[٢٤١] ذكر [عن] عبد الرحمن بن سعيد [﵀] قال:
رأيت عثمان بن عفان -﵁- جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان قال لهذا: ادع عليًا، وقل لهذا: ادع طلحة والزبير، ونفرًا من أصحاب رسول الله -ﷺ، فإذا جاءوا قال لهما: تكلما. فإذا تكلما يقبل [عليهم] فيقول: ماذا تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق قوله قضي عليهما، ولا ينظرهم بعد، فيقومان وقد سلما.
[ ١ / ٣٥٥ ]
اشتمل الحديث على فوائد منها:
أنه لم يكن بين عثمان وعلي -﵄- إلا جميلًا، بخلاف ما قاله أهل البدع.
ومنها: أنه يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد.
ومنها: أنه يجوز للقاضي أن يستفتي ويقضي بالفتوى.
ومنها: أن المشورة مستحبة.
ثم إنما يشاور إذا لم يكن وجه القضاء بينًا، أما إذا كان بينًا فلا يحتاج إلى المشورة.
وحديث عثمان -﵁- محمول على أن حكم الحادثة لم يكن بينًا.
ثم قال:
فإذا تكلما يقبل عليهم، فإن قالوا ما يوافق قوله إمضاء عليهما؛ لأنه صار إجماعًا منهم.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ثم قال:
ولا ينظرهم بعد.
لأن الحق قد ظهر، والصواب قد تبين، فلا يسعه التأخير، كما لا يسعه تأخير الفرائض.
ثم قال:
فيقومان وقد سلما.
يعني استسلما، وانقادا له.
[٢٤٢] ذكر عن إسماعيل بن أبي خالد قال:
رأيت شريحًا جالسًا على القضاء في المسجد معتمًا بعمامة بيضاء، قد ألقى طرفها بين كتفيه عليه مطرف خز، ورأيت ناسًا من العلماء يجالسونه على القضاء منهم أبو عمرو الشيباني والشعبي.
[ ١ / ٣٥٧ ]
اشتمل الحديث على فوائد منها:
أنه يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد.
ومنها: أنه ينبغي [للقاضي] أن يتعمم بعمامة.
وقد جرى الرسم في بعض الديار أن القاضي يتقلنس بقلنسوة، وذلك لا بأس به، والعمامة أولى.
[٢٤٣] ذكر عن الأعمش [أنه] قال:
قال لي القاسم بن عبد الرحمن [﵀]: لو أنك جئت،
[ ١ / ٣٥٨ ]
فجلست إلي.
يعني في مجلس القضاء.
قال: فجلست إليه. فاختصم إليه خصمان، فأخذ الأعمش عليه [فيه] فقال: لئن قلت ذلك لقد قال عبد الله: إذا علم أحدكم فليقض، وإلا فليقر، ولا يستحي.
اشتمل الحديث على فوائد منها:
أنه إذا كان من رأي القاضي أن يجلس فقيهًا معه فإنما يجلسه بالتماس منه، ولا يجبر على ذلك.
ومنها: أن القاضي إذا زلت قدمه، فعلى الفقيه الذي يجلس معه أن يقومه ويرد عليه، إلا أن الأعمش جاهره بالرد؛ لأنه
[ ١ / ٣٥٩ ]
علم أنه يغتنم ذلك، ولا يخجل بذلك.
ومنها: أن القضاة في زماننا لا يجاهرون بالرد عليهم.
وقوله: لئن قلت ذلك لقد قال عبد الله … يحتمل أن يكون هذا قول الأعمش، بأن خشي أن يخجل منه القاسم فقال: لقد قال عبد الله إذا علم أحدكم فليقض وإلا فليقر ولا يستحي، ويحتمل أن يكون هذا قول القاسم: لقد قال عبد الله: إذا علم أحدكم فليقض، وإلا فليقر ولا يستحي، وأما ابن عبد الرحمن [فقد] أقر بالعجز ولا استحيي.
[ ١ / ٣٦٠ ]
[٢٤٤] ذكر عن ادريس عن أبيه رحمهما الله قال:
رأيت محارب بن دثار [﵀] يقضي وحماد والحكم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ينظر إلى حماد مرة، وإلى الحكم مرة، والخصوم بين يديه.
وهذا الحديث يفيد ما أفاد [الحديث] الأول.
[٢٤٥] ذكر عن معمر، عن أيوب، عن محمد ﵏ قال:
كانوا يرون للأمير ما ليس للقاضي، الأمير يدني منه، ويباعد عنه، والقاضي ليه له ذلك الحديث.
[ ١ / ٣٦١ ]
وإنما كان [ذلك] لأن الناس إنما يدخلون على الأمير لأجل الزيارة، فينبغي أن يعطي كل ذي فضل فضله.
وأما القاضي فإنما يدخلون عليه لفصل الخصومات، فينبغي أن يسوي بينهم في كل شيء.
وهذا ليس بحكم مختص بكونه أميرًا أو قاضيًا، بل الحكم يتعلق بالوصف الذي بينا، حتى أن الأمير إذا جلس لفصل الخصومة يسوي بين الخصمين، والقاضي إذا جلس للزيارة يدني منه ويباعد عنه.
[٢٤٦] ذكر عن علي -﵁- قال:
نزل به ضيف، فسأله عن شيء، قال:
-ألك خصم؟
قال: نعم.
قال: فتحو ل، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:
[ ١ / ٣٦٢ ]
"لا تضيفوا الخصم، إلا مع الخصم".
وهذا لأنه إذا أضاف أحد الخصمين يتهمه الآخر بالميل إلى خصمه.
[٢٤٧] قال:
قال أبو حنيفة ﵀: لا بأس بأن يجلس القاضي معه من يثق بدينه وأمانته وفقهه في مجلس الحكم قريبًا منه حيث يسمعون كلامه وكلام من يحضر معه من الخصوم بشرط ثلاثة أشياء:
[ ١ / ٣٦٣ ]
الديانة.
والأمانة.
والعفة.
أما الديانة والأمانة فلأن مجلس القضاء يحضره امرأة شابة، فلو لم يكن متدينًا أمينًا ربما يتمكن فيه فساد.
وأما الفقه فلأن المقصود من المشورة إصابة الحق، واستخراج الحكم، وذلك إنما يتأتى بمشاورة الفقيه.
[٢٤٨] قال:
ولا ينبغي أن يشاورهم بمحضر من الخصوم في شيء مما يتقدم فيه.
لكيلا يعلم الخصوم ما يدور بين القاضي، وبين من يشاوره، وما يعزم عليه رأيه،
وقد ذكر قبل هذا في حديث عثمان -﵁- أنه شاور عليًا وطلحة والزبير [﵃]، وإنما كان، لأن الغالب في الناس في ذلك الزمان الأمانة؛ لأن النبي -ﷺ- شهد لأهل ذلك الزمان
[ ١ / ٣٦٤ ]
بالصدق والخيرية.
وإنما تقع الخصومة فيما بينهم لاشتباه المحق من المبطل، فإنما يتقدمان إلى القاضي، ليتبين المحق من المبطل، فإما في هذا الزمان فقد فسدوا واشتغلوا بالحيل.
فمتى كانت المشورة بمحضر من الخصمين، فإذا أشار إنسان على القاضي بشيء يقف عليه الخصم، اشتغل بالحيلة والتلبيس.
[٢٤٩] قال:
وإن كره القاضي أن يجلس معه غيره لخصومتهم، أو لغير ذلك لم يجلس أحدًا، وجلس وحده، إذا كان عالمًا بالقضاء، وإن لم يكن عالمًا فأولى الأشياء مناظرة الفقهاء في أمره، وما يرد عليه، وإن
[ ١ / ٣٦٥ ]
أجلس معه قومًا من أهل الفقه فهو أحب إلي.
[والله أعلم]
[ ١ / ٣٦٦ ]