[٣٢١] ذكر عن فرات بن أحنف عن أبيه ﵀. أن رجلًا رفع إلى شريح قصة، فقال:
إنا لا نقرأ الكتب.
اختلف الناس في أخذ القصة:
[ ٢ / ٧٤ ]
منهم من قال: لا يأخذ، ولا يقرأ، في أي حال كان.
وشريح كان ممن لا يأخذ القصة؛ لأنه لو قبل من أحدهما ربما يتغير قبل الآخر؛ لأن ابقصه مما يبالغ فيها.
ومنهم من قال: لا يأخذه إذا جلس للقضاء، اما إذا كان في داره، أو عند فناء داره، فيأخذ، أو يقرأ، وهو المذهب عندنا؛ فإن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون القصة، وكذا من بعدهم من الخلفاء والأمراء.
وهذا لأن من الجائز أن يكون الخصم أعجميًا، لا يعرف لسان القاضي، ولا القاضي [يعرف] لسانه. فلابد [من] أن يستعين بغيره؛ ليكتبه، فيدفعه إلى القاضي، فتصير الحال به معلومة للقاضي، إلا إذا كان جالسًا مجلس القضاء؛ لأنه لو جلس للقضاء، فيشتغل بما يجلس له. وشرح إنما لم يأخذ؛ لأنه جلس مجلس القضاء لما نبين
[ ٢ / ٧٥ ]
في الحديث الثالث [إن شاء الله تعالى].
[٣٢٢] ذكر عن ابن سيرين [﵀] قال:
كان شريح إذا سئل: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وشطر الناس على غضبان. ويروى: وشطر الناس على غضاب.
لم يرد حقيقة الشطر، وإنما أراد به شطر الخصوم، ولم يرد به أيضًا حقيقة شطر الخصوم؛ لأن من الخصوم من ينصرف إلى الصلح، فيكون كل واحد منهما شاكرًا، وكذلك المقضي عليه، قد يكون ورعًا دينا، فيقوم من مجلسه، وينقاد للحق.
دل على أنه أراد به قريبا من الشطر.
دل الحديث على التحذير عن الدخول في القضاء.
[٣٢٣] ذكر عن ابن سيرين [﵀] أن شريحًا كان يجيز الاعتراف في القصص.
وفيه بيان أن شريحًا كان ممن يأخذ القصة.
لأن الاعتراف إنما يكون بعد أخذ القصة.
والعلماء مختلفون في ذلك.
[ ٢ / ٧٦ ]
فمن مذهب شريح أنه كان إذا أخذ القصة يقول للخصم: أهذه قصتك؟ فإن قال: نعم، يقول: أنت كتبتها؟ فإن قال: [نعم، يقول: أهو كما فيها؟ فإن قال: نعم، قرأها، فإن كان فيها إقرار قضى عليه؛ لإقراره على نفسه.
والمذهب] عندنا إنه يأخذ القصة، ولا يقضي عليه بإقراره على نفسه؛ لأن من الجائز أن الكاتب هو الذي زاد أو نقص، أو كتب بنفسه، لكنه غلط، أو أخطأ، أو يحتمل أنه كتب، ولم يكن من قصده أن يدفعها إلى القاضي، ثم أخطأ، أو نسي، فدفعها إلى القاضي، فكان محتملًا، فلا يكون حجة إلا إذا أعلمه القاضي ما فيها.
فإن أعلمه، واعترف به قضى عليه بإقراره على نفسه.
وذكر في بعض النسخ: أن شريحًا كان لا يجيز الاعتراف في القصص، والأول أصح.
فإن كان المروي هذا فمن قال أن شريحًا كان يأخذ القصة، تأول الحديث في أول الباب: أنه إنما لم يأخذ؛ لأنه في مجلس
[ ٢ / ٧٧ ]
القضاء، وهو مذهبنا، لا يحتاج إلى التأويل؛ لجواز أن يأخذ القصة، ولا يجيز الاعتراف في القصة كما هو مذهبنا.
وإن كان المروي ذلك -وهو الأصح -فمن قال أن شريحًا كان لا يأخذ القصة، ويجري حديث أول الباب على ظاهره [فإنه] يحتاج إلى تأويل هذا الحديث.
وتأويله: أن شريحًا عرف حياء المدعي وعجزه، والقاضي إذا عرف حياء المدعي وعجزه يأخذ القصة منه.
ونظير هذا ما قالوا في توكيل أحد الخصمين إذا وكل فالقاضي إن أتهمه بالتلبيس والتدليس وتعليه على خصمه لا يقبل منه الوكالة.
وإن عرف أنه عاجز لا يقدر على البيان بنفسه يقبل [الوكالة] فكذا هذا.
[والله تعالى أعلم]
* * *
[ ٢ / ٧٨ ]