[١٣٥] قال:
ويكتبان أسماء المحبسين.
لأن القاضي إذا حبس رجلًا وجب عليه أن يكتب اسمه، واسم أبيه، وأسم جده، والسبب الذي يحبس عليه الرجل، وتاريخ الحبس.
لأنه ربما يحتاج إلى سماع البينة على الإفلاس بعد الحبس، فلابد أن يكون ذلك معلومًا عند القاضي.
ثم القاضي المقلد يأخذ هذه النسخة من القاضي المعزول أيضًا، ويكتب ذلك في تذكرته، ويجعل في قمطره، ويختم [عليه] بخاتمه، ويكتب التاريخ في تذكرته من التاريخ الذي أثبته القاضي المعزول لا من
[ ١ / ٢٦٣ ]
وقت عمله، لأن هذا بناء على ذلك الحبس، وفي نسخة لا بالحجة
[١٣٦] [قال:]
ويسألان القاضي المعزول عن المحبسين، وعن أسباب الحبس.
ثم يسأل المحبسين عن أسباب حبسهم.
ويجمع بينهم وبين خصومهم.
فإن اتفقت كلمة القاضي، والمحبوس، ومن حبس لأجله، إعادة في الحبس.
فإن اختلفوا فصل الخصومة بينهما بالحجة، ولا يلتفت إلى قول القاضي المعزول.
فإن جمع بين الخصوم والمحبسين فاقر المحبوس وطلب المدعي حبسه إعادة القاضي المقلد إلى الحبس.
هكذا ذكر.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وذكر الخصاف صاحب الكتاب ﵀ بعد هذا في الباب الحادي والثلاثين أنه إذا أقر إنسان بحق إنسان لا يحبسه في المرة الأولى، وههنا قال يحبسه.
وإنما كان [كذلك]؛ لأن الحبس عقوبة، وإنما يجب إذا ظهر تعنت الخصم وظلمه، ولم يظهر التعنت بإقراره أن له عليه حقًا.
فإذا امتنع عن أداء المال حتى خوصم في ذلك الحق مرة أخرى [فإنه] الآن يحبسه. أما في الموضع فالقاضي المقلد وجده محبوسًا، والقاضي المعزول إنما كان حبسه بعد ظهور تعنته فجاز للمقلد أن يقره في الحبس.
وهذا الفرق على قول الخصاف.
أما على ما يشير إليه محمد ﵀ في الكتاب فلا فرق بين المرة والمرتين في الإقرار؛ لأنه متى أقر بحق حبسه القاضي وأجبره على الأداء.
هذا إذا أقر المحبوس.
[ ١ / ٢٦٥ ]
أما إذا أنكر وقال: أنه يدعي على شيئًا بغير حق وحبسني بظلم فلا يلتفت إلى قوله، لكن يكلف المدعي إقامة الشهود.
فإن أقام [فان] كان القاضي يعرف الشهود بالعدالة أقره في الحبس.
لأن القاضي إنما يرجع في تعديل الشهود إلى غيره إذا لم يكن حال الشهود معلومًا له.
أما إذا كان معلومًا له فلا يرجع إلى غيره، كما في باب الاتلاف، إنما يرجع في معرفة قيم المتلفات إلى تقويم المقومين إذا لم يعرف القيمة بنفسه.
أما إذا عرف فلا يرجع.
فإما إذا لم يعرف الشهود بالعدالة، فقول القاضي لا يكون حجة، لكنه يسأل عن حال الشهود، ويأخذ منه كفلًا بنفسه ويطلقه.
أما لا يقره في الحبس فلانه لما تظهر عدالة الشهود، لم
[ ١ / ٢٦٦ ]
يثبت عليه الحق بنفس الشهادة، فلا يمكنه الحبس ولا يطلقه بدون كفيل أيضًا؛ لأن القاضي يحتاط للناس، والاحتياط في أخذ الكفيل منه إلى أن تظهر عدالة الشهود، فإن ظهرت العدالة إعادة إلى الحبس وإلا فلا.
[١٣٧] قال:
وإن كان في المحبسين قوم لم يحضر لهم خصم وادعوا أنهم حبسوا بغير حق، وأنه ليس لهم خصم، فإن القاضي يبلي عذره.
أي يظهر [عذره].
وإنما يحصل أبلاء العذر أن يأمر مناديًا ينادي كل يوم إذا جلس أن القاضي يقول: من كان يطلب فلان بن فلان الفلاني المحبوس بحق فليحضر، حتى يجمع بينه وبينه.
فإن حضر [أحد] وإلا فان رأي القاضي أن يطلقه [فانه] ينادي أيامًا كذلك، كما إذا عرض اليمين على المدعي عليه يقول له في كل
[ ١ / ٢٦٧ ]
مرة: أني أعرض عليك اليمين فإن نكلت فمن رأيي أن أقضي عليك بالنكول، فإذا نكل في المرة الثالثة وجه عليه القضاء، فكذا هذا.
فإن حضر خصم لأحد [منهم] جمع بينه وبينه.
فإن لم يظهر تأتي [القاضي] في ذلك أيامًا على حسب ما يرى القاضي، ولم يسجل بإطلاقهم.
فإن لم يحضر لأحد منهم خصم أخذ منهم كفيلًا بأنفسهم، وأطلقهم بعد التأني.
قيل: ما ذكر من أخذ الكفيل في هاتين المسألتين قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
أما على قول أبي حنيفة رحمة الله فلا يأخذ بناء على مسألتين:
أحداهما: أن القاضي إذا قسم التركة بين الورثة هل يحتاط بأخذ الكفيل من الورثة؟
والثانية: إذا قضى القاضي [بأخذ] الدين من التركة هل
[ ١ / ٢٦٨ ]
يحتاط بأخذ الكفيل من الغرماء؟
عند أبي حنيفة ﵀: لا.
وعندهما: يحتاط.
فكذا في مسألة الكتاب.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: لا بل الصحيح أن هذا قولهم جميعًا، والفرق لأبي حنيفة ﵀ أن في مسألة القسمة وقضاء الدين الحق ظاهر لهذا الوارث وهذا الغريم، وفي ثبوت الحق لآخر شك. فلا يجوز تأخير هذا الحق إلى وقت الكفالة لحق موهوم.
أما في مسألة الكتاب فالحق ثابت بيقين، لأنه حمل فعل القاضي المعزول على الصلاح والسداد، لكنه مجهول، فلا يكون أخذ الكفالة لحق موهوم.
[١٣٨] وإن قال بعض المحبسين: أنا محبوس لرجل يقال له فلان بن فلان الفلاني بألف درهم أقررت له بها عند القاضي فحسبني له، فإن القاضي يأمر بإحضار خصمه.
فإذا أحضره، فإن عرفه القاضي أنه فلان بن فلان الفلاني، أو
[ ١ / ٢٦٩ ]
شهد الشهود على نسبه، فقال المحبوس: هذا ماله أحضرته، فقل له ليقبضه ويخرجني من الحبس، فإن القاضي يأمره بأداء المال إليه، لأنه أقر به.
فإن لم يعرف القاضي له خصمًا آخر أطلقه.
ولم يذكر صاحب الكتاب أخذ الكفيل ههنا، وهو موافق لما قلنا من المعنى.
فكذا إذا لم يحضر المال، لكن المدعي يقول: أنا أختار الرفق به، فأمهلته مدة معلومة فأطلقه، فهذا والوجه الأول سواء.
وأن أشكل على القاضي أمر المدعي أنه فلان بن فلان الفلاني، فإن القاضي يأمره بأداء المال إليه في الوجه الأول.
وأما إطلاقه في الوجهين فلا ينبغي له أن يعجل بل يتأنى ثم يأخذ كفيلًا منه بنفسه، ثم يطلقه في الوجهين؛ لجواز أنهما احتالا بحيلة، والخصم غيره، فيحتاط القاضي بأخذ الكفيل بنفسه، ثم يطلقه.
[١٣٩] وكذا لو قال المحبوس: إنما حبست لهذا الرجل بألف درهم، وقد أحضرتها، فقال له ليقبضها، ويخرجني من الحبس، والقاضي لا يعرف طالب هذا المحبوس، ولم يأت بمن يعرفه من الشهود، فإن القاضي يأمر هذا الرجل يقبض هذا المال بإقرار المحبوس له.
[ ١ / ٢٧٠ ]
فأما إطلاقه، فلا ينبغي أن يعجل في إطلاقه بقول هذا القابض للمال، لكن يأمر القاضي بالنداء على المحبوس على ما وصفنا، فإن أتى إنسان فيها. وإن لم يأت تأتى القاضي أيامًا على حسب ما يرى القاضي، ثم يأخذ منه كفيلًا بنفسه ثم يطلقه.
فإن قال المحبوس: لا كفيل لي، أو قال: ما يجب على إعطاء الكفيل، فليس لي خصم، فلا أعطي كفيلًا، تأتي القاضي في أمره، ولم يعجل في إطلاقه حتى ينادى عليه، ويسأل الخصم شهرًا أو نحوه، على [حسب] ما يرى القاضي.
فإن أتى له خصم وإلا فأطلقه.
[١٤٠] سأل صاحب الكتاب ﵀ سؤالًا عن نفسه، قال:
فإن قال قائل: لا ينبغي لهذا القاضي المولى أن يترك أحدًا من المحبسين إلا أطلقه إلا رجلًا يقر لإنسان بعينه بحق، وذلك الإنسان يريد حبسه، أو إنسان يأتي بشهود عدول على أحد منهم. أما من لم يحضر له خصم فإن القاضي لا يحبسه؛ لأن القاضي ما يحبسه لحقه، وإنما حبسه لحق غيره. فإذا لم يكن ههنا أحد يخاصمه وجب أن
[ ١ / ٢٧١ ]
لا يحبسه.
وأجاب عنه، فقال:
أنا نضع أمر القاضي وحبسه على أنه لم يحبس إلا بأمر يلزم به الحبس؛ لأن القاضي عندنا على العدالة، حتى يصح عليه خلاف ذلك.
[١٤١] ثم ذكر سؤالًا آخر، قال:
فإن قال قائل: فإذا لم يطلقهم القاضي فلا ينبغي أن يتعرض في أمورهم لشيء، فلا يأمر بحبسهم، ولا ينهي عن ذلك.
لأن فعل القاضي إنما يكون بحجة، ولم يوجد دليل الحبس، ولا دليل الإطلاق.
فأجاب عنه، فقال:
أن القاضي إذا قال أنا لا آمر في هذا بشيء، ولا انهي، فإذا أطلقهم البواب، أو غيره من الحبس، هل يتركه القاضي وذلك؟ فلا ينبغي له أن يتركه القاضي وذلك؛ لأنه ليس للقاضي أن يطلق، ولا يترك أحدًا يطلق، لكن يسأل عن أمره، فإذا صح عنده شيء عمل به.
[١٤٢] ثم الحبس في حق المحبوس لا يخلو: إما أن يكون بسبب الدين، أو بسبب العقوبات الخالصة للعباد، وهو القصاص
[ ١ / ٢٧٢ ]
في النفس، أو في الطرف، أو في العقوبات الخالصة لله تعالى، وهو الزني، والسرقة، وشرب الخمر، أو بسبب عقوبة مترددة بين حق الله تعالى وحق العبد، وهو حق القذف.
[١٤٣] فإن كان بسبب الدين فقد ذكرنا.
[١٤٤] وإن كان بسبب العقوبات الخالصة للعباد؛ بأن قال واحد من المحبسين: إنما حبست لأني أقررت بالقصاص لفلان، جمع القاضي بينه وبين خصمه.
و[ان] ادعاه ذلك الخصم ينظر:
إن كان القصاص في النفس، فإن القاضي يمكنه من الاستيفاء بإقراره؛ لأنه لا تتمكن تهمة المواضعة.
وإن كان القصاص في الطرف يمكنه من الاستيفاء أيضًا بإقراره، لكن لا يعجل بإطلاقه؛ لأنه تتمكن تهمة المواضعة؛ فإنه يجوز أن يكون لإنسان آخر حق في نفسه، أو في ماله، فهو يبذل الطرف؛ ليتخلص،
[ ١ / ٢٧٣ ]
فيفوت حق ذلك الإنسان في نفسه، وينفلت، فيتأنى في ذلك، وينادي [عليه]، ثم يأخذ عنه كفيلًا بنفسه، ويطلقه.
[١٤٥] وإن كان بسبب العقوبات الخالصة لله تعالى بأن قال: إنما حبست لأني أقررت بالزنى عند القاضي المعزول أربع مرات، فحبسني ليقيم الحد علي، فإن القاضي لا يقيم الحد عليه بذلك.
لأن ما كان من الأقارير في مجلس القاضي المعزول لا يكون حجة في حق القاضي المولى، لكن هو يستقبل الأمر، فإن أقر بالزنى أربع مرات في أربعة مجالس صح هذا الإقرار، فإن كان محصنًا رجم، وإن لم يكن محصنًا جلده، ثم يتأنى في ذلك، وينادى عليه، فإن حضر له خصم جمع بينهما، وإلا أخذ كفيلًا بنفسه وأطلقه.
[فإن رجع عن الإقرار صح منه رجوعه؛ لأنه لو رجع عند القاضي الأول حين كان قاضيًا صح، فكذا ههنا عند القاني، فلا يقيم الحد عليه، لكن لا يطلقه؛ لتوهم الحيلة، لكن ينادي، ثم يتأنى، ويأخذ منه كفيلًا بنفسه ويطلقه].
[١٤٦] وأما إذا قال: قامت البينة علي بالزنى، فحبسني القاضي؛ ليقيم علي الحد، فإن القاضي لا يقيم الحد عليه بتلك البينة؛ لأن
[ ١ / ٢٧٤ ]
ما كان من الشهادة عند القاضي المعزول لا يعتبر عند الثاني.
وكذا لو شهدوا عليه عند الثاني إذا تقادم العهد؛ لأن الشهادة على الزنى عند التقادم لا تكون حجة، بخلاف الإقرار، فإنه يكون حجة، فيستقبل القاضي المولى الأمر في الإقرار.
وإذا ثبت [إنه] لا يقيم الحد بتلك البينة لا يطلقه؛ لتوهم الحيلة، لكن ينادي عليه، ويتأنى في أمره، ويأخذ منه كفيلًا ويطلقه.
[١٤٧] وإن قال: إنما حبست لأني أقررت بالسرقة من فلان عند القاضي، يقطع القاضي يده، سواء تقادم العهد أو لم يتقادم.
لأن الإقرار حجة في السرقة في الفصلين جميعًا كما في الزني.
ثم لا يعجل بإطلاقه؛ لتوهم الحيلة، بل يتأنى في أمره، ويأخذ كفيلًا [بنفسه] ويطلقه كما بينا.
[١٤٨] وإن قال: حبست لأنه قامت البينة علي بالسرقة عند القاضي الأول، فالقاضي لا يقيم الحد عليه بتلك البينة لما قلنا.
وكذا إذا شهدوا عند الثاني إذا تقادم العهد؛ لأن البينة لا تقبل في
[ ١ / ٢٧٥ ]
السرقة بعد تقادم العهد، فلا تقطع يده، ولا يعجل بإطلاقه، بل يفعل ما قلنا.
[١٤٩] وإن قال: إنما حبست لأني أقررت بشرب الخمر، أو بالسكر من النبيذ، أو قال: قامت على بينة على ذلك، فحبسني القاضي ليقيم علي الحد، فإنه لا يقيم الحد عليه في الفصل الثاني.
وفي الفصل الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأن حد شرب الخمر إنما يجب بالإقرار أو بالبينة عندهما، إذا كانت الخمر في بطنه، والرائحة توجد منه ولم توجد فلا يجب الحد عليه، لكن لا يعجل بإطلاقه، بل يفعل ما قلنا.
[١٥٠] وإن قال: إنما حبست، لأني قذفت هذا الرجل بالزنى، فحبسني القاضي ليقيم علي الحد، وصدقه ذلك الرجل، استوفى منه الحد، ولا يصح الرجوع عنه، بخلاف حد الزنى.
فإذا استوفى منه لا يعجل بإطلاقه، بل يفعل ما قلنا.
هذا هو الكلام في المحبوسين.