[٣٢٩] ذكر عن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت أن بعد الله بن الزبير خصامه عمرو بن الزبير إلى سعيد بن العاص، وهو
[ ٢ / ٨٤ ]
على السرير، وقد أجلس عمرو بن الزبير على السرير، فلما جاء عبد الله وسع له سعيد من شقه الآخر، فقال: ههنا، فقال عبد الله: الأرض، قضاء رسول الله ﷺ أو سنة رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الإمام.
[ ٢ / ٨٥ ]
فيه دليل على أن الخصوم يجثون بين يدي القاضي أمامه على الأرض، ألا ترى أن عبد الله بن الزبير أشار إلى هذا.
وهذا لأن القاضي [لو أجلسهما على السرير فإن أجلسهما على جانب واحد كان أحدهما أقرب إلى القاضي] فتنعدم به التسوية.
وإذا جلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره تنعدم به التسوية أيضًا؛ لفضل اليمين على اليسار أيضًا؛ ألا ترى أن يمين رسول الله ﷺ كانت لأبي بكر، ويساره كانت لعمر ﵄، وكان ذلك لإظهار فضل أبي بكر على عمر ﵄.
[ ٢ / ٨٦ ]
[٣٣٠] ذكر عن الشعبي قال:
كان حائط بين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب ﵄، فكانا جميعًا يدعيانه، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت ﵁، فأتياه فضربا الباب، فسمع زيد صوت عمر ﵁ فاستقبل، فقال:
[ ٢ / ٨٧ ]
ألا أرسلت إلي يا أمير المؤمنين. فقال: في بيته يؤتى الحكم …
في الحديث دليل على جواز التحكيم.
وفيه دليل أيضًا على أن الإمام إذا وقعت له الخصومة أو عليه، لا يحكم بنفسه لكن يحكم غيره، ليحكم بينه وبين خصمه؛ ألا ترى أن عمر ﵁ حكم [زيد بن ثابت].
[ ٢ / ٨٨ ]
فإذا حكم الإمام إنسانًا يصير ذلك الحكم كالحاكم المولى.
وفيه دليل على أن الحكم لا يدعوه الإمام إلى نفسه، لكن يأتي إلى بيته.
وإنما كان كذلك تعظيمًا للحاكم؛ كما أن المتعلم لا يدعو العالم إلى نفسه، بل يأتي إليه تعظيمًا [للعلم].
وفيه دليل على أن الخصومات كانت تقع بين كبار الصحابة ﵃، ولا يظن بهم إلا الجميل، فيحمل على أن الأمر قد يشتبه عليهم، فيختصمون كي يظهر الحق، ولا يظن بهم إلا هذا.
ثم قال: حائط …
والحائط اسم للبناء، لكن المراد منه ما ادير عليه الحائط من النخل والأشجار جميعًا.
ثم قال:
فلما دخل ألقى إليه وسادة، فقال: ههنا في
[ ٢ / ٨٩ ]
الرحب …
وفتح الراء في الرحب جائز.
يا أمير المؤمنين.
قال: وهذا أول جورك …
يعني دخلت عليك لأجل الخصومة، لا لأجل الزيارة.
فجلسا بين يدي زيد.
فقال أبي: حائطي.
فقال زيد: بينتك.
فيه دليل أن الحائط كان في يد عمر ﵁.
ثم قال زيد لأبي بن كعب:
فإن رأيت أن تعفي أمير المؤمنين عن اليمين فاعفه.
فقال عمر: [وهذا جور] أيضًا.
فيه دليل على أنه لا ينبغي للقاضي أن يقول مثل هذا، إنما عليه أن يفصل بينهما، فكان هذا منه جورًا أيضًا.
فقال أبي:
لا، بل نعفيه، ونصدقه.
[ ٢ / ٩٠ ]
فقال عمر: لا، بل تقضى علي باليمين، ثم لا أحلف.
اختلف المتأخرون في تأويله:
منهم من قال: أراد به لا، بل اقض علي باليمين؛ فإني لا أحلف.
فيه دليل على أن القضاء بالنكول جائز.
وفيه دليل على أن التجنب عن اليمين الصادقة واجب.
ومنهم من قال: أراد به: لا، مفصولًا عن قوله: تقضي.
يعني: لا، تقضي علي باليمين، ثم لا أحلف.
يعني: إنك تقضى علي باليمين، فكيف لا أحلف.
فيه دليل على أن اليمين الصادقة لا بأس بها ألا ترى أن عمر ﵁ تركت له اليمين، ومع هذا قال [له] احلف.
[ ٢ / ٩١ ]
وروي عن رسول الله ﷺ أنه كان يقسم كثيرًا بحق.
وفائدة هذا الحديث وجوب التسوية بين الخصمين.
[٣٣١] وذكر عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال:
«إذا ابتلي أحدكم بالقضاء، فليسوا بينهم في المجلس والإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر».
وفائدة الحديث أيضًا وجوب التسوية بين الخصمين.
[ ٢ / ٩٢ ]
[٣٣٢] ذكر عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:
«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله» … إلى قوله تعالى: «وإن تلووا أو تعرضوا» قال: هو الرجلان يجلسان عند القاضي، فيكون لي القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر.
[ ٢ / ٩٣ ]
فاللي هو الإعراض عن أحد الخصمين؛ وهو أن يلوي عنقه إلى أحد الخصمين بعد ما كان مقبلًا عليهما، وهذا نهى [عنه] شرعًا؛ لأن فيه إعانة لأحد الخصمين، ومكسرة للآخر، وهو مأمور بالتسوية بينهما.
[٣٣٣] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب.
ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين.
وقد ذكر أشياء [بعد هذا] تقدم ذكرها في الباب السابع.
[والله اعلم]
* * *
[ ٢ / ٩٤ ]