[الأشعري في القضاء]
[أو كتاب سياسة القضاة]
[٦٣] ذكر عن عمر بن الخطاب -﵁أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري … الحديث.
[ ١ / ٢١٣ ]
[٦٤] أورد محمد -﵀هذا الحديث في كتاب أدب القاضي وبدأ به الكتاب، وأورده الخصاف [-﵀ -] ههنا، واختلف بعض الألفاظ لكن المعاني غير متفاوتة، وسمي هذا كتاب سياسة القضاة.
[٦٥] فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد … وهذه كلمة فصل الخطاب، وأول من تكلم بها داود -صلوا الله [وسلامه] عليه -، قال الله تعالى:
﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾.
قيل: أنه أراد به كلمة أما بعد،
[ ١ / ٢١٥ ]
وإنما أرد ههنا بقوله أما بعد: يعنى: بعد ما سمعت فرغ قلبك لما أقول لك.
[٦٦] ثم قال:
[فإن] القضاء فريضة محكمة.
يعني الحكم بين الخصمين بحق فريضة محكمة، كان ثابتا في شريعة من قبلنا، وبقى في شريعتنا، لم يرد عليه النسخ والتبديل.
[٦٧] [قال:]
وستة متبعة.
يعني سنة غير مهجورة.
[٦٨] ثم قال:
فافهم، إذا ادلى إليك [الخصمان].
يعني فرغ خاطرك إذا تقدم إليك الخصمان، ورفعا الحادثة إليك؛ لتسمع كلامهما، فتوصل به إلى القضاء بحق.
[٦٩] ثم قال:
[ ١ / ٢١٦ ]
فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
يعني المدعى ربما يقر بما يبطل حقه في دعواه، أو المدعى عليه بما يلزمه، فلا نحتاج إلى القضاء، فإذا لم تسمع ذلك لتنفذه، لا ينفع التكلم بذلك الكلام وهو حق.
[٦٩] ثم قال:
آس بين الناس.
يعنى سو بين الخصمين. لكن هذا غير مشتق من التسوية؛ لأنه لو كان مشتقا من التسوية لكان من حق الكلام أن يقول: سو، لكنه مشتق من النأسي، [و] الدليل عليه قول الخنساء:
[من الوافر]
ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن … اعزي النفس عنه بالتاسي
[ ١ / ٢١٧ ]
[يذكرني طلوع الشمس صخرا … واذكره لكل غروب شمس]
وأراد به المساواة.
[٧٠] ثم قال:
في وجهك
وأراد به التسوية بينهما في النظر إليهما؛ لأنه لو فضل أحدهما في النظر ينكسر قلب الآخر، ويضعف، فيذهب، ويترك حقه، فيكون هو المضيع لحقه.
[٧١] ثم قال:
ومجلسك.
أراد به التسوية بينهما في الجلوس.
[٧٢] ثم قال:
وعدلك.
وتفسير العدل ما نقل عن أبي بكر -﵁أنه سئل عن العدل على المنبر، فأجاب على البديهة فقال: [من الرجز]
العدل أن تأتي إلى أخيكا
ما مثله من نفسه يرضيكا
[ ١ / ٢١٨ ]
وعد هذا من فصاحة أبي بكر -﵁ -، حيث أجاب بهذه الصفة على البديهة.
[٧٣] ثم قال:
حتى لا يطمع شريف في حيفك.
يعنى: في ميلك؛ قال الله تعالى:
﴿أم يخافون أن يحيف الله عليهم﴾.
[٧٤] ثم قال:
ولا ييأس ضعيف من عدلك.
وذكر محمد -﵀في كتاب أدب القاضي: ولا يخاف ضعيف جورك، والمعنى واحد.
[٧٥] ثم قال:
البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وهذا حديث مرفوع إلى رسول الله -ﷺ -، وهو من
[ ١ / ٢١٩ ]
جملة جوامع الكلم؛ فإنه تكلم بكلمتين، استنبط منهما العلماء ما بلغ دفاتر،
[ ١ / ٢٢٠ ]
ولكل [واحدة] منهما إشارة في كتاب الله تعالى:
أما قوله: البينة على المدعي، فأشار إليه قوله ﴿قل هاتوا برهانكم …﴾ الآية.
وقوله: اليمين على من أنكر، أشار إليه قوله تعالى: ﴿والله ربنا
[ ١ / ٢٢١ ]
ما كنا مشركين﴾.
[٧٦] ثم قال:
والصلح جائز بين الناس.
وذكر محمد -﵀في كتاب أدب القاضي: والصلح جائز بين المسلمين.
وما ذكر الخصاف -﵀ههنا أعم؛ لأنه يتناول المسلمين وغير المسلمين.
[ ١ / ٢٢٢ ]
[٧٧] ثم استثنى صلحًا بوصف فقال:
إلا صلحًا حرم حلالا، أو أحل حرامًا.
وهو حجة الشافعي [-﵀ -] علينا.
وتأويله عندنا: حرم حلالا لعينه، وهو ما إذا صالحت إحدى المرأتين على أن لا يطأ الأخرى، أو أحل حراما لعينه، وهو ما إذا صالح على شرب الخمر، أو أكل الخنزير.
فأما ما سوى ذلك فهو جائز.
[٧٨] ثم قال:
ولا يمنعك من قضاء قضيته بالأمس، وراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع فيه الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطل، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
لأن أبا موسى -﵁لا يكون أعظم [شأنا] من عمر -﵁ -، وهو كان ينقض بعض قضاياه، إذا ظهر فيه نص بخلافه.
وكذا عبد الله بن مسعود -﵁ -، رجع عن بعض
[ ١ / ٢٢٣ ]
فتواه.
وهذا إذا قضى عن اجتهاد، ثم ظهر [له] نص بخلافه.
أما إذا ظهر بالاجتهاد فلا ينقض؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
[٧٩] ثم قال:
الفهم الفهم …
هذا تكرار لما قال في الابتداء تأكيدا؛ فإن التكرار أصل في التأكيد: قال الله تعالى:
﴿أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى﴾.
[ ١ / ٢٢٤ ]
كذا ههنا، كرر للتأكيد، يعني: فرغ خاطرك وقلبك؛ لتفهم ما طلب منك.
[٨٠] ثم قال:
فيما يختلج [في صدرك].
وفي بعض النسخ: يتخلج في صدرك.
وفي بعضها: يتخالج …
وفي بعضها: تلجلج …
وفي بعضها: يتلجلج …
مما ليس في قرآن ولا سنة:
يعنى: الفهم فيما يتردد في صدرك؛ لتكون مقدمًا على القضاء عن بصيرة.
[٨١] ثم قال:
ثم أعرف الأشباه والأمثال.
لأنه لابد من أن يعرف الحوادث ليرد الحكم في غير المنصوص
[ ١ / ٢٢٥ ]
عليه إلى المنصوص عليه بالمعنى.
[٨٢] ثم قال:
فقس الأمور عند ذلك، وأعمد إلى أقربها إلى الله تعالى واشبهها بالحق، وأجعل لمن يطلب حقا غائبا أو شاهدا أمدًا ينتهي إليه.
أراد به أن المدعي إذا استمهل من القاضي حتى يحضر بينته فيأخذ بحقه، إنه يمهله، وكذا المدعي إذا أقام البينة، ثم أن المدعى عليه يستمهل القاضي حتى يأتي بالدفع فإنه يجيبه إلى ذلك، ولا يعجل بالحكم.
[٨٣] ثم قال:
فإن احضر بينة أخذ بحقه؛ فإن عجز عنها استحللت عليه القضية.
يعني وجهت عليه القضية.
[ ١ / ٢٢٦ ]
[٨٤] قال:
فإنه أبلغ في العذر، وأجلى للعمى.
أما [أنه] أبلغ في العذر فإن القاضي لو استعجل، يقول الخصم:
كان لي بينة، أو يقول: كان لي دفعة، ولكن القاضي لم يمهلني.
وأما [كونه] أجلى للعمى فلأن قضاءه بعد ذلك يكون عن بصيرة، لا عن ريبة واشتباه.
[٨٥] ثم قال:
المسلمون عدول بعضهم على بعض.
فظاهر الحديث حجة لأبي حنيفة -﵀ -، فإن يقول: القضاء بظاهر العدالة يجوز وعندهما لا يجوز.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان؛ فإن أبا حنيفة -﵀أفتى في القرن الثالث الذي شهد لهم رسول الله -ﷺبالصدق، ووصفهم بالخيرية، [وهما افتيا في
[ ١ / ٢٢٨ ]
زمانهما، وعند ذلك فسد الناس وفشا الكذب].
[٨٦] ثم استثنى في الحديث فقال:
إلا محدودا في حد.
فظاهر الحديث حجة لنا، فإنه استثنى المحدود من العدول، ولم يفصل بين ما قبل التوبة، وما بعد التوبة.
[٨٧] ثم قال:
أو مجربا عليه شهادة زور.
وهذا لأن الشهادة خبر محتمل، وإنما يكون حجة باعتبار جانب الصدق؛ فمتى كان مجربا عليه شهادة زور ترجح جانب الكذب، فلا تكون شهادته حجة.
[٨٨] ثم قال:
أو ظنينا في ولاء أو قرابة.
والظنين: هو المتهم. وقد قال النبي -ﷺ -:
"لا شهادة لمتهم".
[ ١ / ٢٢٩ ]
والمراد من الظنين في الولاء إذا كان قانعا بأهل البيت، يعد نفعهم نفع نفسه، وضررهم ضرر نفسه
والمراد من الظنين في القرابة إذا كانت الشهادة للمشهود له تصير شهادة لنفسه معنى؛ كما في الوالدين والمولودين.
[٨٩] ثم قال:
فإن الله تولى منكم السرائر.
[ ١ / ٢٣٠ ]
يعنى توحد الله تعالى بعلم الغيب، فلا يكلف القاضي الوقوف على الباطن؛ لأن ليس في وسعه.
[٩٠] ثم قال:
ودرأ عنكم بالبينات والإيمان.
يعنى أسقط الوبال فيي الآخرة والذم في الدنيا بالبينات والإيمان.
[٩١] ثم قال:
إياك والغضب والقلق.
أما الغضب فإنه مذموم؛ لما روي أن رجلا سأل رسول الله -ﷺفقال: دلني على ما نفعني في الدنيا والآخرة، فقال له: "لا تغضب".
[ ١ / ٢٣١ ]
فإذا كان النفع في الدنيا والآخرة في ترك الغضب، كان الضرر في الدنيا والآخرة في الغضب، ولأنه إذا غضب لا يمكنه القضاء بحق.
وكذا القلق، لأنه اضطراب النفس، والضجر.
وهذا إذا كان في موضع الاجتهاد.
فأما إذا كان في موضع النص فإنه يقضى؛ لأنه يكون واضحًا، ولا يشتبه عليه الأمر.
[٩٢] ثم قال:
والتأذي بالناس.
يعنى: أن لا يتآذى بكثرة الازدحام والاجتماع على بابه؛ لأنه بتقلد القضاء التزم فصل الخصومة في ما بين الخصوم
[٩٣] ثم قال:
والتنكر عند الخصوم.
يعنى: لا يعبس وجهه، ولا يرفع صوته على الناس.
[٩٤] ثم قال:
[ ١ / ٢٣٢ ]
فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذخر.
لأن القضاء عبادة، وهو أفضل من نقل العبادة.
[٩٥] ثم قال:
ومن خلصت نيته في الحق.
ويروى: ومن خلصت نيته، ولو على نفسه، لأن القضاء عبادة؛ فيكون الإخلاص فيه شرطًا؛ قال الله تعالى:
﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾.
[٩٦] ثم قال:
وابقى على نفسه، زانه الله تعالى.
لما روي عن رسول الله -ﷺأنه قال:
"إذا أصلح العبد سريرته أصلح الله علانيته".
لأنه عامل لله تعالى.
[٩٧] ثم قال:
ومن تزين للناس بما يعلم الله تعالى أنه ليس في قلبه شانه الله.
لأنه منافق متهاون.
[٩٨] ثم قال:
[ ١ / ٢٣٣ ]
فما ظنك بثواب الله تعالى مع عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام.
يعنى القاضي إنما يقضى بغير حق، لينال شيئا من الدنيا، أو يمد في الناس، وما عند الله تعالى من الثواب أفضل من حظوظ الدنيا.