[٢٢] ذكر عن الحسن [-﵀ -] أنه قال:
كان يقال: لأجر حكم عدل يوما واحدًا أفضل من أجر رجل يصلى في بيته سبعين سنة، أو قال ستين سنة.
وكان الحسن إذا روى حديثا عن واحد سمى ذلك الواحد، فإذا روى عن غير واحد قال: كان يقال.
والحسن كان [قد] ابتلى بالقضاء، ومن ابتلى بشيء يروي في ذلك الباب ما يرجع في محاسن ذلك الشيء.
[ ١ / ١٥٦ ]
ثم قوله: لأجر حكم عدل … الحديث إشارة إلى ما ذكرناه من قبل أن في نبي إسرائيل كان إذا فرغ الرجل نفسه لعبادة [ربه] ستين سنة ترجى له النبوة، ويصير عظيم الشأن في ما بينهم، ولا نبي في شريعتنا بعد نبينا -﵊ -، فيكون ثواب القضاء بحق موازيا ثواب من فرغ نفسه لعبادة ستين سنة، ويكون هذا أفضل بهذا الحديث.
ولأنا قد ذكرنا من قبل أن القضاء بحق أفضل من الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله أفضل من التخلي لنفل العبادة، فلأن يكون القضاء بحق أفضل من التخلي لنفل العبادة أولى.
ثم قال الحسن: نعم أنه يدخل من عدله في ذلك اليوم على كل أهل بيت من المسلمين خيرًا، وإنما يكون كذلك لأن بالعدل يمطرون، وبالجور يقحطون، فكان نفع القضاء بحق راجعا إلى كل المسلمين.
[٢٣] ذكر عن أبي عبيدة قال:
إن الحكم العدل يسكن الأصوات عن الله تعالى، وأن الحكم الجائر تكثر منه الشكاية إلى الله تعالى.
[ ١ / ١٥٧ ]
وإنما كان [كذلك]، لأن القضاء متى كان بحق، لا يرجع كل واحد منهما شاكيا:
أما المحكوم له: فلا شك؛ لأنه يرجع شاكرا لا شاكيا.
وأما المحكوم عليه: فكذلك؛ لأنه يعلم أن الشكاية لا تنفعه.
وإذا كان الفضاء بجور يرجع كل واحد منهما شاكيا:
أما المحكوم عليه فلا شك.
وأما المحكوم له فلأنه وقع في الحرام، ولا يأمن أن يبتليه الله تعالى بقاض يحكم عليه بالجور.
[٢٤] ذكر عن الحسن [-﵀ -] أنه قال:
إن الله -﷿أخذ على الحكام ثلاثًا …
وهذا ليس إلى الحسن علمه، والظاهر أنه سمع فيه حديثا، أو حفظه من الكتب؛ فإنه كان ينظر في كتب المتقدمين، ويحفظ، ويروى، ثم قال:
لا تتبعوا الهوى …
[ ١ / ١٥٨ ]
فيه دليل على أن المنهى [عنه إنما هو] إتباع الهوى، لا نفس الهوى. وهذا لأن الإنسان إنما يخاطب بالامتناع عما في وسعه، ونفس الهوى ليس في وسعه الامتناع عنه، فإنه إذا جثا الخصمان بين يديه لابد له أن يقع في قلبه أنه ينبغي أن يكون المال لهذا أو لهذا، لكن هذا لا يمكن التحرز عنه، فلا يخاطب بالامتناع عنه، إنما يخاطب بما في وسعه، وهو الامتناع عن إتباع الهوى، قال الله تعالى:
﴿يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ الآية.
ثم قال:
وأن تخشوه، ولا تخشوا الناس.
لقوله تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني﴾.
ولقوله -﵊ -:
"من خاف الله تعالى خافه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه
[ ١ / ١٥٩ ]
الله من كل شيء".
وهذا لأنه متى خاف الناس لا يمكنه أن يطلب رضا الله تعالى، ومتى خاف الله تعالى يحصل رضا الله تعالى ورضا الناس.
ثم قال:
ولا تشتروا بآياته ثمنًا قليلًا.
إنما أراد به النهي عن أخذ الرشوة؛ لقوله تعالى:
﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾.
[ ١ / ١٦٠ ]
وأراد به والله أعلم الرشوة.
وهذا لأنه لا يخلو: أما أن يأخذ الرشوة ليقضى بالجور، وهذا حرام، أو يأخذ الرشوة ليكف عن الظلم، والكف عن الظلم واجب بدون الرشوة.
[٢٥] قال صاحب الكتاب:
وقد جاء في كراهية القضاء، وفي الدخول فيه من الأحاديث غير هذا.
[٢٦] قال: وقد دخل في القضاء قوم صالحون واجتنبه قوم صالحون، وترك الدخول فيه [أمثل، و] أصلح في الدين والدنيا لما ذكرنا من الفقه في صدر الكتاب.
وهذا إذا كان في البلدة قوم يصلحون، فإذا امتنع واحد منهم لا يأثم، وإذا لم يكن فامتنع يأثم.
وإذا كان في البلدة قوم يصلحون، فامتنعوا جميعهم، فإن كان السلطان بحيث لا يفصل الخصومات بنفسه [فإنهم] يأثمون؛ لأنه تضييع لأحكام الله تعالى.
فأما إذا كان السلطان بحيث يفصل بنفسه لا يأثمون؛ لأنه
[ ١ / ١٦١ ]
لا تضييع لأحكام الله تعالى.
ولو امتنع الكل حتى ولوا جاهلا يشتركون في الآثم؛ لأنه يؤدى إلى تضييع أحكام الله تعالى فلا يحل لهم السكوت.
والله أعلم بالصواب
* * *
[ ١ / ١٦٢ ]