[٣١١] ذكر عن محمد بن سيرين ﵀ بأن شريحًا كان يسلم على الخصوم.
لأن السلام سنة فلا تمنع عليه إقامة السنة بسبب تقلده القضاء؛ كالصلاة على الجنازة وعيادة المريض.
[٣١٢] قال صاحب الكتاب أحمد بن عمر:
وإذا دخل القاضي المسجد فلا بأس بأن سلم على الخصوم.
يريد به تسليمًا عامًا.
واختلف المشايخ فيه:
منهم من قال: إن سلم عليهم فلا بأس، وإن ترك وسعه، لتبقى الهيبة، وتكثر الحشمة، فإن ترك وتأول هذا فلا بأس به.
وإلى هذا القول مال صاحب الكتاب.
ومنهم من قال: عليه أن يسلم، ولا يسعه الترك؛ لأنه سنة، فلا يسعه ترك السنة بسبب تقلد العمل.
هذا هو الكلام وقت الدخول.
[ ٢ / ٦٦ ]
فأما إذا جلس ناحية من المسجد للفصل والحكم فلا يسلم على الخصوم، ولا يسلمون عليه.
أما [أنه] لا يسلم فلامه جلس لفصل الخصومة فينبغي أن يشتغل بما جلس لأجله.
وأما [أنهم] لا يسلمون فلان السلام تحية الزائرين، والخصوم ما تقدموا إليه إلا لأجل الخصومة. فينبغي أن يشتغلوا بما جاءوا له.
وعلى هذا قال بعض مشايخنا: جرى الرسم أن الناس متى دخلوا على الولاة والأمراء لا يسلمون عليهم، ولا هم يسلمون على الناس؛ لأن القاضي متى جلس لا يسلم ولا يسلم عليه، فالوالي والأمير أولى.
وليس كما ظنوا.
والصحيح أن الناس يسلمون عليهم، وهم يسلمون على الناس بخلاف القاضي.
[ ٢ / ٦٧ ]
والفرق أن الوالي والأمير إنما جلسوا للزيارة لا للفصل والحكم، وتحية الزائرين السلام.
فأما القاضي فإنما جلس للفصل والحكم لا للزيارة، فلا يسلمون عليه.
فإن سلموا عليه مع هذا، وهو في مجلس الحكم، فلا بأس بأن يرد ﵈.
وهذا إشارة إلى أنه لا يجب عليه رد السلام، بل يتخير: أن شاء رد، وإن شاء لم يرد؛ لأن الرد جواب، والسلام إنما يستحق الجواب إذا كان في أوانه.
أما إذا كان في غير أوانه فلا، ألا ترى أنه لو سلم على المصلي لا يستحق الجواب، فكذا هذا.
وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري
[ ٢ / ٦٨ ]
﵀ أنه كان يقول:
من جلس ليفقه تلاميذه، فدخل عليه داخل، فسلم عليه وسعه أن لا يرد السلام؛ لأنه إنما جلس للتعليم لا لرد السلام، فلا يكون السلام في أوانه، فلا يستحق الجواب، وكذا من جلس للذكر في المسجد، فدخل عليه أحد، فسلم عليه، وسعه تركه؛ لأنه جلس للذكر، لا لرد السلام، فلا يكون السلام في أوانه، فلا يستحق الجواب.
[٣١٣] قال:
ولا ينبغي للقاضي أن يكلم أحد الخصمين بشيء إلا بشيء مما هو فيه، ولا ينظر إلى أحدهما دون الآخر؛ لأنه يجترئ على صاحبه، فينكسر قلب صاحبه.
[والله تعالى أعلم]
[ ٢ / ٦٩ ]