فكان التعديل في زمانهم تعديلان (^١) تعديل في السر وتعديل في العلانية فالتعديل في السر أنه كان يسأل عن الشهود سرًا من قوم يعرفونهم فإذا عدلوا سأل عنهم في الظاهر من قوم آخرين وعدلهم علانية فيكفي (^٢) في شهود العلانية بالسر الظاهر لأنَّه لو اكتفى بتزكية السر جاز إنَّما التعديل ظاهرًا زيادة خبر وتوثق فيكفي فيه بمستور الحال وأما شهود الغربة فما قال الرجل يزعم أنَّه غريب ليقدم سماع خصومته من غير قرعة فيشهد له شاهدان أنَّه غريب لا يسأل عنهما لأن الإشتغال بالتعديل يفوت المقصود فإن المقصود من تقديم الغريب أن لا تفوته الرفقة والاشتغال بتعديل الشهود يفوت ذلك (^٣) وأما شهود الأشخاص (^٤) فالرجل يدعي على رجل غائب عن المصر حقًا بينه وبين المصر مسافة بعيدة فإن القاضي لا يعديه ولا يشخصه ما لم يقم شاهدين على ذلك ولا يسأل عن ذلك (^٥) الشاهدين لأنَّه في الحال لا يلزم بهما حقًا وقال محمَّد بن سماعة أمَّا أنا أسأل (^٦) عن شاهدي رد الطينة وشاهدي الأشخاص لأنَّ (^٧) في ذلك إلزام شيء على الخصم وهو التأديب والإحضار وهذا موافق لما ذكره شمس الأئمة الحلواني فإنَّه قال يسأل عنهم والله أعلم.
فصل
(قال وأما الهجوم على الخصم إذا توارى في منزله وبين (^٨) ذلك للقاضي فقد رآه (^٩) بعض أصحابنا) ولم يذكر صاحب الكتاب من قاله وأراد به أبا يوسف فإنَّه كان يفعل (^١٠) ذلك
_________________
(١) = شاهدي تزكية العلانية لأنَّ القاضي لو اكتفى بتزكية السر كفى ذلك فكان الثَّاني زيادة احتياط فيكتفي بالمستورين اهـ.
(٢) كذا في الأصلين والظاهر أنَّه تعديلين.
(٣) وفي ص فيكتفي.
(٤) وفي س إمَّا شاهد الغربة فلان التقديم بحكم الغربة إنَّما كان نظرًا له كيلا ينقطع من الرفقة والاشتغال بتعديل شهوده يبطل هذا النظر فلا يفيد اهـ.
(٥) وفي س وإما شاهدا الأشخاص فلأن القاضي لو اشتغل بالسؤال لهرب الخصم اهـ.
(٦) وفي ص ذانك.
(٧) وفي س فأسأل.
(٨) وفي س لأنَّ فيهما إلزام شيء على الغير وفيما فيه إلزام شيء على الغير لا بل من العدالة وليس في تقديم الغريب وتزكية العلانية إلزام شيء على الغير فرأيه في رد الطينة وافق ما قال شمس الأئمة من قبل ا. هـ. قلت وكان في الأصلين التزام شيء.
(٩) وفي س وتبين.
(١٠) وفي س فإنَّه رآه.
(١١) وفي س يفعله ذلك في وقت قضائه ويجيز.
[ ٢١١ ]
في زمن قضائه ويستجيزه وذكر الشَّيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي هذا الفصل ولم يذكر فيه خلافًا بل أجراه على الوفاق وذكر الشَّيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني فيه خلافًا فقال إن أصحابنا لا يرون ذلك (^١) وصورة الهجوم ما قاله أبو بكر صاحب الكتاب (وهو (^٢) أن يبعث القاضي رجلين يثق بهما ومعهما جماعة من النساء والأعوان فيأتون منزله بغتة فتقوم الأعوان في الباب (^٣) وحول الدار حتَّى أن فر من الدار يأخذونه وتدخل النساء فجأة من غير استئذان حتَّى يصرن في الدار بحيث يشاهدن من فيها وينذرن حرم المطلوب ويأمر بهن أن يصرن في بيت ثم يدخل الرجال فيفتشون الدار سوى ذلك البيت فإن وجدوه وإلا دخل النساء ذلك البيت الذي فيه حرم المطلوب ففتشوه) لجواز أنَّه توارى بينهن (فإن وجد أخذ وإلّا خرجوا) هذه صورة الهجوم أما من قال للقاضي ذلك (^٤) فإنَّه يحتج بحديث عمر - ﵁ - أنَّه خطب النَّاس فقال إنَّه بلغني أن في بيت فلان وفلان شرابًا وأني آتي منزلهما الحديث بطوله وقد ذكرناه في أول هذا الباب وكذلك (^٥) احتج (بحديث علي - ﵁ - وذلك ما روي أنَّه استعمل عبد الرحمن بن مخيف (^٦) على الري فأخذ المال وتوارى عند نعيم بن دجاجة الأسدي فأرسل إليه علي - ﵁ - من يخرجه من دار نعيم فجاء نعيم معهم إلى دار علي (^٧) فقال إن مفارقتك لكفر وإن المقام معك لذل فأمر علي بالكف عنه) قوله مفارقتك أي الخروج عليك لأنَّه يصير من الخوارج وذلك يوجب الكفر دل الحديث (^٨) على جواز الهجوم
_________________
(١) وفي س وذكر شمس الأئمة الحلواني أن المذهب عندنا أنَّه لا ينبغي للقاضي الهجوم وصورته ما ذكر في الكتاب.
(٢) وعبارة س أن يكون لرجل على رجل دين فيتوارى في منزله وتبين ذلك للقاضي فالقاضي يوجه رجلين ممن يثق بهما ومعهما جماعة من النساء والخدم ومعهما الأعوان إلى منزله بغتة حتَّى يهجموا إلى منزله فيكون الأعوان على الباب وحول الدار حتَّى إذا خرج من ناحية وقصد الفرار أخذوه ثم النساء يدخلن من غير استئذان وأنذرن حرم المطلوب ليدخلن في بيت ثم يدخل الرجال فيفتشونه فإذا لم يجدوه أمروا النساء ليفتشن النساء لأنَّه ربَّما اختفى بين النساء هذا هو صورة الهجوم اهـ.
(٣) وفي ص بالباب وفي س على الباب كما مر فوق.
(٤) في السعيدية أما من أجاز ذلك احتج إلخ بالمعنى.
(٥) وفي س وبأحاديث ذكر صاحب الكتاب منها ما روي أن عليا - ﵁ - استعمل إلخ.
(٦) وفي ص محنف وكان في الأصل محيف وفي س محنف ولم نجده في كتب الرجال المتداولة.
(٧) وفي س إلى علي.
(٨) وفي س تكلموا في قوله إنَّه لا حرمة لها منهم من قال إن معناه أنَّها لما اشتغلت بما لا يحل لها في الشريعة فقد أسقطت بما صنعت حرمة نفسها والتحقت بالإماء والدليل عليه ما روي عن أبي بكر الأعمش أنَّه خرج إلى باب الرساتيق فكان النساء على شط نهر كاشفات الرؤوس والذروع فذهب أبو بكر الأعمش فجعل يخالطهن ولا يتحامى عن النظر إليهن فقيل له كيف فعلت هذا فقال إنَّه لا حرمة لهن =
[ ٢١٢ ]
وروي (عن عمر (^١) - ﵁ - أنَّه بلغه نائحة في ناحية المدينة فأتاها حتَّى هجم عليها في منزلها ثم ضربها بالدرة حتَّى سقط خمارها فقيل له يا أمير المؤمنين إن خمارها قد سقط فقال إنَّه لا حرمة لها) وقد تكلموا (^٢) في قوله لا حرمة لها قال بعضهم أنَّها لما باشرت ما لا يحل التحقت بالإماء فلم يبق لشعرها حرمة فجاز النظر إليه كما يجوز النظر إلى شعر الأمة وقد روي عن أبي بكر بن الأعمش أنَّه خرج إلى بعض الرساتيق فرأى جماعة من النساء على شاطئ نهر قد كشفن وجوههن وأذرعتهن فجعل ينظر إليهن ويخالطهن ويحادثهن فقيل له في ذلك فقال لا حرمة لهن وإني لأشك في إيمانهن كأنهن حربيات كأنه بلغه حديث عمر - ﵁ - لكن عندنا أنَّها وإن كانت فاسقة عاصية لم تسقط حرمتها ولم يخرج شعرها من أن يكون عورة وقوله لا حرمة لها معناه لا حرمة لها توجب الإمتناع عن هذا السبب المفضي إلى سقوط خمارها وهو الضرب بالدرة وعن هذا قالوا من أسمع من داره فسادًا جاز الهجوم عليه من غير استئذان الإنكار عليه (^٣) لأنَّه لما أسمع من داره فسادًا لم يبق له حرمة يجب لأجلها الإمتناع عن سبب يفضي إلى انتهاك حريمه فصار الحاصل أن الحرمة باقية لكنها لا تنهض شيئًا موجبًا للإمتناع عما يجب إقامته وإن أفضى إلى هتك الحرمة وعلماؤنا ﵏ قالوا لا ينبغي للقاضي أن يهجم على الخصم في منزله لأنَّ فيه هتك ستره وانتهاك حرمته (^٤) ولا ينبغي أن يفعل ذلك وفيه إشاعة الفاحشة وكل ذلك يجب التحرز عنه فيما أمكن والله أعلم.