[١٥٧] ثم صاحب الكتاب أشار إلى الفرق بين الوصي والقيم؛ فإنه يقول:
فمن كان منهم أقامه القاضي مقام الوصي [قبل قوله في ما يقبل فيه قول الوصي].
[ ١ / ٢٨٤ ]
ومن كان منهم أقامه قيمًا قابضًا لأمواله [يبيع الغلات، ويعمر الضيعات، قبل قوله في ما جعل إليه].
وإنما كان [كذلك] لأن القيم من فوض إليه حفظ المال، والقيام عليه، وجمع الغلات، دون التصرف، حتى لو تصرف يصير مخالفًا، كالمودع إذا تصرف في مال الوديعة.
والوصي من فوض إليه التصرف والحفظ جميعًا، فيكون بمنزلة الوكيل بالتصرف والحفظ جميعًا، لكن هذا الفرق كان من قبل، أما في زماننا [فانه] لا فرق بين القيم والوكيل.
[١٥٨] قال:
ويقبل قول الوصي والقيم في ما يدعي من الإنفاق على الضيعة واليتيم ونحو ذلك إذا ادعى ما ينفق على مثلها في تلك المدة.
لأن الوصي والقيم قائم مقام القاضي، فكما يقبل قول القاضي في ما يكون محتملًا، فكذا قول القيم والوصي.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقد ذكر هذا بعد هذا في باب طويل.
وإن ادعى الوصي [أو] القيم أنه انفق من مال نفسه، وأراد به الرجوع على اليتيم، أو على مال الوقف، لا يكون له ذلك؛ لأنه يدعي لنفسه دينًا على اليتيم وعلى مال الوقف، فلا يصح بمجرد الدعوى.
وأما إذا ادعى الإنفاق من مال اليتيم أو من مال الوقف، وماله في يده، فقد أدعى الإنفاق عليه مما هو أمانة في يده، وله ولاية الإنفاق، فيقبل قوله.
وإن اتهم أحدًا منهم في شيء استحلفه.
هكذا قال صاحب الكتاب.
ثم اختلف المتأخرون فيه:
منهم من قال: إنما يستحلف الوصي إذا ادعى عليه شيئًا معلومًا. أما إذا لم يدع [عليه] شيئًا معلومًا، فلا يستحلف.
وأكثرهم قالوا: يستحلف.
لأن هذا الاستحلاف للاحتياط، والنظر لليتيم ومال الوقف.
[ ١ / ٢٨٦ ]
فمتى أحس القاضي بشيء من الخيانة فإنه يحتاط لأمر اليتيم والوقف، ويحلفه على ذلك.
[١٥٩] قال:
فإن ادعى أحد من هؤلاء: الوصي في مال اليتيم أو القيم في مال الوقف، إن القاضي المعزول أجرها له مشاهرة كذا وكذا في كل شهر، ومسانهة كذا وكذا في كل سنة، فإن القاضي المولى لا ينفذ ذلك بمجرد الدعوى.
وكذا إن زعم القاضي المعزول أنه فعل هكذا؛ لأن قوله للحال ليس بحجة.
فإن قامت البينة على فعل القاضي المعزول ينفذه القاضي المولى؛ لأنه يثبت قول القاضي المعزول في حال قضائه، وقوله في حال قضائه حجة، إلا أنه ينظر القاضي المولى في ذلك: فإن كان ذلك مثل أجر مثل عمله أو دونه ينفذ ذلك كله، وإن كان أكثر ينفذ من ذلك مقدار أجر المثل والزيادة على ذلك تبطل، ويجب عليه أن يرده على اليتيم إن كان [قد] استوفى الأجر؛ لأن القاضي كان مأمورًا بالنظر
[ ١ / ٢٨٧ ]
لليتيم، وهذا ليس من النظر.
فإذا كان لا يحل للأول أن يعطي أجرًا أكثر من أجر المثل لا يجب على الثاني أن ينفذ أكثر من أجر المثل.
[١٦٠] قال:
وإن قال أحد الأوصياء أو القوام في مال الوقف: أيها القاضي أني جمعت الغلات، وبعتها وأنفقتها في ضيعة كذا وكذا بأمر القاضي المعزول، وبقى في يدي هذا القدر، فإن القاضي المولى يقبل قوله في حق ما في يده؛ لأنه الأمين فيه، وقول الأمين يكون مقبولًا، ولا يقبل قوله: أني بعت وأنفقت كذا في ضيعة كذا بأمر القاضي المعزول، ويلزمه ما أخرج من يده من مال اليتيم وفالوقف؛ لأنه يدعي لنفسه سبب الولاية، وبمجرد الدعوى لا يثبت سبب الولاية.
وكذا لو قال القاضي المعزول كذلك؛ لأن قوله في الحال ليس بحجة.
فإن قامت البينة على إطلاق القاضي المعزول في حال قضائه، فإن القاضي المولى ينفذه ويمضيه وإلا فلا.
ذكر الفقيه أبو جعفر في شرح هذا الكتاب أنه ينظر: أن كان
[ ١ / ٢٨٨ ]
الرجل معروفًا بالصلاح لا يضمنه القاضي استحسانًا.
لأنه فعل عين ما يفعله القاضي أن لو رفع إليه، فلا يضمن استحسانًا.
ومن هذا الجنس مسائل:
منها:
أن الميت إذا كفنه إنسان من تركته بدون إذن القاضي.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ومنها:
أوقاف المسجد إذا أخذها واحد من صلحاء المحلة وانفق في المسجد قدر ما لابد منه أنه لا يضمن استحسانًا لما قلنا.
والصحيح ما قاله صاحب الكتاب، وكذلك في المسائل التي عدها؛ لأنه إنما لا يضمن هنا وفي تلك المسائل استحسانًا في ما بينهم وبين الله تعالى، أما في الحكم فيضمنون.
كذا ذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح نفقات الخصاف [﵀].
وهذا كله في الثمار والغلات التي تحصل من غير عقدة.
[ ١ / ٢٩٠ ]
أما ما تحصل بعقدة كغلة الحوانيت [فإنه] لا يجب عليه الضمان.
لأنه لما لم يثبت إذن القاضي المعزول وإطلاقه كان غاصبًا، والغاصب إذا أجر المغصوب، واستوفى الأجر كانت الأجرة مملوكة له، فلا يتصور وجوب الضمان [عليه] سواء كان معروفًا بالصلاح أو لم يكن.
[١٦١] قال:
فلو قال القاضي للأمناء: لا أقبل منكم الجملة، لكن أحاسبكم شيئًا فشيئًا، شهرًا فشهرًا، وسنة فسنة، فهذا على وجهين:
إن كان الوصي والقيم معروفًا بالصلاح والأمانة وقال: إنما بقى في يدي هذا القدر من المال، فالقاضي المولى لا يجبره على التفسير شيئًا فشيئًا، فيكون القول قول الأمين مع يمينه.
وإن كان الوصي أو القيم غير معروف بالصلاح والأمانة، فالقاضي يحتاط في ذلك الباب ويبالغ ويحاسبه شيئًا فشيئًا.
فإن لج الرجل وقال: إنما بقى في يدي هذا القدر من المال، فالقاضي لا يجبره على التفسير، فإن في الإجبار إضرارًا به، فإنه إذا أقر بشيء لا يقبل قوله بعد ذلك في الصرف، وليس للقاضي ولاية الإضرار، فلا
[ ١ / ٢٩١ ]
يكون له ولاية الجبر، ولا ولاية التضمين؛ [لأنه، وإن كان متهمًا بالخيانة، لكن مجرد التهمة لا يكون سببًا للتضمين، وإذا بطل الجبر وتعذر التضمين] يحلفه، ويكف عنه.
هذا كله إذا انعزل القاضي الأول.
فإن مات القاضي الأول، فموته وعزله سواء، وكل جواب عرفناه في العزل في حق الأمناء وأمر المحبسين فهو الجواب في الموت.