[١٦٣] قال:
ذكر [عن] الحسن ﵀ أنه قال:
أتيت مسجد المدينة ذات يوم بالهاجرة، فإذا أنا بابن عفان ﵁ قد كوم كومة من الحصى، ووضع رداءه ثم اتكأ، فإذا رجل حسن الوجه، حسن اللحية، وإذا بوجنتيه نكتات من أثر الجدري، وإذا الشعر قد كسا ساعديه، فجاء سقاء معه قربة له، يخاصم رجلًا، قال: فجعل ينظر في ما بينهما.
[ ١ / ٢٩٥ ]
اشتمل هذا الحديث على فوائد:
منها:
أن عثمان بن عفان ﵁ كان جميلًا حسن الوجه واللحية.
ومنها:
أنه لا بأس بالجلوس في المسجد؛ فإن عامة جلوس عثمان ﵁ كان في المسجد، وعامة جلوس عمر ﵁ قبله كان في المسجد.
فهكذا ينبغي للسلطان والقاضي أن يكون جلوسه في المسجد ليتيسر على الناس الدخول.
[١٦٤] وهذه المسألة اختلف العلماء فيها: أنه هل يجوز للقاضي أن يجلس للقضاء في المسجد؟
قال علماؤنا ﵏: لا بأس به.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وقال الشافعي ﵀: يكره.
وقال مالك [بن أنس ﵄]: الجواب فيه على التفصيل: إن كان في المسجد وتقدم إليه الخصمان لا بأس بفصل الخصومة في المسجد، وإن تعمد الذهاب إلى المسجد لفصل الخصومة في المسجد يكره.
والشافعي ﵀ يقول: القاضي يحضر في مجلسه المشرك وهو نجس كما نطق به الكتاب، وكذا تحضره الحائض، وهي ممنوعة عن دخول المسجد، فيكره له الجلوس في المسجد لهذا.
ولنا ما روى عن رسول الله -ﷺ- أنه قال:
"إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى والحكم".
[ ١ / ٢٩٧ ]
سوى بين العبادة والحكم.
والدليل عليه ما روى أن رسول الله ﷺ كان يفصل بين الخصوم في معتكفة.
والخلفاء الراشدون كانوا يجلسون في المساجد لفصل الخصومات.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وأما قوله: فإنه يحضره في مجلسه المشرك وهو نجس، قلن: النجاسة في اعتقاده، لا على ظاهر بدنه، فلا يصيب الأرض منه شيء، والحائض مسلمة، فالظاهر أنها تتحرز عن دخول المسجد في حالة الحيض، وتخبر أنها حائض، فإذا أخبرت فإن القاضي لا يكلفها دخول المسجد، لكن يخرج إليها فينظر في خصومتها، أو يأتي إلى باب المسجد، كما لو وقعت الخصومة في الدابة والشاة والبقرة وغيرها. فإنه لا يمكن إحضارها في المسجد، لكن يخرج القاضي لسماع الدعوى والشهادة من الشهود والإشارة إليها، فهاهنا كذلك.
[١٦٥] وذكر عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كتب: أن لا يقعد قاض في مسجد يدخل [فيه] المشركون، فإنهم نجس، قال الله تعالى: "إنما المشركون نجس".
[ ١ / ٢٩٩ ]
[١٦٦] عن عمر بن عبد العزيز أيضًا أنه كتب أن لا يقضي القاضي في المسجد.
[١٦٧] أورد صاحب الكتاب في هذا الباب أحاديث من الجانبين؛ ليبين أن هذا مما اختلف فيه السلف أيضًا، بعضهم كرهوا وبعضهم لم يكرهوا.