[٣٩] أما الأول: فحاصل ما روي عن أبي حنيفة -﵀فيه ثلاث روايات:
[٤٠] أما الأولى: [فقد] قال: اقلد من كان من القضاة والمفتين من الصحابة -﵃لقوله -﵊ -:
"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".
وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتيا، فمن كان بمثابتهما مثل عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وغيرهم،
[ ١ / ١٨٣ ]
ممن كان في معناهم فأقلدهم، ولا استجيز خلافهم برأي.
وخرج عن هذا جماعة منهم أبو أمامة، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد الساعدي، والبراء بن عازب وغيرهم.
[٤١] والثانية:
قال: أقلد جميع الصحابة، ولا استجيز خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر [هم] أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب.
فقيل له في ذلك، فقال:
أما أنس: فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، فكان يستفتى من علقمة، وأنا لا أقلد علقمة، فكيف أقلد من يستفتى من
[ ١ / ١٨٤ ]
علقمة.
وأما أبو هريرة فكان يروى كل ما بلغه وسمعه من غير أن يتأمل في المعنى ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ.
وأما سمرة بن جندب، فقد بلغني عنه أمر ساءني، والذي بلغه عنه أنه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر فلم يقلدهم في فتواهم.
أما في ما رووا عن رسول الله -ﷺ -، فيأخذ بروايتهم؛ لأن كل واحد منهم موثوق به في ما يروى.
[٤٢] والثالثة:
قال: ما بلغني عن صحابي أنه أفتى به فأقلده ولا استجيز خلافه.
[ ١ / ١٨٥ ]
يعنى أقلد جميع الصحابة.
وهو الظاهر من المذهب.
وهذا لأنه لا يخلو: أما أن قالوا ذلك جزافا أو سماعا أو اجتهادا.
ولا يظن بهم أنهم قالوا جزافا.
فإذا كان سماعا لزم كل واحد منهم الانقياد له.
وأن كان اجتهادا فاجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم؛ لأنهم يوفقون للصواب ما لا يوفق غيرهم لذلك.