[أصولا للقضاء والقضاة]
[في مكاتباته وعهوده]
[٦٠] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁أنه كتب إلى شريح فقال:
إذا جاءك شيء في كتاب الله تعالى ناقض به، ولا يلهينك، وفي بعض النسخ: ولا يلفتنك عنه الرجال، أي لا يمنعك عن القضاء
[ ١ / ٢٠٤ ]
بحق حشمة محتشم، ولا شيء آخر.
قال:
فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله، وليس في سنة رسوله، فانظر إلى ما اجمع عليه الناس.
لأن إجماع الناس حجة.
ثم قال:
فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله، ولم يتكلم به أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد رأيك وتتقدم، فتقدم.
يعنى أن شئت أن تجتهد فاجتهد رجاء أن توفق للصواب، فيكون لك أجران،
وإن شئت أن تتأخر فتأخر.
يعنى أن شئت أن تمتع من الاجتهاد مخافة أن تقصر في طريق الاجتهاد فتخطى فامتنع.
قال:
[ ١ / ٢٠٥ ]
ولا أرى التأخر إلا خيرًا لك.
يعنى اسلم لدينك؛ فإن المجتهد لا يصيب الحق الذي عند الله تعالى بالاجتهاد لا محالة.
قالوا: وهذا إنما كان في زمانهم؛ فإنه كان في المجتهدين كثيرة، فإذا امتنع عن الاجتهاد واحد لا يضيع حكم الله تعالى.
وأما في زماننا ففي المجتهدين قلة، فإذا امتنع هذا فلا يوجد من يجتهد، فيؤدي إلى ضياع حكم من أحكام الله تعالى.
[ ١ / ٢٠٦ ]
[٦١] ذكر بعد هذا حديث شريح وفيه زيادة لفظ فإنه قال:
إن لم يستبن لك في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله فاجتهد رأيك، ولا تأل.
أي لا تقصر في الاجتهاد وطلب الصواب.
[٦٢] وذكر عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن عمر بن الخطاب -﵁ -: أنه استقضى رجلا على الشام يقال له حابس بن سعد الطائي على قضاء حمص، فقال له: يا حابس كيف تقضى؟
قال: أقضى بما في كتاب الله تعالى.
قال: فإن لم يكن في كتاب الله تعالى؟
قال: فبسنة رسوله.
[ ١ / ٢٠٧ ]
قال: فإن لم يكن في سنة رسوله؟
قال: اجتهد رأيي واستشير جلسائي.
فقال عمر -﵁ -: أصبت وأحسنت.
فمكث الرجل أياما، ثم لقى عمر ذلك الرجل فقال له: ما منعك أن تسير إلى عملك؟
قال: يا أمير المؤمنين، أني رأيت رؤيا هالتني -أي خوفتني.
قال: وما هي؟
قال: رأيت كأن الشمس والقمر يقتتلان.
قال ابن الفضيل، قال حابس: رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق في جمع كثير ورأيت كأن القمر اقبل من المغرب في جمع كثير، حتى التقيا فاقتتلا جميعا.
قال: فمه أيهما كنت أنت؟
قال: مع القمر.
فقرأ عمر -﵁قوله تعالى:
﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾.
[ ١ / ٢٠٨ ]
كنت مع القمر في مغرب الشمس، اردد إلينا عهدنا.
قال عطاء: فبلغني أنه قتل بصفين مع معاوية.
أفاد الحديث فوائد:
منها أن الإنسان إذا تقلد عملا من الأعمال ينبغي أن لا يتخلف،
[ ١ / ٢٠٩ ]
ويسير إلى رأس عمله ألا ترى أن عمر -﵁أنكر عليه؟ وهذا لأنه التزم الأمانة، فيجب عليه أداء ولا يمكنه إلا أن يسير إلى رأس عمله؛ لينظر في أمر رعيته.
ومنها: أنه لا بأس بالفأل، ولا يكون هذا من باب الطيرة.
ومنها أن عمر -﵁كان يعرف التعبير، وأبو بكر -﵁كان مقدما عليه في علم الرؤيا؛ فإن النبي -ﷺسأله: فقال:
"أني رأيت كأني أسوق غنمًا سودًا تتبعها عفر".
فقال أبو بكر -﵁ -: يتبعك العرب ثم العجم. فقال النبي -صلى الله عليه ويلم: هكذا عبر لي الملك".
[ ١ / ٢١٠ ]
ومنها: أن معاوية كان ذا حظ على اعتبار رؤيا الرجل، فإن الرجل كان مع القمر في مغرب الشمس، والقمر آية من آيات الله تعالى [كما أن الشمس آية من آيات الله تعالى] إلا ن الشمس أضوأ من القمر، فعلى هذا الاعتبار كان معاوية ذا حظ، إلا أن الحق كان مع علي -﵁في توبته، وكان حظ معاوية من الملك لا من الخلافة؛ لأن رسول الله -ﷺقال:
"الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم من بعده ملك وإمارة".
[ ١ / ٢١١ ]
والخلافة تمت بموت علي -﵁ -، ومعاوية كان متأولا؛ فإن رسول الله -ﷺكان قال له يوما:
"إذا ملكت أمتي فأحس إليهم".
لكنه اخطأ في التأويل؛ فإن حظه كان من الملك لا من الخلافة؛ إلا ترى أن رسول الله -ﷺقال: "إذا ملكت أمتي .. " فثبت أنه كان متأولا فيجب كف اللسان عنه.
[ ١ / ٢١٢ ]