[٥٠] قال:
[ ١ / ١٩٢ ]
فإن كان في المصر قوم من أهل الفقه شاورهم في ذلك.
لأن الله تعالى أمر رسوله بذلك بقوله تعالى:
﴿وشاورهم في الأمر﴾.
والقاضي لا يكون أفضن في نفسه من الرسول -﵇ -.
ولأن المشورة تفتح العقول.
[٥١] فإذا شاورهم فإن اتفقوا على شيء وكان رأيه كرأيهم فصل الحكم.
وأن اختلفوا: نظر إلى أقرب الأقاويل عندهم من الحق، وأمضى ذلك أن كان من أهل الاجتهاد.
[٥٢] ولا يعتبر كبر السن، ولا كثرة العدد.
أما كبر السن: فلأن الأصغر في السن قد يوفق الصواب في حادثة ما لا يوفق [له] الأكبر]:
ألا ترى أن عمر -رضي الله -[عنه] كان يشاور ابن عباس -﵁ -.
وكان يقول [له]:
غص يا غواص.
[ ١ / ١٩٣ ]
وكان إذا أصاب يقول له:
شنشنة اعرفها من أخزم.
وهذا مثل تذكره العرب لمن يشبه أباه، وكان يأخذ بقوله، وعمر -﵁ كان أكبر منه سنا.
وأما كثرة العدد: فلأن الواحد قد يوفق للصواب ما لا توفق الجماعة: ألا ترى أن شهادة الواحد على رؤية الهلال إذا كانت السماء مغيمة مقبولة؛ لأنه قد يوفق للرؤية [ولا يوفق] غيره.
[٥٣] فإن اجتمع فقهاء البلدة على شيء، وكان رأيه خلاف ذلك، فلا ينبغي [له] أن يعجل بالحكم، حتى يكتب فيه إلى غيرهم،
[ ١ / ١٩٤ ]
ويشاورهم ثم ينظر إلى أحسن ذلك فيعمل به؛ لأن المشورة بالكتاب من الغائب بمنزلة المشورة من الحاضر بالخطاب.
ألا ترى أن عمر بن الخطاب -﵁كان يكتب إلى أبي موسى الأشعري، وأبو موسى أيضا كان يكتب إليه [ويشاوره] ويستشيره؛ فإن وافق رأيهم رأيه قضى به، وإن خالف رأيه قضى برأي نفسه؛ لأن رأيه صواب عنده، ورأي غيره ليس بصواب عنده، فيقضى بما عنده، لا بما عند غيره.
[٥٤] قال:
وإذا أشكل على القاضي شيء فشاور في ذلك رجلا واحدا فقيها، فهذا على وجهين:
إن لم يكن القاضي من أهل الرأي، فهو في سعة من أن يأخذ بقوله؛
[ ١ / ١٩٥ ]
لأنه إذا لم يكن من أهل الرأي كان الواجب عليه أن يستفتى، ويأخذ بقول المفتى.
وإن كان من أهل الرأي، ورأيه خلاف رأي هذا الفقيه يقض برأيه؛ لأن رأيه صواب عنده، إلا أنه أمر بالمشورة في الابتداء رجاء أن ينضم رأيه إلى رأي غيره، فإذا لم ينضم لا يدع رأيه برأي غيره.
فإن قضى برأيه نفذ قضاؤه.
وإن قضى برأي الفقيه نفذ قضاؤه أيضا عند أبي حنيفة -﵀ -.
وعند أبي يوسف ومحمد -رحمها الله -: لا ينفذ، حتى لو صارت الحادثة معلومة للسلطان، كان له أن ينقض ذلك القضاء الذي أمضى.
هما يقولان: أن رأيه صواب عنه، ورأي غيره خطأ عنده، فإذا قضى برأى غيره فقد قضى بما هو خطأ عنده، فلا ينفذ قضاؤه، كما إذا تحرى إلى جهة ثم ترك تلك الجهة وصلى إلى جهة أخرى بتحري غيره لا يجوز، وأن أصاب الكعبة.
[ ١ / ١٩٦ ]
وكذا إذا أودع عند إنسان مالا ونسى المودع المودع، فأراد المودع أن يضع زكاته فيه لا يجوز، لأن عنده أنه غنى.
وكذا إذا كان على الرجل فائتة حديثة، فافتتح الصلاة، ونسى الفائتة، فجاء رجل واقتدى به، وهو يعلم أن عليه فائتة حديثة فصلاة الإمام جائزة، وصلاة المقتدي فاسدة؛ لأن عنده أن أمامه على الخطأ، فكذا ههنا.
أبو حنيفة -﵁ يقول:
القاضي قضى في موضع الاجتهاد، فينفذ قضاؤه، كما لو قضى برأيه.
وهذا لأنه لم يتيقن بخطأ اجتهاد غيره؛ لأن المجتهد لا يقطع القول بأن الصواب في ما قال، بل عنده أن الأمر محتمل، فإذا كان محتملا ترجح ذلك الاجتهاد باتصال القضاء به فينفذ القضاء.
هذا إذا كان للقاضي رأي وقت القضاء وقد قضى برأي غيره.
وأما إذا لم يكن للقاضي رأي وقت القضاء فقضى برأي غيره ثم ظهر للقاضي رأي بخلاف ما قضى فهل ينقض قضاءه؟
[ ١ / ١٩٧ ]
اختلف أبو يوسف ومحمد [-رحمهما الله -] فيما بينهما:
قال أبو يوسف: لا ينقض.
وقال محمد: ينقض
محمد -﵀يقول:
رايه في حق وجوب القضاء عليه بمنزلة النص، ولو قضى برأيه، ثم تبين النص بخلافه، ينقض قضاؤه، كذا هذا.
وأبو يوسف -﵀يقول:
بأن رأي غيره، إذا لم يكن له رأي، بمنزلة رأيه، إلا ترى أنه يجب عليه القضاء برأي نفسه، ثم ظهر له رأي بخلافه، ولو كان كذلك لا ينقض قضاءه كذلك ههنا.
والله أعلم
* * *
[ ١ / ١٩٨ ]