[٣٧] قال أحمد بن عمر صاحب الكتاب -﵀ -:
وينبغي للقاضي أن يقضى بما في كتاب الله تعالى من الأحكام التي لم تنسخ؛ لأن الكتاب أمام المتقين وأمام كل حجة.
فإن ورد عليه شيء لم يعرفه في كتاب الله تعالى قضى في ذلك بما جاء فيه عن رسول الله -ﷺ -. لأنا أمرنا بإتباع الرسول -﵊قال تعالى:
﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا …﴾ الآية.
فإن لم يجد نصا جاء عن رسول إلى -ﷺ -، قضى فيه بما اجتمع عليه أصحاب رسول الله -ﷺ -.
[ ١ / ١٧٩ ]
قال النبي -ﷺ -:
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي عضوا عليها بالنواجذ". هذا إذا كان بينهم اجتماع.
فإن كان بينهم اختلاف، فإن كان القاضي من أهل التمييز والنظر ميز بين أقاويلهم، ورجح قول البعض على البعض، ونظر إلى أشبهها بالحق، وأقربها إلى الصواب، وأحسنها عنده، وقضى به؛ لما روى عن رسول الله -صلى والله عليه وسلم -أنه قال:
[ ١ / ١٨٠ ]
"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
فإن كان شيء لم يأت فيه عن الصحابة شيء وكان فيه إجماع التابعين، يقض به؛ لأن إجماع أهل كل عصر حجة، فإذا اجتمعوا صار ذلك سبيل المؤمنين، فلا يسعه أن يخالفهم.
[ ١ / ١٨١ ]
فإن كان فيه اختلاف بينهم صار إلى النظر والاجتهاد والتمييز، فيرجح قول البعض ويقضى به.
وإن ورد عليه شيء لم يجد فيه أيضا شيئا من التابعين، فإن كان من أهل الاجتهاد قاسه على ما يشبهه من الأحكام واجتهد رأيه، وتحرى الصواب ثم يقضي به.
فإن لم يكن من أهل الاجتهاد يستفت في ذلك، فيأخذ بفتوى المفتى، ولا يقضى بغير علم، ولا يستحيى من السؤال؛ كي لا يلحقهم الوعيد المذكور في ما رويناه من الحديث.
[٣٨] ثم نقول:
لابد من معرفة المذهب في ثلاثة فصول:
أحدها: في تقليد الصحابة -﵃وأقوالهم.
والثاني: في تقليد التابعين وأقوالهم.
والثالث: في اجتهاد الرأي والنظر.
[ ١ / ١٨٢ ]
[الفصل الأول]