[٢٧٦] ذكر عن أبي هريرة ﵁ أنه قال:
«لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم»
نقل أبو هريرة ﵁ لفظ رسول الله صلى الله
[ ٢ / ٢٣ ]
عليه وسلم مقيدا.
وروى عنه ﵊ أنه «لعن الراشي والمرتشي» مطلقا.
[ ٢ / ٢٤ ]
وروي عنه ﷺ أنه «لعن الراشي والمرتشي والرائش».
فالراشي: المعطي، والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يمشي بينهما ويقدر الرشوة.
[٢٧٧] والرشوة مأخوذة من الرشا، فإن الناضح لا يتوصل إلى استقاء الماء إلا به، فكذلك الإنسان لا يتوصل إلى مقصود حرام إلا بها.
[٢٧٨] ثم الرشوة لا تخلو من أربعة أوجه:
[ ٢ / ٢٥ ]
أما أن يرشوه؛ لأنه قد خوفه، فيعطيه الرشوة، ليدفع الخوف عن نفسه.
أو يرشوه؛ ليسوي أمره بين يدي السلطان، ويسعى في ذلك.
أو يرشوه؛ ليتقلد القضاء من السلطان.
أو يرشو القاضي؛ ليقضي له.
[٢٧٩] ففي الوجه الأول: لا يحل الأخذ للآخذ؛ لأن الكف عن التخويف كف عن الظلم، وأنه واجب بدين الإسلام؛ فلا يحل أخذ المال لذلك، وحل للمعطي الإعطاء؛ لأنه جعل المال صيانة للنفس، وهذا جائز في الشرع.
وكذا إذا طمع في ماله، فرشاه بعض ماله، لا يحل الأخذ، وحل الإعطاء؛ لأنه جعل بعض المال وقاية لسائر الأموال.
ولو سعى إنسان بينهما، فدفع إليه بعض المال ليوصله إلى الظالم، فلا بأس أن يفعل ذلك الإنسان، فيسعى بينهما.
[٢٨٠] وفي الوجه الثاني: لا يحل للآخذ الأخذ؛ لأن القيام بمعونة المسلمين واجب عليه بدون المال؛ فهو يأخذ المال؛ لإقامة ما وجب عليه إقامته بدونه، فلا يحل له الأخذ.
[ ٢ / ٢٦ ]
والحيلة في حل الأخذ أن يقول الرجل: استأجرني يومًا إلى الليل؛ لأقوم بعملك ببدل، فيستأجره، فيكون صحيحًا. ثم المستأجر بالخيار: إن شاء استعمله في هذا العمل، وإن شاء استعمله في عمل آخر.
وهل يحل للمعطي الإعطاء بدون هذه الحيلة؟
تكملوا فيه:
منهم من قال: لا يحل. لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ سيأتي بعد هذا. ولأنه لا يحل الأخذ فلا يحل الإعطاء.
ومنهم من قال: يحل. وهذا أصح كالوجه الأول.
هذا إذا أعطاه قبل أن يسوي أمره.
أما إذا أعطاه معد ما سوى أمره، ونجا عن ظلمه [فأنه] يحل للمعطي الإعطاء؛ لأنه أنعم عليه بالنجاة عن الظلم، قال النبي ﷺ:
«من أزلف إليه نعمة فليشكرها من غير فضل».
[ ٢ / ٢٧ ]
وأما الأخذ فهل يحل له الأخذ؟
تكلموا فيه:
منهم من قال: لا يحل؛ لأنه أقام الواجب.
ومنهم من قال: يحل، وهو الصحيح؛ لأن هذا بر وصلة. وقاسوا هذه المسألة بما ذكر محمد ﵀ في كتاب الصلاة: إن الإمام أو المؤذن إذا جمع له القوم شيئًا فأعطوه من غير شرط عليهم فما أحسن هذا، فقد سمي ذلك حسنا، وإن كانوا لا يعطونه [ذلك الشيء] إلا بسبب الإمامة والأذان، لكن جعل ذلك بمنزلة البر والصلة، فكذا هذا.
[ ٢ / ٢٨ ]
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني [﵀] حاكيًا عن أستاذه القاضي الإمام [﵀] قال:
ينظر، إن كان فعلا لو استأجره على ذلك استحق الأجر؛ بأن أعطاه لتبليغ الرسالة؛ بأن بعثه رسولًا إلى الظالم، فلما بلغ الرسالة أعطاه شيئًا، وأهدى إليه شيئًا، يحل له الأخذ، وإلا فلا.
[٢٨١] وفي الوجه الثالث: لا يحل له الأخذ والإعطاء؛ لأنه إنما يرشوه؛ ليأخذ من أموال الناس، فيحرم عليه الأخذ والإعطاء.
[٢٨٢] وفي الوجه الرابع: حرم الأخذ؛ سواء كان لذلك القضاء له بالجور أو بالحق:
أما الجور فلوجهين:
أحدهما: أنه رشوة.
والثاني: أنه تسبيب للقضاء بالجور.
وأما بالحق، فلوجه واحد، هو أنه أخذ المال لإقامة ما وجب عليه بدونه.
[ ٢ / ٢٩ ]
وأما الإعطاء، فإن كان بجور لا يحل، وإن كان بحق كذلك، نص عليه في آخر الباب على ما تبين [إن شاء الله تعالى]. ولا ينفذ قضاؤه الذي ارتشى فيه، نص عليه في آخر الباب، وسجله ذلك يكون باطلًا. وأما قضاياه بعد ذلك فهل تنفذ؟
فيه كلام.
والصحيح من المذهب عندنا أنها تنفذ، وقد مر شيء منه في صدر الكتاب، وتمامه يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
[٢٨٣] ذكر عن الحسن بن عثمان قال:
كنت مع عمي أبي سلمة بن عبد الرحمن بالإسكندرية
[ ٢ / ٣٠ ]
عند عبد العزيز بن مروان، فدخل عليه، فعرف له فضله وشرفه، وكان البواب بعد ذلك مسيئًا إليه، فقال:
[ ٢ / ٣١ ]
يا ابن أخي إن منزلتي من صاحبي لحسنة، وإني لأرى هذا يسيء إلي.
قال: فقلت له: لو أعطيته شيئًا.
قال: كيف أعطيه، وقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي أو قال: الراشي والمرتشي في النار لا أدري أي ذلك قال.
[ ٢ / ٣٢ ]
وعلى هذا الحديث قالوا: لا ينبغي للقاضي أن يتخذ بوابًا يمنع الناس من دخول المسجد. حتى يأخذ قطعة؛ لأن ذلك رشوة يأخذها بتمكين القاضي، فيكون ذلك بمنزلة رشوة أخذها القاضي، لكن ينبغي أن يتخذ بوابًا يحتسب في ذلك، ويأمر الناس بالدخول على القاضي في نوبتهم؛ فإن لم يجد أحدًا يحتسب فليعط كفايته، كما تعطى كفاية القاضي من بيت المال.
[٢٨٤] ذكر عن علقمة ومسروق أنهما سألا عبد الله بن مسعود ﵁ عن السحت، فقال: الرشوة. فقالا: في الحكم؟ قال ذلك كفر.
[ ٢ / ٣٣ ]
وتأويله من وجهين:
أحدهما: أنه أراد به التهديد لا التحقيق.
والثاني: أنه أراد به التحقيق، وإنما قال ذلك في المستحل أنه إذا استحل ذلك يكفر.