[٢٧] ذكر عن ابن بريدة عن أبيه قال:
قال رسول الله -ﷺ -:
"القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة؛ رجل علم فقضى بما علم فهو في الجنة ".
لأنه أظهر الحق بعلمه، وأنصف المظلوم ن خصمه فهو في الجنة.
ثم تكلم العلماء [في] أنه هل يجوز إطلاق اسم خليفة الله تعالى عليه؟
وأكثرهم على أنه يقال: خليفة رسول الله [-ﷺ -] ووارثه، ولا [يجوز أن] يقال خليفة الله تعالى؛ لأن هذا الاسم خاص للأنبياء.
قال:
" … ورجل جهل فقضى بجهله فهو في النار … "
[ ١ / ١٦٣ ]
لأنه جازف، وتخبط في ما صنع.
قال:
" … ورجل علم فقضى بغير علمه فهو في النار" لأنه كابر الحق، وأقدم على النار عن بصيرة.
[ ١ / ١٦٤ ]
[٢٨] ذكر عن ابن بريدة [أيضا] عن أبيه عن رسول الله -ﷺأنه قال:
"القضاة ثلاثة … " على ما بينا في الحديث الأول وزاد فيه: " … وقاض قضى بغير علم فاستحيى أن يسأل فهو في النار".
فينبغي للقاضي أنه إذا لم يعلم جواب الحادثة أن لا يستحيى من السؤال، ولا يستحيى أن يقول لا أدري متى لم يدر؛ فإنه روي عن عبد الله بن عمر -﵄أنه سئل عن مسألة فقال: لا أدري، ثم قال في نفسه: بخ بخ لابن عمر لم يدر فقال لا أدري.
[ ١ / ١٦٥ ]
وهذا لأنه متى لم يدر يفترض عليه السؤال؛ فإذا ترك فقد ترك ما هو فرض عليه، فهو في النار.
[٢٩] ذكر عن علي بن أبي طالب -﵁أنه قال:
"الحكام ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل ترك الحق
[ ١ / ١٦٦ ]
عيانا وهو يراه فهو في النار، ورجل حكم فاجتهد فأصاب فهو في الجنة، ورجل حكم فاجتهد فاخطأ فهو في النار".
وهذا الحديث أفاد مثل ما أفاد الحديث الأول، إلا أن فيه زيادة شيء، فإنه قال: "ورجل حكم فاجتهد فاخطأ فهو في النار".
وقد صح في الحديث المرفوع إلى رسول الله -ﷺأنه قال:
"إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فاخطأ فله اجر واحد".
[ ١ / ١٦٧ ]
فلابد من التوفيق بين هذا الحديث المرفوع وبين حديث علي كرم الله وجهه.
ووجه التوفيق من وجهين:
أحدهما: أن تأويل ما ذكر في الحديث المرفوع، أنه اجتهد فكان من أهل الاجتهاد.
وتأويل ما ذكر في حديث علي -﵁أنه اجتهد ولم يكن من أهل الاجتهاد، وإذا لم يكن من أهل الاجتهاد لم يحل له الاجتهاد، فإذا اجتهد فهو في النار.
وإلى هذا أشار علي -﵁على ما ذكر، وقال: هو الحروري اجتهد فاخطأ فهو في النار.
[ ١ / ١٦٨ ]
والحروريون قوم من الخوارج لا يأخذون بسنة رسول الله -ﷺ -، ويقولون: ما وجدنا في كتاب الله تعالى نعمل به، وما لم نجد في كتاب الله تعالى لا نعمل به، ولهذا لا يرون الرجم ونصاب السرقة.
والثاني: أن تأويل ما ذكر في الحديث المرفوع أنه اجتهد في محل الاجتهاد،
وتأويل ما ذكر في حديث علي -﵁ -: أنه اجتهد بذلك في غير محل الاجتهاد؛ بأن اجتهد في موضع النص.
الدليل عليه ما روي عن الحسن البصري -﵀أنه دخل على إياس بن معاوية بعد ما قلد القضاء، فوجده باكيا حزينا، فقال له
[ ١ / ١٦٩ ]
الحسن: ما أصابك؟ فقال له: أتفكر في قول النبي علي -﵁ -: أنه من اجتهد فاخطأ فهو في النار.
فتلا عليه الحسن قوله تعالى:
﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث …﴾ الآية.
لأن داود -﵇كان مجتهدا، وسليمان اجتهد وأصاب، وقد مدحهما الله تعالى بقوله:
﴿وكلا آتينا حكم وعلما﴾.
فبين له الحسن بهذا أنه أنما قال علي -﵁في من لم يكن
[ ١ / ١٧٠ ]
من أهل الاجتهاد، أو اجتهد في غير محل الاجتهاد.
فهذا هو التوفيق بين الحديثين.
[٣٠] ذكر عن قتادة عن أبي موسى الأشعري -﵀أنه قال:
"لا ينبغي للقاضي أن يقضى حتى يتبين له الحق كما يتبين الليل من النهار" فبلغ ذلك عمر بن الخطاب -﵁فقال: "صدق".
[ ١ / ١٧١ ]
وهذا لأن النبي -عليه [الصلاة و] السلام -قد أخذ على الشاهد هذا، فقال:
"إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع".
وولاية القضاء فوق ولاية الشهادة؛ لأن القضاء ملزم بنفسه والشهادة غير ملزمة بنفسها، حتى ينضم إليها القضاء.
فإذا أخذ هذا على الشاهد كان على القاضي بطريق الأولى.
وهذا إنما يكون في موضع النص؛ فإن النص مقطوع به
[ ١ / ١٧٢ ]
فيتبين له به الحق كما يتبين الليل من النهار، فإما في غير موضع النص فلا؛ لأن في غير موضع النص يقضى بالاجتهاد، والاجتهاد ليس بدليل مقطوع به، فلا يتبين له به الحق كما يتبين الليل من النهار.
[٣١] ذكر عن الشعبي أنه قال له رجل: اقض بيننا بما أراك الله تعالى، فقال [له] الشعبي: لسن تراني قاضيا.
قوله: بما أراك الله تعالى: أي بما علمك الله تعالى وهداك وأمرك، والله تعالى أمره بالقضاء بالحق.
وقول الشعبي: لست تراني قاضيا تكلموا فيه على ثلاثة أوجه:
منهم من قال: [معناه] لست من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم، وهم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام -؛ فأنا قاض، ولست بنبي، وأنت بهذا القول تعتقد أني نبي ولست بقاض؛ فيكون هذا دليلا على [أن] المجتهد يخطئ ويصيب.
ومنهم من قال: معناه: لست تراني قاضيا؛ لأنك تطلب مني ما لا
[ ١ / ١٧٣ ]
طريق إلى التوصل إليه، وهو الوصول إلى الحق لا محالة.
ومنهم من قال: معناه: لست تراني قاضيا بعد هذا؛ فإني لا اجلس مجلس القضاء؛ فإني ما علمت أن الخصوم يطلبون الصواب لا محالة من القاضي، فإذ علمت الآن، فلا أجلس مجلس القضاء بعد هذا.
وفائدة الحديث أن المجتهد يخطئ ويصيب.
[٣٢] ذكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁أنه سمع رسول الله -ﷺيقول:
"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم واجتهد فاخطأ فله أجر واحد".
لأنه إذا أصاب فله أجر الاجتهاد وأجر إظهار الحق، وإذا اخطأ
[ ١ / ١٧٤ ]
فله أجر الاجتهاد لا غير؛ لأنه ما أظهر الحق.
وهذا إذا اجتهد في محل الاجتهاد.
أما إذا اخطأ في غير محل الاجتهاد فلا يثاب؛ لأنه مقصر كما في التحري في باب القبلة إذا تحرى وصل فاخطأ؛ إن تحرى في موضع التحري بأن تحرى عن عدم الأدلة والعلامات أجزأه، وإن اخطأ لا في محل التحري بأن تحرى عند وجود العلامات من المحاريب وغيرها لم يجز لما قلنا.
وفائدة الحديث أن المجتهد قد يخطي وقد يصيب.
[٣٣] ذكر بعد هذا حديث أبي هريرة -﵁ -.
[٣٤] ذكر عن عمر -﵁أنه قضى بقضاء فقال رجل:
[ ١ / ١٧٥ ]
هذا والله الحق، فسكت عمر -﵁ -، ثم عاد إلى القضاء، وقضى، فعاد الرجل إلى ذلك ثانيا، ثم عاد عمر إلى القضاء، فعاد الرجل إلى ذلك ثالثا، فقال عمر -﵁ما يدريك؟ فوالله ما يدري عمر أصاب الحق أم اخطأ ولكنه لا يألو.
فيه دليل على أن الإنسان إذا سمع من الإنسان كلاما لا يكون موضعا له لا يرد عليه في المرة الأولى؛ لأن في المرة الأولى يجوز أن يجري على لسانه غلط، فإذا تأكد بالتكرار يستدل به على أنه إنما قال عن قصد فحينئذ يرد عليه.
[ ١ / ١٧٦ ]
وقول عمر -﵁ -: لا يألو يعني: لا يقصر.
وفائدة الحديث أن المجتهد يخطى ويصيب.
[٣٥] وعن شريح أنه قضى بقضية فقال له رجل: والله لقد قضيت على بغير حق، فقال شريح: والله ما أنا بشاق الشعرة شعرتين.
يعنى: لست من المجتهدين الذين يصيبون الحق باجتهادهم، كما أني لست بقادر على أن اجعل الشعرة شعرتين، وإنما علي أن اعتمد البينة وأقضى بها، وقد أتيت بما أمرت به، فبعد ذلك لا يضرني قولك
[ ١ / ١٧٧ ]
أخطأت.
وفيه دليل على أنه ينبغي للقاضي أن يحلم عن الخصوم، ولا يضجر إذا سمع بمثل هذا الكلام، ألا ترى أن شريحا قال: ما أنا بشاق الشعرة شعرتين.
وهكذا ينبغي للمفتي أن يحلم عن المستفتى في مثل هذا، ولا يضجر.
[٣٦] ذكر عن ابن سيرين قال:
قال عمر -﵁ -:
أني قضيت في الجد قضايا مختلفة كل ذلك لا آلو فيه عن الخير.
[ ١ / ١٧٨ ]
يعنى: لا أقصر في طلب الحق.
في الحديث دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب.
وفيه دليل أيضا أن كل حكم امضي بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله.