٤٣ - بَابُ الْأَمَانِ ثُمَّ يُصَابُ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ أَمَانِهِمْ.
٣٥٤ - قَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَمَّنَ قَوْمًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَأَصَابُوا النِّسَاءَ وَالْأَمْوَالَ فَاقْتَسَمُوهَا، وَوُلِدَ مِنْهُنَّ لَهُمْ أَوْلَادٌ، ثُمَّ عَلِمُوا بِالْأَمَانِ، فَعَلَى الْقَاتِلِينَ دِيَةُ الْقَتْلَى. لِأَنَّ أَمَانَ الْوَاحِدِ نَافِذٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَظْهَرُ بِهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّقَوُّمُ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَالْقَتْلُ مِنْ الْقَاتِلِينَ كَانَ بِصِفَةِ الْخَطَأِ حِين لَمْ يَعْلَمُوا بِالْأَمَانِ، أَوْ بِصِفَةِ الْعَمْدِ إنْ عَلِمُوا بِالْأَمَانِ، وَلَكِنْ مَعَ قِيَامَ الشُّبْهَةِ الْمُبِيحَةِ وَهِيَ الْمُحَارَبَةُ. فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . وَالنِّسَاءُ وَالْأَمْوَالُ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ لِبُطْلَانِ الِاسْتِرْقَاقِ بِعِصْمَةِ الْمَحَلِّ، وَيَغْرَمُونَ لِلنِّسَاءِ أَصْدُقَهُنَّ لِأَجْلِ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُمْ بَاشَرُوا الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَسَقَطَ الْحَدُّ بِشُبْهَةٍ، فَيَجِبُ الْمَهْرُ وَالْأَوْلَادُ أَحْرَارٌ.
[ ٢٥٨ ]
لِأَنَّهُمْ انْفَصِلُوا مِنْ حَرَائِرَ فَكَانُوا أَحْرَارَ الْأَصْلِ، بِغَيْرِ قِيمَةٍ، مُسْلِمِينَ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَّبِعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا.
٣٥٥ - وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ قَالَ: حَاصَرْنَا مَدِينَةً بِالْأَهْوَازِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ - ﵁ - فَفَتَحْنَاهَا، وَقَدْ كَانَ صُلْحًا لَهُمْ مِنْ عُمَرَ، فَأَصَبْنَا نِسَاءً فَوَقَعْنَا عَلَيْهِنَّ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ - ﵁ - فَكَتَبَ إلَيْنَا أَنْ خُذُوا أَوْلَادَكُمْ وَرُدُّوا إلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ. وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَتْ تُسْتَرَ فُتِحَتْ صُلْحًا - وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ - فَكَفَرَ أَهْلُهَا، فَغَزَاهُمْ الْمُهَاجِرُونَ فَسَبَوْهُمْ، وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ نِسَاءَهُمْ حَتَّى وَلَدْنَ لَهُمْ، فَأَمَرَ عُمَرُ - ﵁ - بِرَدِّ النِّسَاءِ عَلَى حُرِّيَّتِهِنَّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ سَادَاتِهِنَّ. فَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّ الْقَوْمَ حِينَ كَفَرْوِ لَمْ يَغْلِبُوا عَلَى الدَّارِ وَلَمْ يَجْرِ فِيهَا حُكْمَ الشِّرْكِ وَلَمْ تَصِرْ دَرَاهِمُ دَارَ حَرْبٍ. فَلِهَذَا لَمْ (٦٨ آ) يَرَ عُمَرُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا. وَعَنْ شُوَيْسٍ قَالَ: لَقَدْ خَشِيت أَنْ يَكُونَ مِنْ صُلْبِي بِمَيْسَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ. قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: كُنْت جِئْت بِجَارِيَةٍ فَنَكَحْتهَا زَمَانًا. ثُمَّ جَاءَ كِتَابُ عُمَرَ فَرَدَدْتهَا إذَا رَدَّ النَّاسُ. وَإِنَّمَا خَافَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَدَّهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ عِنْدَهُ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ. وَقَدْ
[ ٢٥٩ ]
وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ.
- وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مَا صَنَعَ خَالِدٌ بِبَنِي جَذِيمَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا - ﵁ - فَقَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاذْهَبْ بِهِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْك» . يَعْنِي مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ الْخُمَاشَاتِ وَالذُّحُولِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَدَلَّهُمْ مَا أَصَابَ خَالِدٌ. فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ بِذَلِكَ الْمَالِ فَوَدَى لَهُمْ كُلَّ مَا أَصَابَ خَالِدٌ مِنْهُمْ، حَتَّى إنَّهُ أَدَّى لَهُمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ. حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَطْلُبُونَهُ وَبَقِيَتْ مَعَ عَلِيٍّ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَالِ، قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: هَذِهِ الْبَقِيَّةُ مِنْ الْمَالِ لَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِمَّا أَصَابَ خَالِدٌ
[ ٢٦٠ ]
مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا تَعْلَمُونَهُ. فَأَعْطَاهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَلِيٌّ - ﵁ - إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِمَّا كَانَ فِي أَمَانٍ أَوْ مُوَادَعَةٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ أُصِيبَ لَهُمْ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ. وَكَانَ خَالِدٌ أَصَابَ ذَلِكَ خَطَأً، وَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِأَنَّ قُوَّتَهُ وَنُصْرَتَهُ كَانَتْ بِهِ. وَلِهَذَا أَدَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ تَبَرَّعَ بِأَدَاءِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ. وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فَإِنَّ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ فِي الدِّمَاءِ لَا فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْ لَفْظِ الدِّيَةِ فِي بَذْلِ الْمَالِ إنَّمَا أَطْلَقَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَالِاتِّبَاعُ لِبَذْلِ النَّفْسِ. فَاسْمُ الدِّيَةِ حَقِيقَةٌ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بَذْلَ النَّفْسِ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْأَدَاءِ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ مَجَازًا. وَفِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ الصُّلْحِ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ. فَإِنَّهُ قَالَ: هَذَا لَكُمْ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا تَعْلَمُونَهُ. وَاسْتَحْسَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَلِكَ مِنْهُ.
- قَالَ: وَأَيُّمَا عَسْكَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً فَأَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . فَأَمَّا زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا مَعَهُ فَهُمْ فَيْءٌ، لِأَنَّ الصِّغَارَ صَارُوا مُسْلِمِينَ تَبَعًا لَهُ. فَأَمَّا الْكِبَارُ مَا صَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِهِ، وَزَوْجَتُهُ كَذَلِكَ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ.
[ ٢٦١ ]
وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ (٦٨ ب) بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ ثَعْلَبَةَ وَأُسَيْدًا ابْنَيْ سَعْيَةَ وَأُسَيْدَ بْنَ عُبَيْدٍ «قَالُوا لِبَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُحَاصِرًا لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَسْلِمُوا تَأْمَنُوا عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ. هَذَا وَاَللَّهِ الَّذِي كَانَ أَخْبَرَكُمْ بِهِ بَنُو الْهَيَبَانِ قَالُوا: لَيْسَ بِهِ» . وَقِصَّةُ الْهَيَبَانِ مَذْكُورَةٌ فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ قَدِمَ عَلَى يَهُودِ يَثْرِبَ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَحَضَرَهُ الْمَوْتُ فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لَمْ تَرَكْت أَرْضَ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ: يَعْنِي الْخَصِبِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فَنَزَلْت بِأَرْضِ الْجَدْبِ وَالشِّدَّةِ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لِأَجْلِ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ وَهَذَا مُهَاجِرُهُ، وَكُنْت أَرْجُو أَنْ أُدْرِكَهُ، فَمَنْ يُدْرِكُهُ مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنَى السَّلَامَ وَلْيُؤْمِنْ بِهِ، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَخَيْرُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي فِي صَبِيحَتِهَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ ابْنَا سَعْيَةَ وَابْنُ عُبَيْدٍ حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَسْلَمُوا وَأَمِنُوا عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحَاصَرَ يَأْمَنُ بِالْإِسْلَامِ كَمَا يَأْمَنُ غَيْرُ الْمُحَاصَرِ
[ ٢٦٢ ]
وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْعَدُوِّ أَشَارَ إلَيْهِ رَجُلٌ بِأُصْبُعِهِ: إنَّك إنْ جِئْت قَتَلَتْك، فَجَاءَهُ فَهُوَ آمِنٌ فَلَا يَقْتُلْهُ. وَبَعْدَ هَذَا نَأْخُذُ فَنَقُولُ: إذَا أَشَارَ إلَيْهِ بِإِشَارَةِ الْأَمَانِ وَلَيْسَ يَدْرِي الْكَافِرُ مَا يَقُولُ فَهُوَ آمِنٌ. لِأَنَّهُ بِالْإِشَارَةِ دَعَاهُ إلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُدْعَى بِمِثْلِهِ الْآمِنُ لَا الْخَائِفُ، وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك، لَا طَرِيقَ لِلْكَافِرِ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِدُونِ الِاسْتِكْشَافِ مِنْهُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْأَمَانِ بِظَاهِرِ الْإِشَارَةِ وَإِسْقَاطُ مَا وَرَاءِ ذَلِكَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْغَدْرِ. فَإِنَّ ظَاهِرَ إشَارَتِهِ أَمَانٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: إنْ جِئْت قَتَلْتُك، بِمَعْنَى النَّبْذِ لِذَلِكَ الْأَمَانِ. فَمَا لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّبْذِ كَانَ آمِنًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أَيْ سَوَاءٌ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالنَّبْذِ، وَأَشَارَ إلَى الْمَعْنَى فِيهِ فَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] وَمَبْنَى الْأَمَانِ عَلَى التَّوَسُّعِ حَتَّى يَثْبُتَ بِالْمُحْتَمَلِ مِنْ الْكَلَامِ، فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ بِالْمُحْتَمَلِ مِنْ الْإِشَارَةِ.
٣٦٠ - وَبَيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ الْهُرْمُزَانِ. فَإِنَّهُ لَمَّا أَتَى بِهِ عُمَرُ - ﵁ - قَالَ لَهُ: تَكَلَّمَ. قَالَ: أَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ حَيٍّ أَمْ كَلَامِ مَيِّتٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: كَلَامُ حَيٍّ. فَقَالَ: كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ لَنَا وَلَا لَكُمْ دِينٌ. فَكُنَّا نَعُدُّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْكِلَابِ. فَإِذَا أَعَزّكُمْ اللَّهُ بِالدِّينِ وَبَعَثَ رَسُولَهُ مِنْكُمْ لَمْ نُطِعْكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ اُقْتُلُوهُ. فَقَالَ: أَفِيمَا عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ أَنْ تُؤَمِّنُوا أَسِيرًا
[ ٢٦٣ ]
ثُمَّ تَقْتُلُوهُ؟ فَقَالَ: مَتَى أَمَّنْتُك؟ فَقَالَ: قُلْت لِي تَكَلَّمَ بِكَلَامِ حَيٍّ. وَالْخَائِفُ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَكُونُ حَيًّا. فَقَالَ عُمَرُ: قَاتَلَهُ اللَّهُ أَخَذَ الْأَمَانَ وَلَمْ أَفْطِنْ (٦٩ آ) بِهِ. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي بَابِ الْأَمَانِ.
- قَالَ: فَإِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ قَوْمًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] . لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَحْفَظُوا قُوَّةَ أَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا انْقَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ كَانَ النَّظَرُ وَالْخَيْرِيَّةُ فِي النَّبْذِ إلَيْهِمْ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ قِتَالِهِمْ بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ لَهُمْ الشَّوْكَةُ. وَالنَّبْذُ لُغَةً هُوَ الطَّرْحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
- وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ طَرْحُ الْأَمَانِ بِإِعْلَامِهِمْ وَإِعَادَتِهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَمَانِ، حَتَّى إنْ كَانُوا لَمْ يَبْرَحُوا حِصْنَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِقِتَالِهِمْ بَعْدَ الْإِعْلَامِ. لِأَنَّهُمْ فِي مَنَعْتهمْ، فَصَارُوا كَمَا كَانُوا.
- وَإِنْ نَزَلُوا وَصَارُوا فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُمْ آمِنُونَ حَتَّى يَعُودُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا. لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا بِسَبَبِ الْأَمَانِ، فَلَوْ عَمَلَ النَّبْذُ فِي رَفْعِ أَمَانِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيرُوا مُمْتَنِعِينَ كَانَ ذَلِكَ خِيَانَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ.
[ ٢٦٤ ]
وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] . وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ فَكَانَ يُشِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: حَتَّى نَفِيَ بِالْعَهْدِ ثُمَّ نُغِيرُ عَلَيْهِمْ يَعْنِي أَنَّ الْعَهْدَ كَانَ إلَى مُدَّةٍ، فَفِي آخِرِ الْمُدَّةِ سَارَ إلَيْهِمْ لَيَقْرَبَ مِنْهُمْ حَتَّى يُغِيرَ عَلَيْهِمْ مَعَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. قَالَ: وَإِذَا شَيْخٌ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ، وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ. وَكَانَ هَذَا الشَّيْخُ عَمْرَو بْنَ عَنْبَسَةَ السُّلَمِيَّ. تَبَيَّنَ لَهُ بِمَا قَالَ أَنَّ فِي صُنْعِهِ مَعْنَى الْغَدْرِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَدْنُو مِنْهُمْ يُرِيدُ غَارَتَهُمْ، وَإِنَّمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يَدْنُو مِنْهُمْ لِلْأَمَانِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا قَوْلُك: وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ؟ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يُمْضِيَ أَمَدَهَا وَيُنْبَذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» . وَفِي هَذَا دَلِيلُ وُجُوبِ التَّحَرُّزِ عَمَّا يُشْبِهُ الْغَدْرَ صُورَةً وَمَعْنًى، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ ٢٦٥ ]