[٢٦٥] ذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي عبيدة [بن الجراح] ومعاذ بن جبل بالشام: أن انظروا رجلًا من أهل العلم من الصالحين من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم من الرزق.
[ ٢ / ٩ ]
فيه دليل على أن للقاضي أن يأخذ كفايته من بيت المال، ألا ترى أنه قال: وأوسعوا عليهم من الرزق.
والدليل عليه ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه لما استخلف كان يأخذ الرزق من بيت المال أيضًا. وعمر ﵁ لما استخلف كان يأخذ الرزق من بيت المال، وعثمان ﵁ كان صاحب ثروة ويسار، فكان يحتسب ولا يأخذ. وعلي ﵁ كان يأخذ.
[ ٢ / ١٠ ]
ولأنه محبوس بحق العامة، والحبس من أسباب النفقة، ولا يكون هذا أجرًا على القضاء، لكن إنما يأخذ كفايته، لأنه محبوس بحق العامة، فكان عاجزًا عن الكسب، فلو لم يأخذ كفايته لنفسه وعياله ومن يمونهم من أهله وأعوانه، احتاج أن يأخذ من أموال الناس فيأخذ الرشوة، وذلك حرام.
[٢٦٦] ذكر عن نافع قال:
كان زيد بن ثابت ﵁ يأخذ على القضاء
[ ٢ / ١١ ]
أجرًا.
ولم يرد به حقيقة الأجر، بل يأخذ كفايته لكن سماه أجرًا لتصوره بصورة الأجر فإنه مستحق ذلك بعمل يقيمه، فأشبه الأجر.
[ ٢ / ١٢ ]
[٢٦٧] ذكر عن ابن أبي ليلى أنه قال:
بلغني أن عليًا ﵁ رزق شريحًا [﵀] خمسمائة درهم.
يريد به كل شهر.
وإنما فعل ذلك لأنه كان كثير العيال، فكان يحتاج إلى ذلك القدر.
[ ٢ / ١٣ ]
[٢٦٨] ذكر عن الأزهري أنه قال:
«رزق رسول الله ﷺ عتاب بن اسيد حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة».
[ ٢ / ١٤ ]
قال اسحق: لا أدري ذهبًا أو فضة، فإن كان ذهبًا فمال عظيم، لأن الأوقية أربعون مثقالًا فأربعون مرة يكون مالًا عظيمًا.
وإنما رزقه لأنه ولاه مكة، واستقضاه بها، فكان قاضيًا وواليًا.
في الحديث دليل على أنه [ينبغي أن] يرزق القاضي من بيت المال ما يكفيه وأهله، ومن يمونه، ومن يكون من أعوانه.
وتكلموا: أن رسول الله ﷺ من أي مال رزقه ولم تكن يومئذ الدواوين [ولا بيت المال] فإن الدواوين وبيت المال إنما ظهرت في زمن عمر ﵁.
قيل: إنما رزقه من الفيء، مما أفاء الله تعالى عليهم.
وقيل: إنما رزقه من المال الذي أخذه من نصارى نجران، أو
[ ٢ / ١٥ ]
من الجزية التي أخذها من مجوس هجر، ويهود، وهو [فيء]، فإن القاضي [أن] يرزق له من الجزى أو الأخرجة.
[٢٦٩] روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أعطى عثمان بن أبي العاص أرضًا بالمدينة في عمالته.
[ ٢ / ١٦ ]
وللإمام أن يقطع أرض بيت المال العامل عن عمالته حتى يزرعها وينتفع بها ما دام على العمل، فإذا عزل ردها إلى بيت المال.
[٢٧٠] ذكر [عن] هشام عن محمد ﵀ أنه قال: كان لا يرى بأسًا أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال.
لأن القضاة من السلف قد ارتزقوا من بيت المال، فلا بأس أن يرتزق في زماننا، وإن استعف وتنزه فذلك أفضل له، لأن القضاة من السلف منهم من ارتزق، منهم شريح ومنهم من استعف
[ ٢ / ١٧ ]
وتنزه منهم مسروق والقاسم.
[٢٧١] ذكر عن عمر ﵁ أنه قال:
لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا بالشرط ولا صاحب مغنم.
[ ٢ / ١٨ ]
أراد به أن لا يأخذ بالشرط.
وأراد بصاحب المغنم الوالي.
وكما لا ينبغي للقاضي أن يأخذ على القضاء أجرًا لا ينبغي للوالي أيضًا؛ لأنه عامل المسلمين كالقاضي، لكن لا بأس له أن يأخذ مقدار كفايته من غير شرط.
[٢٧٢] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب:
لا بأس أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال.
[ ٢ / ١٩ ]
ثم بين المعنى فقال:
لأنه عامل من عمال المسلمين.
وقاسه على عمالة العامل في الصدقات.
[٢٧٣] ذكر عن النبي ﷺ أنه قال:
«من استعملناه منكم على عمل ولم يكن له امرأة فليتزوج امرأة، ومن لم يكن له خادم فليخذ خادمًا، ومن لم يكن له مسكن فليتخذ مسكنًا».
[ ٢ / ٢٠ ]
وإنما أراد بهذا ما تحت يده، فينتفع به مقدار ما يكون قاضيًا، فإذا عزل رد ذلك إلى بيت المال.
[٢٧٤] قال:
وقد رأيت أبا بكر وعمر ﵄ فرضًا لأنفسهما من بيت مال ما يغنيهما.
هكذا روى عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يأخذ كل يوم ثلاثة دراهم.
وروى في رواية أخرى أنه كان [يأخذ] من بيت المال كل يوم درهمين وثلاثين.
وروي عن عمر ﵁ أنه كان له من بيت
[ ٢ / ٢١ ]
المال الفرض رزقًا له ولأهله، ولم يرد في الخبر مقداره.
[٢٧٥] فهذا كله يدل على أنه لا بأس للقاضي أن يرتزق من بيت المال مقدار كفايته وأهله، ومن يمونهم، وكفاية أعوانه حتى لا تشره نفسه إلى أموال الناس.
[والله تعالى اعلم بالصواب]
* * *
[ ٢ / ٢٢ ]