٤٢ - بَابُ أَمَانِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ قَالَ - ﵁ -: اعْلَمْ بِأَنَّ أَدَقَّ مَسَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَلْطَفَهَا فِي أَبْوَابِ الْأَمَانِ. فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ دَقَائِقِ عِلْمِ النَّحْوِ وَدَقَائِقِ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَكَانَ شَاوَرَ فِيهَا عَلِيَّ بْنَ حَمْزَةَ الْكِسَائِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ خَالَتِهِ وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي عِلْمِ النَّحْوِ. وَقِيلَ: مَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ حُفَّاظِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا فَعَلَيْهِ بِبَابِ الْأَذَانِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَمَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي الْفِقْهِ فَعَلَيْهِ بِأَيْمَانِ الْجَامِعِ، وَمَنْ أَرَادَ امْتِحَانَ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي النَّحْوِ وَالْفِقْهِ فَعَلَيْهِ بِأَمَانِ السِّيَرِ.
- قَالَ: ثُمَّ أَمَانُ الرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ جَائِزٌ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ كُلِّهِمْ عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، لِقَوْلِهِ - ﵇ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» . وَالْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْعَهْدِ، مُؤَقَّتًا كَانَ أَوْ مُؤَبَّدًا، وَذَلِكَ الْأَمَانُ وَعَقْدُ الذِّمَّةِ. فَإِنْ كَانَ
[ ٢٥٢ ]
اللَّفْظُ مُشْتَقًّا مِنْ الْأَدْنَى الَّذِي هُوَ الْأَقَلُّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ [المجادلة: ٧] فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْوَاحِدِ. وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ الدُّنُوِّ وَهُوَ الْقُرْبُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَسْكُنُ الثُّغُورَ فَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْعَدُوِّ. وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ الدَّنَاءَةِ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِ الْفَاسِقِ لِأَنَّ صِفَةَ الدَّنَاءَةِ (٦٦ ب) بِهِ تَلِيقُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْأَمَانِ مَعْنَى النُّصْرَةِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ فَتْحًا مُبِينًا وَنَصْرًا عَزِيزًا. وَكُلُّ مُسْلِمٍ أَهْلٌ أَنْ يَقُومَ بِنُصْرَةِ الدَّيْنِ، وَيَقُومَ فِي ذَلِكَ مَقَامَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ النُّصْرَةُ مِنْهُ بِالْقِتَالِ عَلَى وَجْهٍ يَدْفَعُ شَرَّ الْمُشْرِكِينَ سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ مِنْهُمْ النُّصْرَةَ بِعَقْدِ الْأَمَانِ وَالصُّلْحِ كَانَ ذَلِكَ كَالْمَوْجُودِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
- وَلِهَذَا يَصِحُّ أَمَانُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا بِنْيَةٌ صَالِحَةٍ لِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، وَالْأَمَانُ نُصْرَةٌ بِالْقَوْلِ، وَبِنْيَتُهَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُجَاهِدُ بِمَالِهَا. لِأَنَّ مَالَهَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ كَمَالِ الرَّجُلِ. ٣٤٨ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ أَمَانِهَا أَنَّ «زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ
[ ٢٥٣ ]
- ﷺ - أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَمَانَهَا» . وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: «أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ، أَيْ قَرِيبَيْنِ، فَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا أَيْ قَصْدَهُمَا فَجْأَةً، وَقَالَ: أَتُجِيرِينَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقُلْت: وَاَللَّهِ لَا تَقْتُلُهُمَا حَتَّى تَبْدَأَ بِي قَبْلَهُمَا. ثُمَّ خَرَجْت وَقُلْت: أَغْلِقُوا دُونَهُ الْبَابَ. فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي أَسْفَلِ الثَّنِيَّةِ. فَلَمْ أَجِدْهُ وَوَجَدْت فَاطِمَةَ فَقُلْت: مَاذَا لَقِيت مِنْ ابْنِ أُمِّي عَلِيٍّ. أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا. فَكَانَتْ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ زَوْجِهَا. إلَى أَنْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَلَيْهِ رَهْجَةُ الْغُبَارِ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَاخِتَةَ. فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا لَقِيت مِنْ ابْنِ أُمِّي عَلِيٍّ مَا كِدْت أَنْفَلِتُ مِنْهُ. أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ
[ ٢٥٤ ]
فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا لِيَقْتُلَهُمَا. فَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ. فَقَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْت. ثُمَّ أَمَرَ فَاطِمَةَ - ﵂ - فَسَكَبَتْ لَهُ غُسْلًا فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَذَلِكَ ضُحَى فَتْحِ مَكَّةَ» . فَقَدْ صَحَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَمَانَهَا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا كَانَ لِعَلِيٍّ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمَا بَعْدَ أَمَانِهَا. وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ أَنَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهُمَا لِلشُّكْرِ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَكْعَتَيْنِ كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ الضُّحَى بِهِمَا عَلَى مَا رَوَاهُ عُمَارَةُ بْنُ رُوَيْبَةَ، فَأَرْبَعًا كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا فِي صَلَاةِ الضُّحَى عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ: أَيْ مُتَوَشِّحًا بِهِ مِنْ طَرَفَيْهِ. فَيَكُونُ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ. وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لِتَأْجُرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ - أَيْ تُعْطِي الْأَمَانَ لِلْمُشْرِكِينَ - وَفِي رِوَايَةٍ: لِتَأْخُذَ - أَيْ تَأْخُذَ الْعَهْدَ بِالصُّلْحِ وَالْأَمَان (٦٧ آ)، وَهَكَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لِتَأْخُذَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
٣٤٩ - فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فَلَا أَمَانَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يُقَاتِلُ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ -. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - ﵀ -: أَمَانُهُ صَحِيحٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ نُصْرَةِ الدِّينِ بِمَا يَمْلِكُهُ. وَالْأَمَانُ نُصْرَةٌ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ بِخِلَافِ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ نُصْرَةُ الدِّينِ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ. وَلِأَنَّهُ بِالْأَمَانِ يَلْتَزِمُ حُرْمَةَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ثُمَّ يَتَعَدَّى
[ ٢٥٥ ]
ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ. وَالْعَبْدُ فِي مِثْلِ هَذَا كَالْحُرِّ أَصْلُهُ الشَّهَادَةُ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ. لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - ﵀ - يَقُولُ: مَعْنَى النُّصْرَةِ فِي الْأَمَانِ مَسْتُورٌ فَلَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ إلَّا لِمَنْ يَكُونُ مَالِكًا لِلْقِتَالِ، وَالْعَبْدُ الْمَشْغُولُ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى غَيْرُ مَالِكٍ لِلْقِتَالِ، فَلَا تَظْهَرُ الْخَيْرِيَّةُ فِي أَمَانِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُقَاتِلًا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَهُ الْخَيْرِيَّةُ فِي الْأَمَانِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ وَاقِعًا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْأَمَانِ مُلْتَزِمًا لِلْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ إذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُلْزِمًا غَيْرَهُ ابْتِدَاءً لَا مُلْتَزِمًا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ.
٣٥٠ - قَالَ: وَالْأَمَةُ كَالْعَبْدِ فِي ذَلِكَ. وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِيهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - وَقَالَ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ جَائِزٌ. وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فِي الْعَبْدِ الْمُقَاتِلِ.
٣٥١ - وَبِحَدِيثِ الْفَضْلِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: حَضَرْنَا أَهْلَ حِصْنٍ. فَكَتَبَ عَبْدٌ أَمَانًا فِي سَهْمٍ، ثُمَّ رَمَى بِهِ إلَى الْعَدُوِّ. فَكَتَبْنَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -. فَكَتَبَ: إنَّهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّ أَمَانَهُ جَائِزٌ. وَإِنَّمَا عَلَّلَ لِصِحَّةِ أَمَانِهِ بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا لَا بِكَوْنِهِ مُقَاتِلًا. وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - ﵀ - قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ كَانَ مُقَاتِلًا؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ بِالسَّهْمِ مِنْ عَمَلِ الْمُقَاتِلِينَ، وَأَمَانُ الْمُقَاتِلِ إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْمَغَازِي ذَكَرَ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى سَهْمِهِ بِالْفَارِسِيَّةِ: مترسيد
[ ٢٥٦ ]
- فَأَمَّا أَمَانُ الذِّمِّيِّ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ لِأَنَّهُ مَائِلٌ إلَيْهِمْ لِلْمُوَافَقَةِ فِي الِاعْتِقَادِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْأَمَانِ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ نُصْرَةِ الدِّينِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ فِي الْقِتَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِلَابِ، أَوْ كَأَنَّ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، حَيْثُ يُقَاتِلُهُمْ بِمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ. وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي تَصْحِيحِ أَمَانِهِمْ بَلْ فِي إبْطَالِهِ.
- قَالَ: فَأَمَّا أَمَانُ الْغُلَامِ الَّذِي رَاهَقَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ فَعَقَلَ الْإِسْلَامَ وَوَصَفَهُ. فَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ (٦٧ ب) أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ -. جَائِزٌ. لِأَنَّهُ يَصِحُّ إسْلَامُهُ إذَا كَانَ عَاقِلًا. وَمَنْ صَحَّ إيمَانُهُ صَحَّ أَمَانُهُ بَعْدَ إيمَانِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمَانَ نُصْرَةُ الدِّينِ بِالْقَوْلِ. فَإِذَا اُعْتُبِرَ قَوْلُ مِثْلِهِ فِي أَصْلِ الدِّينِ فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - يَقُولُ فِي مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ وَالنَّظَرُ فِي الْأَمَانِ إنَّهُ مَسْتُورٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ اعْتَدَلَ، وَاعْتِدَالُ الْحَالِ لَا يَكُونُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ هُوَ لَا يَمْلِكُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْخَيْرِيَّةَ فِي الْأَمَانِ لِمَنْ يَكُونُ مَالِكًا لِلْقِتَالِ مُبَاشِرًا لَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا فِي الْقِتَالِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ: يَصِحُّ أَمَانُهُ لِكَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ. وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا كَانَ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَدِلِ الْحَالِ، فَلَا يَتِمُّ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمَانِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[ ٢٥٧ ]