١٤٤ - قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْكَلَ وَيُشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ لِتُغْسَلْ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا. لِأَنَّ الْأَوَانِيَ لَا يَلْحَقُهَا نَجَاسَةُ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُهَا النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَذَلِكَ يَزُولُ بِالْغَسْلِ، فَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوَانِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، إلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُنْعِمُونَ غَسْلَ الْأَوَانِي. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعِيدَ الْغَسْلَ، وَلَا يُؤْتَمَنُ الْمُشْرِكُ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَخَذَ بِالظَّاهِرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَوَانِي الطَّهَارَةُ.
وَلَكِنَّ الْغَسْلَ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّا نَأْتِي أَرْضَ الْمُشْرِكِينَ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْهَا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا» وَبَاقِي الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ.
وَسُئِلَ الْحَسَنُ - ﵀ - عَنْ آنِيَةِ الْمَجُوسِ وَصِحَافِهِمْ وَبُرَمِهِمْ هَلْ يُطْبَخُ فِيهَا وَيُؤْتَدَمُ فِيهَا؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: انْقِهَا غَسْلًا ثُمَّ اُطْبُخْ فِيهَا وَائْتَدِمْ.
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ - ﵀ - أَنَّ (٤٤ آ) أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانُوا يَظْهَرُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَيَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ وَيَشْرَبُونَ.
[ ١٤٥ ]
وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - أَنَّهُ أُتِيَ بِبَاطِيَةٍ قَدْ شُرِبَ فِيهَا خَمْرٌ، فَأَمَرَ بِهَا فَغُسِلَتْ، ثُمَّ شَرِبَ فِيهَا، فَهَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا.
- قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ مِنْ الذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ كُلِّهِ إلَّا الذَّبِيحَةَ، لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» .
وَهَذَا لِأَنَّ الْمَجُوسَ يَدَّعُونَ إلَهَيْنِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ تَسْمِيَةُ اللَّهِ عَلَى الْخُلُوصِ، وَهُوَ شَرْطُ حِلُّ الذَّبِيحَةِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يُظْهِرُونَ التَّوْحِيدَ وَإِنْ كَانُوا يُضْمِرُونَ فِي ذَلِكَ شِرْكًا. .
١٤٦ - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: لَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ إلَّا الذَّبِيحَةَ. وَعَنْ سُوَيْد غُلَامِ سَلْمَانَ قَالَ: أَتَيْت سَلْمَانَ - ﵁ - يَوْمَ هَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ فَارِسَ بِسَلَّةٍ وُجِدَ فِيهَا خُبْزٌ وَجُبْنٌ وَسِكِّينٌ. فَجَعَلَ يَطْرَحُ
[ ١٤٦ ]
لِأَصْحَابِهِ مِنْ الْخُبْزِ وَيَقْطَعُ لَهُمْ مِنْ الْجُبْنِ فَيَأْكُلُونَ، وَهُمْ مَجُوسٌ. فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِطَعَامِهِمْ مَا خَلَا الذَّبِيحَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْغَانِمِينَ أَنْ يَتَنَاوَلُوا مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. .
١٤٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - ﵄ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَوَارِيزِ الْمَجُوسِ وَكَوَامِخِهِمْ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الذَّبِيحَةِ، وَهُمْ فِي إصْلَاحِ الْأَطْعِمَةِ فِيمَا سِوَى الذَّبِيحَةِ كَالْمُسْلِمِينَ. .
١٤٨ - وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ الْأَكْلِ مَعَ مَجُوسِيٍّ وَهُوَ يُزَمْزِمُ فَقَالَ: كُلْ مِنْ طَعَامِ الْمَجُوسِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سَأَلَهُ السَّائِلُ.
وَهَذَا لِلْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْمَجُوسَ مِنْ الزَّمْزَمَةِ إذَا أَكَلُوا. وَلَكِنَّهُ أَثَرٌ شَاذٌّ.
وَلِأَجْلِ عَقْدَ الذِّمَّةِ نَتْرُكُهُمْ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ شُرْبِ الْخُمُورِ وَتَنَاوُلِ الْخَنَازِيرِ. فَلِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّعْبِيُّ لِهَذَا الْجَانِبِ، وَأَفْتَى لَهُ بِتَنَاوُلِ طَعَامِ الْمَجُوسِ، يَعْنِي مَا خَلَا الذَّبِيحَةَ.
[ ١٤٧ ]
١٤٩ - وَعَنْ إبْرَاهِيمَ - ﵀ - قَالَ: لَمَّا فَتَحَ أَصْحَابُنَا السَّوَادَ أَكَلُوا مِنْ خُبْزِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُمْ ظَفِرُوا بِمَطْبَخِ كِسْرَى، وَقَدْ أَدْرَكَتْ الْقُدُورُ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ صِبْغٌ، فَجَعَلُوا يُلَطِّخُونَ لِحْيَتِهِمْ بِذَلِكَ. فَقِيلَ: إنَّهُ مَأْكُولٌ. فَأَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أُتْخِمُوا. وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قُدُورَهُ كَانَتْ لَا تَخْلُو عَنْ اللَّحْمِ، فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَنَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِالْأَحْكَامِ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِفِعْلِ أَمْثَالِهِمْ عَلَى الْجَوَازِ. .
١٥٠ - ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا وَكَرِهَ تَزْوِيجَ نِسَائِهِمْ وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَبْقَى لَهُ نَسْلٌ (٤٤ ب) فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا عِنْدَهُ فَلَا.
١٥١ - وَاسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَتَبَ إلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ. فَمَنْ أَسْلَمَ قَبِلَ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَأَنْ لَا يُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ وَلَا يُنْكَحَ لَهُمْ امْرَأَةٌ» .
[ ١٤٨ ]
فَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِتَخْصِيصِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْمَجُوسَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِنِكَاحِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَإِنَّهُ بَنَى هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ. وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. .
١٥٢ - ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ كَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْمَجُوسِيَّةَ بِالنِّكَاحِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ. لِأَنَّ حِلَّ الْوَطْءَ يُبْتَنَى عَلَى مِلْكِ الْمُتْعَةِ. وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمَجُوسِيَّةِ بِسَبَبِ مِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ بِسَبَبِ النِّكَاحِ.
فَأَمَّا الصَّابِئُونَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - فَيَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَةِ نِسَائِهِمْ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِ.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي أَنْ الصَّابِئِينَ مِنْهُمْ. فَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُظْهِرُونَهُ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَعْتَقِدُونَ فِي أَنَّ الْكَوَاكِبَ آلِهَةٌ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُضْمِرُونَهُ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَجِيزُونَ إظْهَارَ مَا يَعْتَقِدُونَ قَطُّ، بِمَنْزِلَةِ الْبَاطِنِيَّةِ. فَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ الْجَوَابَ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ، وَهُمَا بَنَيَا عَلَى مَا يُضْمِرُونَ. وَعَلَى ذَلِكَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَجُوسِ أَوْ شَرٌّ مِنْهُمْ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ ١٤٩ ]