[٢٥٦] ذكر عن الحسن في قوله تعالى: "وفصل الخطاب" قال: العلم بالقضاء.
وتكلموا في تفسيره، وهذا أحد أقاويلهم.
وقال بعضهم: فصل الخطاب الشهود والإيمان.
وقال بعضهم: هو كلمة أما بعد.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وقال بعضهم: هو المعرفة بوجوه القضاء.
وقال بعضهم: الخصوم وهو أضعف التآويل في هذا الباب.
ووجه صحة هذا التأويل أن يراد به الفصل بين الخصوم.
[٢٥٧] ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي [قال]:
إن داود -﵊- لما أمر بالقضاء قطع به،
[ ١ / ٣٧٣ ]
فأمر أن يسألهم الشهود، قال: وأسْرُهْهُمْ أن يحلفوا باسمي وبي.
معنى قوله: قطع به أي عجز عن فصل القضاء فأمره الله تعالى أن يقضي ببينة المدعي ويمين المدعى عليه، وأمرهم أن يحلفوا باسمه وبه.
وهذا كان بعد رفع السلسلة.
وقصة السلسلة معروفة:
فإنه روى أن داود النبي –﵊- لما أمر بفصل القضاء نزلت السلسلة من السماء، فإذا تقدم إليها الخصمان،
[ ١ / ٣٧٤ ]
فالمحق منهما تدلت السلسلة له فنالها، والمبطل منهما تقلعت السلسلة فما نالها.
فكان يفصل بها. فرفعت السلسلة.
وكان سبب الرفع أنه احتال بعض الناس. وذلك أن رجلًا أودع رجلًا دنانير، ثم جحد المودع له الدنانير، وكان شيخًا معه عصا، فاختصما إلى داود -﵊-، فاحتال المودع ونقر عصاه وجعل الدنانير في العصا، فلما اختصما قام المدعي إلى السلسلة فنالها، فقال المدعى عليه للمدعي: خذ عصاي حتى أنال السلسلة فأخذها، فكان محقًا في الإنكار بعد ذلك، أنه لا حق له قبله، فتحير داود عليه [الصلاة و] السلام، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بالقصة، فرفعت السلسلة، فقطع داود -﵊- عن القضاء فأمره تعالى أن يقضي ببينة المدعي ويمين المدعى عليه.
[٢٥٨] ذكر عن مجاهد ﵀ أنه قال في قوله تعالى: "يؤتي
[ ١ / ٣٧٥ ]
الحكمة من يشاء" ليست النبوة، لكنه العلم والقرآن والفقه.
هكذا فسر مجاهد.
وقال بعضهم: الحكمة تلاوة القرآن.
وقال بعضهم: استظهار القرآن.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وقال بعضهم: الفقه في الأحكام.
[٢٥٩] ذكر عن عمر بن عبد العزيز [﵁] أنه قال:
خمس إذا أخطأ القاضي منهم خصلة كانت فيه وصمة ..
أي عيب.
وهذه ثلاثة ألفاظ: الوصم، والفصم، والقصم.
فالوصم: هو الكسر اليسير،
والقصم فوقه.
والقصم فوق ذلك.
على مثال القبص، والقبض، والأخذ.
فالقبص: هو الأخذ برؤوس الأصابع.
والقبض فوقه، وهو الأخذ بالأصابع.
والأخذ فوق ذلك، وهو الأخذ بجميع اليد.
ثم بين الخمسة فقال:
أن يكون فهما، وأن يكون حليمًا، وأن يكون عفيفًا،
[ ١ / ٣٧٧ ]
وأن يكون عالمًا، وأن يكون صايبا.
وفي بعض الروايات:
وأن يكون صليبًا، يعني صلبًا في الدين، وأن يكون سؤولًا عن العلم.
[ ١ / ٣٧٨ ]
أما الفهم، والحلم، والعفة، والرأي الصائب، أو الصلابة في الدين فحتى لا يتبع الهوى.
هذه الأربعة قد ذكرناها بقى الخامس: وهو أن يكون سؤولًا عن العلم، وهذا لأن كل العلوم لا تؤتي كل واحد، لكن يؤتي كل أحد بعض العلوم، فإنما يضم ما عند غيره إلى ما عنده بالسؤال، فحب أن يكون سؤولًا لهذا.
[والله أعلم بالصواب]
[ ١ / ٣٧٩ ]
بحمد الله وتوفيقه نجز طبع الجزء الأول من كتاب شرح أدب القاضي للخصاف، في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك ١٣٩٧ هـ، الموافق لليوم السابع والعشرين من شهر آب ١٩٧٧.
ويتلوه الجزء الثاني (بتجزئتنا) وأوله الباب الحادي عشر في ما جاء في النهي أن يقضي وهو غضبان.
نرجو الله أن يتمه بالخير أنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
محقق الكتاب
محيي هلال السرحان
[ ١ / ٣٨٠ ]