[٨] افتتح صاحب الكتاب بحديث عائشة -﵂أنها قالت:
"يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يكن قضى بين اثنين".
أورد هذا الحديث المحدثون للتخدير عن طلب القضاء والدخول
[ ١ / ١٣٦ ]
فيه؛ فإنه ذكر هذا في حق العادل في هذا الحديث؛ فإذا كان هذا حال العادل فما ظنك بالجائر؟
فكأن شدة الحساب والعقاب تعم جميع القضاة، إلا ن العادل ينجيه الله تعالى بعدله، والجائر يبقى في وبال ما فعل.
[٩] ذكر عن صعصعة بن صوحان أنه قال:
خطبنا علي بن أبي طالب -﵁بذي قار على ظرب. وذي قار اسم موضع وظرب بالظاء رأس جبل، ويروى بالضاد، وهو تل؛ فإنهم كانوا يخطبون على الجبال والتلال؛ ليكون أبلغ وأشهر في الأسماع، ولهذا جرت العادة باتخاذ المنابر.
قال: وعلى رأسه عمامة سوداء.
وإنما تعمم بعمامة سوداء اقتداء برسول الله -ﷺ -، فإن النبي ﵊ كان على رأسه يوم فتح مكة عمامة سوداء، وعصب عليها عصابة حمراء.
[ ١ / ١٣٧ ]
نتعمم علي -﵁بعمامة سوداء اقتداء به.
ثم قال:
أيها الناس: أني سمعت رسول الله -ﷺيقول:
"أنه ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدى الله تعالى على الصراط ثم تنشر الملائكة سيرته، أي صحيفة عمله مع رعيته، ومع من تحت يده: أعدل أم جار، فيقراها على رؤوس الخلائق يعني بين الإشهاد كما قال الله تعالى:
﴿ويوم يقوم الإشهاد﴾.
فإن كان عدلا نجاه الله تعالى بعدله، وإن كان غير عدل انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة عام.
[ ١ / ١٣٨ ]
فتكلموا في معناه على وجهين:
منهم من قال: تعظم أعضاؤه حتى يصير بين كل عضو من أعضائه لعظمه مسيرة مائة سنة قال النبي -ﷺ -:
"غلظ جلد الكافر في النار أربعون ذراعًا".
[ ١ / ١٣٩ ]
وقال -﵊ -:
"ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد".
فكذا ههنا تعظم أعضاؤه بهذه الصفة؛ ليذوق من الحساب بحسابه".
ومنهم من يقول: تتفرق أعضاؤه حتى يصير بين كل عضو من أعضائه مسيرة مائة سنة.
قال:
ثم ينخرق به الصراط، أي ينشق.
وفي رواية: ينحرف الصراط، أي يميل.
[ ١ / ١٤٠ ]
والأول أصح.
فما يتلقى قعر جهنم إلا بوجهه وحر جبينه.
وتكلموا في معناه على وجهين:
منهم من قال: [أن] أول ما يعذب في النار الوجه، قال الله تعالى:
﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾.
وهذا لأنه إنما قضى بالجور صيانة لوجهه فيكون الوجه هو المعذب أولا في النار.
ومنهم من يقول: يلقى في النار منكوسًا، وأشد ما يكون من العذاب أن يلقى المرء في النار منكوسًا فيكون مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
وهذا لأنه أظهر من نفسه أنه يقضى بالعدل وقد قضى بالجور، فكان صورته صورة المنافقين، فيكون مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.
[ ١ / ١٤١ ]
وفائدة الحديث التحذير عن طلب القضاء.
[١٠] ذكر عن سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد عن مسروق قال:
ما من حكم -وفي رواية: ما من حاكم، والأول أصح -[يحكم بين اثنين] إلا جيئ به يوم القيامة وملك آخذ بهذه منه -وأشار سفيان بيده إلى قفاه -ينظر إلى الله تعالى، فإن أمره أن يلقيه القاه في مهواة سبعين خريفًا.
فهذا الحديث كالمرفوع إلى رسول الله -ﷺ -؛
[ ١ / ١٤٢ ]
لأن الوعيد في الآخرة لا يعرف بالرأي وإنما يعرف بالسماع من رسول الله -﵊فصار كالمرفوع إلى رسول الله -ﷺ -. ففي الحديث دليل على أن الوعيد المذكور للقضاة يتناول الحكم أيضا.
وفائدة الحديث التحذير عن طلب القضاء؛ فإن أشد ما يكون من الاستخفاف أن يكون غيره آخذا بقفاه.
ثم تكلموا في معنى قوله: ينظر إلى الله تعالى من وجهين:
منهم من يقول: لم يرد به حقيقة النظر، وإنما أراد به أن ينظر أمر الله تعالى فيه؛ ليمتثل أمر الله تعالى.
ومنهم من يقول: أراد به حقيقة النظر؛ وهي الرؤية.
ثم تكلموا في الرؤية: أن الرؤية لبني آدم دون الملائكة أم لهما؟ وترك الخوض فيه أحوط.
وقوله: في مهواة سبعين خريفا، ولم يرد به حقيقة السبعين، وإنما أراد به المبالغة، فإن هذه عادة العرب أن من أراد المبالغة في شيء فإنه يذكر السبعين والأربعين.
وفائدة الحديث: التحذير عن طلب القضاء.
[١١] وذكر عن مسروق -﵀أنه قال:
[ ١ / ١٤٣ ]
لأن أقضى يومًا واحدا بحق وعدل أحب إلي من سنة اغزوها في سبيل الله تعالى.
ذكر مسروق محاسن القضاء؛ لأنه ابتلى به ومن ابتلى بشيء يذكر محاسن ذلك الشيء، هذا هو العادة. وإنما قال ذلك؛ لأن الجهاد فيه أمر بالمعروف، وفي القضاء بحق أمر بالمعروف وإظهار
[ ١ / ١٤٤ ]
الحق، ونصرة المظلوم، فيكون نفع القضاء أعم، وما يكون أعم نفعا كان أفضل.
[١٢] ذكر عن أبي هريرة -﵁قال:
قال رسول الله -ﷺ -:
"من جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين".
[ ١ / ١٤٥ ]
وفي رواية:
"من ولي القضاء فكأنما ذبح بغير سكين".
وهذا لأن السكين تؤثر في الظاهر والباطن جميعا، والذبح بغير سكين ذبح بطريق الخنق والغم ونحو ذلك، وأنه يؤثر في الباطن دون الظاهر فكذا القضاء لا يؤثر في الظاهر؛ فإنه في الظاهر حياة وفي الباطن هلاك.
[١٣] ذكر عن الحارث البصري [-﵀ -] قال:
كانت بنو إسرائيل إذا استقضى الرجل منهم أوين له من النبوة.
وفائدة الحديث: التحذير عن طلب القضاء والدخول فيه؛ لأن
[ ١ / ١٤٦ ]
درجة النبوة درجة عظيمة، فمن أوين له من النبوة كان ذلك مسقطة له لا مكرمة، وهذا لأن في نبي إسرائيل من فرغ نفسه للعبادة ستين سنة كان يرجى له النبوة، فإذا اشتغل بالقضاء انقطع طمعه فيها.
[١٤] ذكر حديث أبي قلاية أنه دعي إلى القضاء فهرب حتى أتي الشام، فوافق ذلك عزل صاحبها، حتى أتى اليمامة، فقال: ما وجدت مثل القاضي إلا مثل سايح في بحر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق.
وهذا لأن الغالب من حال السابح في البحر الهلاك، والنجاة نادرة، فكان من الغالب من حال الداخل في القضاء الهلاك والنجاة نادرة. فكأن حديث أبي قلابة بلغ أبا حنيفة -﵀حتى قال أبي يوسف: لو أمرت أن اعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه؟!
وفائدة الحديث ما قلنا.
[ ١ / ١٤٧ ]
[١٥] وذكر أن الحكم بن أيوب كتب في نفر يستعملهم على القضاء، فقال أبو الشعثاء جابر بن زيد بن عمرو: أن الحكم بن أيوب قد كتب يذكرني في هؤلاء، وما أملك من الدنيا إلا حماري هذا، ولو أرسل إلي لركبته وهربت في الأرض.
وفائدة الحديث ما قلنا.
[١٦] ذكر عن شريح أنه قال:
إنما القضاء جمر فادفع الجمر عنك بعودين.
[ ١ / ١٤٨ ]
يعني بشاهدين.
وتأويله: أنه لما جثا الخصمان بين يدي القاضي فقد توجه الاحتراق على القاضي، فعليه أن يدفع الاحتراق عن نفسه بشهادة شاهدين فإن قضى بشهادة شاهدين فقد دفع الاحتراق عن نفسه، وأن خالف احترق في نفسه.
[١٧] ذكر عن سليمان بن جنيد المدني قال:
حدثني من سمع أبا هريرة -﵁يقول:
والله ليرمين الله تعالى القضاة يوم القيامة بشرر أعظم من هضاب حسمى.
الشرر هي النار. قال الله تعالى:
﴿إنها ترمى بشرر كالقصر﴾.
والمراد به النار والهضاب: تلال، وحسمى: اسم موضع، والهضبة وحدان الهضاب، وهي اسم جبال صغار في حسمى.
وقيل حسمى على وزن كسرى أصح، وهو اسم جبل عظيم.
وهذا الحديث وإن قيل في تأويله: أن المراد منه الجائر، ولكن ظاهرة يتناول القضاة العادل والجائر جميعا.
[ ١ / ١٤٩ ]
وفائدة الحديث ما قلنا.
[١٨] وذكر عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال:
ويل لديان أهل الأرض من ديان أهل السماء يوم يلقونه، إلا من أم بالعدل وقضى بالحق، ولم يقض بهوى، ولا لقرابة، ولا لرغبة، ولا لرهبة، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه.
فالمراد من ديان أهل الأرض الحاكم، ومن ديان أهل السماء هو الله تعالى، وفي صفات الله تعالى الديان.
يعنى: ويل للحاكم الذي يحكم بغير حق من الله تعالى يوم القيامة.
وقوله: إلا من أم بالعدل، أي قصد العدل والإنصاف، وجعل كتاب الله تعالى مرآة بين عينيه.
[١٩] وذكر عن عمران بن الحصين أنه قضى على رجل بقضية فقال: والله لقد قضيت علي بالجور وما ألوت.
[ ١ / ١٥٠ ]
يعنى: وما قصرت قال الله تعالى:
﴿لا يألونكم خبالًا﴾.
يعنى لا يقصرون في إفساد أمور دينكم.
فقال: وكيف ذلك؟
قال: شهد علي بزور.
فقال: ما قضيت فهو من مالي، والله لا أجلس مجلسي هذا أبدا.
فقوله: ما قضيت فهو من مالي ضمان على طريق التبرع، أما لا يجب عليه الضمان بذلك.
وقوله: [والله] لا أجلس مجلسي هذا، يعني القاضي إنما
[ ١ / ١٥١ ]
يخرج عن الوبال بأن يعتمد شاهدين، ويتأمل، وبعد الاعتماد والتأمل فقد تقع مثل هذه الحادثة، فالصواب هو الامتناع.
والله اعلم
* * *
[ ١ / ١٥٢ ]