر مالًا (^٢) فقال المدعى عليه للقاضي سل المدعي من أي وجله له هذا المال علي فقال المدعي هو يعرف سببه أو قال لا أخبره ما سببه (^٣) فإنه لا ينبغي للقاضي أن يحمل المدعي على أن يبين من أي وجه هو) (^٤) وذلك لأن سامع الدعوى يتبع صحتها وصحة الدعوى يستقبل بها دعوى المال مطلقًا وقد وجد فصحت الدعوى فلزم الجواب عنها (^٥) (فلو أن المدعي (^٦) تبرع ببيان السبب جاز ونظر فيما بينه إن كان سببًا ملزمًا سأل المدعى عليه عن ذلك وحكم فيه بما يجب وإن كان السبب الذي بينه غير ملزم لم يلتفت إلى دعواه ولو أن المدعي لم يبين سببًا لكن المدعى عليه ادّعى سببًا) فهذا على وجهين (إما أن يدعي سببًا يلزم شيئًا أو لا يلزم فإن ادّعى سببًا لا يلزم شيئًا نحو أن يقول له على مائة من ثمن خنزير أو ميتة فلا يخلو إما أن يصدقه المدعي أو يكذبه فإن صدقه انتهى الكلام وإن كذبه فالقول قول المقر ويحلف بالله ما لهذا المدعي عليك ألف درهم واجبة ولا له عليك هذه الألف من غير الوجه الذي أقررت به) هكذا ذكر صاحب الكتاب ولم يذكر فيه خلافًا قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ هذا قول محمد وأبي يوسف أما أبو حنيفة - ﵁ - فعنده القول قول المدعي وله المال ذكر المسألة في كتاب الإقرار وجعلها على الاختلاف ذكرها في كتاب الإقرار استشهادًا فكأن المسألة مرت (^٧) على صاحب الكتاب أو يكون عن أبي حنيفة روايتان محمد يقول الإقرار بأمر غير ملزم جحود معنى وهما يقولان أقر بالمال وادّعى السبب فيكون القول قول من ينكر السبب مع يمينه وأصل المال له هذا إذا كذبه فأما إذا صدقه فقد تم الكلام ولا يلزمه شيء
_________________
(١) وفي س وقد ذكرنا المسألة في شرح الجامع الصغير.
(٢) وفي س ولو أن رجلًا ادعى على رجل ألف درهم.
(٣) وفي ص ما سببه وفي س لا أخبر سببه.
(٤) وفي س أن يجبر المدعي على بيان السبب.
(٥) ولفظ س في التعليل لأن الواجب على المدعي تصحيح الدعوى ودعوى مطلق المال دعوى صحيحة.
(٦) وعبارة س لهذه المسألة هكذا لكن إن بين نظر القاضي فيه إن كانت الدعوى صحيحة سمعها وإن أبى لا يجبره على البيان لكن يسأل المدعى عليه عن المال إن أقر به وادعى أنه من وجه كذا وكذا فهذا على وجهين أما إن أقر به من وجه لا يلزمه بأن قال له علي الألف لأني اشتريت منه الميتة أو الدم أو أقر من وجه يلزمه ففي الوجه الأول ينظر فإن صدقه لا يجب المال لأنهما اتفقا على سبب لا يصلح للإيجاب وإن كذبه ذكر هنا أن القول قول المقر وعليه اليمين لأن قوله له علي ألف لأني اشتريت منه الميتة أو الدم جحود للمال أصلًا فكان القول قوله مع يمينه إلخ.
(٧) وفي س فكأنه ذهب على صاحب الكتاب.
[ ١٥٤ ]
(ولو أقر بالألف (^١) من ثمن خمر إن صدقه المدعي فله الألف عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا يلزمه شيء) بناءً على أن ثمن الخمر هل يجب على المسلم في الجملة عند أبي حنيفة - ﵁ - يجب بأن وكل ذميًا بشراء خمر (^٢) يجب الثمن على الموكل وعندهما ثمن الخمر لا يجب على المسلم بحال وكان الإقرار به كالإقرار بثمن الدم والميتة وهو إذا صدقه المدعي ولو كذبه (^٣) فهو أيضًا على الإختلاف عند أبي حنيفة - ﵁ - القول قول المدعي وله المال وعندهما القول قول المقر) كما في الدم والميتة إذا كذبه هذا الذي ذكرناه إذا ادّعى المدعى عليه سببًا غير ملزم (فإن كان هو ادّعى سببًا ملزمًا فلا يخلو أما إن صدقه المدعي أو كذبه فإن صدقه انتهى الكلام وأمر بدفع المال إليه وإن كذبه وادّعى سببًا آخر فهو على وجهين إما أن يكون بين السببين منافاة أو لا يكون فإن لم يكن بينهما منافاة مثل أن قال أحدهما (^٤) هي من غصب وقال الآخر بل من قرض فإنه لا يلتفت إلى هذا الاختلاف) لأنه اختلاف في السبب بعد حصول المقصود فلا يكون معتبرًا (^٥) (وإن كان بين السببين منافاة نحو أن قال (^٦) المدعى عليه له عليَّ ألف درهم من ثمن عبد باعنيه ولم أقبضه وقال المدعي بل من قرض أو غصب (^٧) فهذا على وجهين إما أن يقول من ثمن عبد مطلق ولا يعين عبدا (^٨) أو يعين عبدًا قائمًا في يدي المدعي ففي الوجه الأول القول قول المدعي مع يمينه ويأخذ المال وكذلك لو وافقه على الجهة وخالفه في أنه لم يقبضه فالقول قول المدعي مع يمينه) وهذا قول أبي حنيفة - ﵁ - خاصة (^٩) وهي مسألة كتاب البيوع معروفة (فأما إذا عين عبدًا قائمًا فقال له علي ألف من ثمن هذا العبد باعنيه ولم أقبضه فهذا على ثلاثة أوجه إما إن
_________________
(١) وفي س وإن قال له علي ألف من ثمن خمر وصدقه المدعى قال أبو حنيفة يجب المال وقالا لا يجب إلخ.
(٢) وفي ص بشراء الخمر.
(٣) وفي س وإن كذبه.
(٤) وفي س بأن قال المدعى عليه له علي ألف بدل القرض وقال المدعي بدل الغصب.
(٥) ولفظ التعليل في س لأنه لا فرق بين الألف التي تجب له لسبب الغصب وبين الألف التي تجب له لسبب القرض فالاختلاف في السبب لا يضر إذا لم يختلف المقصود.
(٦) وفي س بل قال.
(٧) وفي س إلا إني لم أقبضه وقال المدعي لي عليه ألف بدل قرض أو بدل غصب.
(٨) وزاد في س بأن قال المدعى عليه ثمن عبد.
(٩) وفي س لفظ المسألة من قوله ففي الوجه الأول هكذا ففي الوجه الأول عند أبي حنيفة يلزمه الألف ولا يصدق في قوله لم أقبض سواء وصل أو فصل وكذلك لو صدقه المدعي في الحجة وهو الشراء وكذبه في عدم القبض عند أبي حنيفة ﵀ تلزمه الألف ولا يصدق في قوله لم أقبض وصل أم فصل.
[ ١٥٥ ]
صدقه المدعي فيؤمر بتسليم العبد إليه وأخذ المال منه وإما إن كذبه في جميع ما قال فقال لي عليه الألف (^١) ولم أبعه عبدًا أصلًا وهذا العبد عبدي وملكي فالقول قول المدعى عليه هاهنا) وهو المقر لأنه (^٢) أقر له بالمال بشرط سلامة هذا العبد لا مطلقًا ولم يسلم له بحكم جحود المدعي فلا يلزم المال في حق المدعى عليه (والوجه الثالث لهذه المسألة إذا قال (^٣) المدعي العبد عبدك لكن لي عليك ألف درهم بسبب آخر فإنه يؤمر بتسليم العبد إليه ويؤمر ذاك بتسليم المال) وهذا كالوجه الأول يعني إذا اختلفا في السبب مع الإتفاق على المقصود وذلك لأنه أقر بالمال بشرط سلامة العبد وقد سلم فكان الإقرار مطلقًا بعد ذلك لكن اختلفا في السبب وقد ذكرنا أن الاختلاف في السبب إذا حصل المقصود لا يكون معتبرًا على ما مر بيانه.